ثاني شتنبر1937عبر من التاريخ المكناسي/مكناس:الأستاذ محمد بن الماحي

39537 مشاهدة
دخلت دول أوربا منذ القرن 19 في صراعات مكشوفة فيما بينها للحصول على عدد أكبر من المستعمرات من أجل ضمان أسواق استهلاكية لتصريف فائض الإنتاج ولاستجلاب المواد الأولية ومصادر الطاقة. وكان من بين البلدان المستهدفة المغرب نظرا لمكانته الإستراتيجية. وقد شكل احتلال فرنسا للجزائر سنة 1830م الحلقة الأولى لمسلسل الضغوطات الأوربية على المغرب. وهكذا تعاقبت الغارات الفرنسية على التراب المغربي ما بين 1844م/1870م من أجل تنفيذ خطتها الاستعمارية الرامية إلى ربط شمال إفريقيا بأوربا وخلق إمبراطورية شاسعة. وتوجت الضغوطات السياسية والعسكرية والاقتصادية بفقدان المغرب لاستقلاله مع معاهدة فاس حيث تمت المصادقة يوم فاتح يوليوز 1912 على معاهدة الحماية وأصبحت بموجب هذه الاتفاقية لفرنسا كامل الصلاحية باعتبارها تستعمر الجزء الأكبر من المغرب، لتقوم ببناء نظام جديد يتضمن الإصلاحات الإدارية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية والمالية والعسكرية. وكانت هذه الإصلاحات ترمي للحفاظ على أمنها وحماية مبادلاتها التجارية. وفي هذا الإطار، قام المستعمر الفرنسي بتنظيم مدينة مكناس كإقليم عسكري منذ 1912، بتعيين جنرالات متتابعين: هانريس، بويميرو، وعرايندر برغ، بهدف القضاء على الثورة الشعبية المنظمة بأحواز مكناس. وسير الحكام العسكريون الإدارة المحلية بنظام عسكري وسيطروا على المصالح الحيوية: كالعدالة، والتعليم، والصحة والأمن، والمالية والإنتاج الصناعي والفلاحي والتجاري والغابوي، وأصبحت هذه المصالح تخضع لمراقبة الكتابة العامة وتحمى من طرف ثكنات عسكرية. وقد عاشت مدينة مكناس ما بين 1912 و1926 مقاومة بالبوادي والجبال ثم بعد ذلك نشأت في كل المدن حركة سياسية حزبية قادت المقاومة عبر المطالبة بإصلاحات ثم المطالبة بالاستقلال. وتميزت هذه الحركة الوطنية رغم بعض الصعوبات والعراقيل في التنظيم. بوفاق وتضامن من أجل هدف واحد ووحيد هو الاستقلال الكامل والمطلق تحت كنف العرش العلوي في شخص الملك محمد الخامس. وتعددت مظاهر العمل الوطني بمكناس في الثلاثينات من القرن 20 ومن بينها مقاومة الظهير البربري الثاني وأحداث ماء بوفكران. كما ركز أعضاء الحركة الوطنية بعد سنة 1930 على تنوير الرأي العام، وذلك بمضاعفة الجهود لمحو الأمية بين المكناسيين والزيادة في عدد الكتاتيب القرآنية وتطوير مقرراتها وطرق التدريس بها. وعرفت هذه السنوات بناء مدارس حرة لتعليم اللغة العربية والتاريخ والجغرافية والتربية الإسلامية، كمدرسة ابن خلدون، ومدرسة الرشاد،… وكانت بحق تعبيرا عن الشعور الوطني والديني ومنيرا للهوية المغربية ضد سياسة فرنسا الإدماجية. وبعد الإعلان عن ميلاد كثلة العمل الوطني، لم يتأخر المكناسيون في تلبية نداء الانخراط، ونسقوا نشاطهم السياسي مع وطنيي فاس وباقي المدن. وقد كانت أبرز مقاومة قام بها المكناسيون تتجسد في الاصطدام الدموي مع القوات الفرنسية يوم الخميس ثاني شتنبر 1937 والمعروف بأحداث بوفكران. يقول بوشتى بوعسرية “كان يوم الخميس 2 شتنبر 1937 يوما داميا لم تشهد المدينة مثيلا له في تاريخها الاستعماري قبل هذه السنة”. وقد ظهرت هذه الحوادث على إثر مبادرة غير صائبة لإدارة الأشغال العمومية سنة 1937 في تحويل جزء من مياه وادي بوفكران لصالح أربع معمرين أوربيين بأرض ثانوية، والمرافق المدنية والعسكرية بالمدينة الجديدة (حمرية)، وأدت إلى معارضة شرعية وشكايات متعددة ثم مظاهرات شعبية مست جميع الطبقات المكناسية المسلمة فألقت السلطات الفرنسية القبض على خمس أعضاء مسيرين للمظاهرات وهم: أحمد بنشقرون، محمد بن عزوز، محمد بن أحمد برادة ومولاي إدريس المنوني، وحكم عليهم الباشا أحمد السعدي بالسجن لمدة 3 أشهر، فغضب الجمهور الحاضر بالمحكمة وثار في وجه قوات الأمن الذي بدأ يطلق النار فقتل 13 من المكناسيين وجرح 40، وتمت اعتقالات عديدة. وقد تضامنت كل المدن المغربية مع متظاهري مكناس وطالبوا بتحرير المعتقلين. وفي هذا الإطار، يقول عبد الرحمان بن زيدان “والواقع أن المكناسيون جميعا كانوا مسؤولين عما حدث وليس الزعماء الخمسة… ولما سمع المكناسيون بهذا الحكم الجائر اجتمعوا رجالا ونساء وتوجهوا للمسجد الأعظم، وعينوا جماعة منهم للذهاب عند الباشا يسؤلونه… إن كان من قام بطلب حقه يعد مجرما ويوضع في السجن فإن جميع سكان مكناس مجرمون والسجن والموت أحب إليهم من أخذ مائهم…” ويستنتج من هذه الانتفاضة أن المكناسين دافعوا عن ثروات بلادهم وهويتهم والدفاع من وراء ذلك عن الحريات العامة والسياسية والاجتماعية للمغاربة. كان أبرزها يوم الخميس 2 شتنبر 1937 ويسمى أيضا “كيرة الماء الحلو”. ولم يكن مشكل الماء وحده وراء هذه الأحداث، ولكن هناك أيضا فقدان بعض الأهالي لأراضيهم، وأثر الأزمات الاقتصادية وإرهاق المكناسيين بالضرائب وتفشي البطالة، كل هذه العوامل حتمت اصطدام المكناسيين مع القوات الاستعمارية. وقد خلف هذا الاصطدام عشرات القتلى ومئات الجرحى في صفوف المكناسيين. فضلا عن ما تعرض له بعضهم من أحكام قاسية وصلت أحيانا إلى خمس سنوات.. كما أعطى الجنرال كايو أوامره للباشا أحمد السعيدي لحبسهم 3 أشهر، وتوزيع القوات القمعية بالمدينة تحسبا لأي رد فعل يقوم به المكناسيون، فتوزعوا في باب بوعماير وقنطرة البرتغال وطوقوا حي الزيتون وسيدي بوزكري والمدينة القديمة وفصلوها عن ضواحيها. ومن الجانب الفرنسي تعرض المستعمر لخسائر بشرية ومادية (جرحى، فقدان الأسلحة والذخيرة…)، وقد تجاوز صدى هذه الأحداث القبائل المجاورة لمكناس وأهم المدن المغربية ليصل إلى العواصم العالمية الكبرى: باريس، لندن، روما، برلين، واشنطن، وموسكو و مصر، و عصبة الأمم بجنيف. وبادرت القيادات الوطنية في كل أنحاء المدن إلى تأييد سكان مكناس وإدانة القوات الاستعمارية. وقدما كل من علال الفاسي ومحمد بن حسن الوزاني احتجاجا للسلطات الفرنسية. وعبروا عن ذلك عبر جرائدهما، التي خصصت صفحات بكاملها للحوادث، كـ “العمل الشعبي” لسان الحزب الوطني وجريدة “الدفاع” لسان القوميين. وطالبوا بفتح تحقيق ومعاقبة الجناة الفرنسيين، وبعثوا القادة رسائل تضامن إلى المكناسيين عبر الجيلالي المزوار. وقامت مظاهرات بكل المدن المغربية تضامنت مع المكناسيين، كما قاموا بجمع مساعدات مالية وإقفال الدكاكين بكل من مراكش والدار البيضاء، وأزمور ووزان وفاس، والرباط وسلا ووجدة وأعلنوا الإضراب وقراءة صلاة الغائب على أرواح شهداء مكناس. وبهذا فقد عبرت الحركة الوطنية عن بداية نضجها وتنظيمها السياسي. بهذا تكون مدينة مكناس قد أعطت الانطلاقة للمدن المغربية الأخرى لتعبر صراحة عن موقفها الرافض للاستعمار. يظهر ادن أن تاريخ مكناس لحاضرها حافل بالمواقف التي تخلد اسمها عاليا في صفحات التاريخ المغربي, وعليه فمن واجبنا تعريف الشباب المغربي عامة والمكناسي على وجه الخصوص بالمواقف البطولية لأجدادهم من أجل الاعتزاز بها والاقتداء بمبادئها في مواجهتهم لتحديات العصر, وأخد العبر من تاريخ البطولي للمقاومين للمكناسسين في تماسكهم وتضامنهم من أجل المحافظة على ثروات المدينة إلى درجة تفضيل السجن والفداء بالدم والروح على أن تداس كرامتهم ويسلب مصدر عيشهم ألا وهو الماء”الذهب الأزرق”, وما هده الأحداث الخالدة في تاريخ المقاومة بمكناس وبطولات رجالاتها إلا حافز معنوي لشبابها من أجل التفاني في العطاء أكثر و إظهار حبهم لتربة بلادهم ومائها بالحفاظ على بيئة مدينتهم والعمل على الاستثمار الايجابي لثرواتها والاستغلال المعقلن لمياهها كما أن دراسة التاريخ المحلي لمدينة مكناس يجعل على عاتق المسؤولين على المدينة ضرورة إعادة إحياء ذاكرة المدينة والربط بين الماضي والحاضر من أجل بناء المستقبل وذلك من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والعمل على تفعيل مشاريع شبابية تنموية تجعل من البيئة محور استثماراتها, وكذالك بالعمل على تشجيع الاستثمار في السياحة الثقافية عبر إعادة ترميم البنايات والمآثر التاريخية الشامخة التي تشهد على عظمة التاريخ المكناسي, وتفعيل متاحف تبرز خصوصيات المدينة الإسماعيلية وتنوع وغنى وقائعها التاريخية, وما محاولة ذكرنا وتذكيرنا بأحداث ماء وادي بوفكران إلا طريقة لجلب انتباه المسئولين على شأن المدينة بمدى حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم والمتمثلة في إعادة رد الاعتبار للأجداد الذين ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل المدينة وذلك من خلال إعادة تنظيم وتهيئة المدينة وفتح أفاق الشغل والتشغيل والمستقبل الزاهر لأحفادهم من الشباب

ثاني شتنبر1937عبر من التاريخ المكناسي/مكناس:الأستاذ محمد بن الماحي
ثاني شتنبر1937عبر من التاريخ المكناسي/مكناس:الأستاذ محمد بن الماحي
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات6 تعليقات

  • عائلة عودة

    بسم الله و الصلاة على رسول الله اما بعد
    استاذي الفاضل اود ان اثير انتباهك على عدم نسيان العائلات الكبيرة المنتمية لقبائل كروان الشمالية والجنوبية الامازيغية المشكلة لساكنة مكناس والتي اعطت وبرزت في جميع المجالات كما اعطت مثالا في مقاومة المستعمرفي سبيل الله لا رياءا كما ان هذه العائلات الكبيرة والعريقة جدا في التاريخ لقرون قبل و منذ المولى اسماعيل ولا داعي لذكر بعض الاسماء لان الوقت لايسع وانصح بقرائة امهات كتب التاريخ والتحقق من كلام المتملقين

  • مولاي ادريس بن جلون

    ولد محمد حمزة الهيلالي يوم 17يوليوز 1992 بمدينة مكناس من والدته برادة صفية ووالده الشريف المكي الهيلالي حفيد المرحوم العلامة الحاج محمد برادة ترعرع في جو من الحب ملئ بالحب و الحنان وفي سن السابعة التحق بالمعهد الفرنسي ليحصل على شهادة التميز لمدة خمس سنوات ليلتحق بعد ذلك بالمعهد اللغوي الامريكي. حصل على شهادة الباكالوريا ليتتبع دراسته بكلية الحقوق بمكناس كما حال عائلته .نسبه الى عائلة برادة جعله محط اطماع الجميع لاسيما انه معروف بطبعه المرح والمتواضع الا ان هذا تغير بعد رفعه دعوى قضائية على احد المواقع الالكترونية التي نشرت خبر شراكته مع السيدة ياسمينة ابن شقرون في مشروع بنواحي مدينة مراكش والعلاقة القائمة بينهما والتي فاتت حدود الامعقول حسب الصور التي نشرت بهذا الموقع تميز دائما بعلاقتة مع اصحاب السلطة مما يجعل الابواب امامه مفتوحة .فهل كل من ينسب الى العائلات المرموقة يكون محط الشبوهات ? ام ان هذه غريزة وغرور الاسر المرموقة بالمغرب

  • بن جلون مولاي ادريس

    محمدحمزة الهيلالي ولد بمكناس سنة 1992 من والدته صفية برادة حفيد الحاج محمد برادة مما يجعله من الاسر المرموقة بمكناس هو الان طالب بكلية الحقوق ومسير لبعض مشاريع العائلة متميز بمعارفه من الاوساط المرموقة

  • محمد حمزة الهيلالي

    اهم المعلومات عن الحياة العلمية والسياسية لرائد الوطنية والمجالس العلمية بمكناس الحاج محمد برادة رحمه الله و شهادات فطاحل العلم في حقه قريبا على هدا الموقع من انجاز ابنة الحاج محمد برادة صفية برادة وحفيده محمد حمزة الهيلالي

  • الهيلالي محمد حمزة

    ولد العلامة محمد برادة بدارهم بسوق السباط سنة 1906 بمدينة مكناس من والده احمج برادة ووالدتة السعدية بن حلام وعندما بلغ سن الرشد ادخله والده الى الكتاب وبعد دلك التحق مجامعة القرويين بفاس حيت انغمس في بحر العلو م تم رجع الى مكناس ليشتغل استادا وقد تخرج على يده علماء و جنرالات وقد قال في حقه عبد الرحمان ابن زيدان انه رائد الوطنية و المجالس العلمية بمكناس وقد شغل كدلك منصب رئيس المجلس العلمي وعضو لجنة الدفاع عن ماء وادبوفكران .وسارجع انشاء الله الى تفاصيل حياته النيرة وشهادات بعض فطاحل العلم في حقه .محمد حمزة الهيلالي

  • الهيلالي محمد حمزة

    انا حفيد المقاوم والعلامة المكناسي الحاج محمد برادة و اتقدم بجزبل الشكر الى الاستاد محمد بالماحي عرفانا ببادرته الطيبة بكتابة مقال حول معركة واد بوفكران والمقاومة المكناسية التي لها كل حب و احترام شكرا جزيلا