تهافت فكرة فصل الدين عن السياسة في الخطاب السياسوي

102383 مشاهدة
وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: من تداعيات الربيع  العربي عودة  فكرة فصل السياسة عن الدين  إلى  الواجهة من جديد  خصوصا بعدما  أفرز هذا الربيع  وصول  أحزاب ذات  مرجعية  إسلامية إلى  مراكز  القرار ، و التي ظلت  لعقود بيد  أحزاب  ذات  مرجعيات أخرى ليبرالية  وعلمانية...  أو خليط منها معا . والقول  بفصل السياسة  عن الدين  يدخل ضمن  الصراع السياسوي على  السلطة  بين الأحزاب ، وهو  شكل من  أشكال  الحملات الانتخابية  لأن  الأحزاب  ذات  المرجعية  الإسلامية   تتهم  من طرف  خصومها  بأنها  تركب  الدين وتستغله  خصوصا وأن  الناس  يثقون  في الدين  ولا يثقون  في  غيره  من  المرجعيات  الوضعية .
وفكرة  فصل السياسة عن الدين  فكرة متهافتة  لأن  الدين  يشمل  الحياة  بكل  مكوناتها وجوانبها ولا يمكن  أن يوجد  في جانب دون آخر .  والذين  يريدون  اختزال  الدين في العبادات  فقط دون  المعاملات هم الذين  يقولون  بفكرة فصل  السياسة عن  الدين  . وبالرغم  من وجود نصوص دينية  تنص على  أن " الدين المعاملة " فإن  أصحاب  فكرة فصل  الدين عن  السياسة  يصرون  على  أن  الدين  مجرد عبادة ، وأنه ليس معاملة . ومعلوم  أن الحياة  يتقاطع  فيها ما هو سياسي  بما هو اقتصادي  واجتماعي  وثقافي ... فالإسلام  وهو الدين عند الله  عز وجل كما جاء في قوله  تعالى : (( إن الدين عند الله الإسلام )) يقوم على ركنيين : العقيدة والشريعة  ، وهذه الأخيرة  هي  التي تغطي  معاملات الناس  المختلفة  ، وهي مبنية  على  أساس توجيهات العقيدة  ، ولا تستقيم  شريعة  مع  وجود اختلال في  العقيدة. والشريعة ضبطت  كل جوانب  الحياة  البشرية  حيث  حددت لهم  أحوالهم  الشخصية أو الاجتماعية من زواج وطلاق.... ، وحددت لهم  أحوالهم الاقتصادية  من بيوع  وميراث... ولا يعقل أن  تهمل  أحوالهم السياسية . ومعلوم  أن الشريعة  تحد حدودا  وخطوطا  حمراء  في إطار  الممنوع  والمسموح  به الاقتصادية  يوجد  كذلك المسموح به والممنوع في الأحوال  السياسية . ولا يعقل  أن يقنن  الإسلام  للناس علاقاتهم  الاجتماعية  وأحوالهم  الشخصية ، فيحل  لهم  الزواج ويحرم  عليهم السفاح  ، ويقنن   معاملاتهم  الاقتصادية  فيحل  لهم  البيع  ويحرم عليهم  الربا  ، وفي نفس  الوقت  يغيب  في علاقاتهم السياسية ، فلا يحل  ولا يحرم ، ويلقي  الحبل  على الغارب . والذين  يريدون  عزل  السياسة عن الدين أو  بعبارة  أصح  عزل  الدين من الحياة  سيجدون أنفسهم  أمام إشكال  الاجتماع  والاقتصاد   والثقافة  ، فكيف  سيسوس  الناس  في اجتماعهم  واقتصادهم وثقافتهم  من لا  يتخذ  الإسلام  مرجعا للتشريع ؟ فلا شك أنه  سينطلق  من  قناعات  أو  بلغة  الإسلام من  عقائد  أخرى  تتغير  بموجبها  الشرائع ، ويصير  ما  حرمه  الإسلام  حلالا  في  مرجعيات أخرى . فإذا ما كان الإسلام  على سبيل  المثال  يحرم  الزنا  والربا ، فإن  مرجعيات  أخرى  تحلهما  ، وهذا ما يريده  أصحاب  فكرة  فصل  السياسة  عن  الدين  من أجل التخلص من  ضوابط  هذا  الدين  خصوصا تلك التي  تمنع  وتحرم . والملاحظ  أن  الذين  يقولون  بفصل  السياسة  عن  الدين  هم  أ نفسهم  الذين ينتقدون  الحدود  كقتل  القاتل  ورجم  الزاني  وقطع  يد  السارق  ،  وجلد  السكير  والقاذف ، وهم الذين يطالبون  بمراجعة  الميراث  ، وهم الذين  يجرمون  التعدد  وهو  صيغة من  صيغ الزواج  في الإسلام . فالقضية  إذن  ليست  مجرد فصل  السياسة  عن  الدين  عند  هؤلاء  بل  إقصاء  الدين من  كل مجالات الحياة  لتحل  شرائع  الأهواء  الوضعية  محل  شرع  الله  عز وجل . وهم  يطالبون  بفصل  السياسة عن  الدين  لأن ذلك  هو  المدخل  لفصل  الاجتماع والاقتصاد  والثقافة ...أيضا عن  الدين ، وهو المدخل  لشطب  الشريعة  من أجل  أن  يبقى  الدين  مجرد  عقيدة لا  تمس  الحياة  من قريب أو من بعيد ، وهذا  هو  تهافت  فكرة  فصل  السياسة  عن  الدين . ومعلوم  أن  السبب  الوحيد  وراء  هذه  الفكرة المتهافتة  هو  الصراعات  السياسوية  والحزبية  حيث  يرى  أصحاب  الأحزاب  ذات  المرجعيات  غير الإسلامية  أن  خصومهم  من  الأحزاب  ذات المرجعية  الإسلامية   يستفيدون  من  امتياز هذه  المرجعية لأن  الناس  يضعون  ثقتهم  في الدين  ، ومن  ثم يثقون  في من  يتخذه  مرجعا ، ولا يثقون  في  من لا يتخذه  مرجعا، لهذا  يرى أصحاب فكرة  فصل السياسة  عن الدين  أن  ذلك  يحول دون استفادة خصومهم  السياسيين من  امتياز  المرجعية الإسلامية . ومن  شعاراتهم  المتهافتة  أيضا أنهم  يصرون جميعا  على أنهم  ينتمون إلى  الإسلام  ولكن  على  مستوى  العقيدة  فقط  لا على  مستوى  الشريعة ، لأنهم   يفعلون  في  أحوالهم  الاجتماعية  والشخصية  والاقتصادية ما يريدون حتى لو كان ذلك  مخالفا لما  في  شريعة الإسلام نظرا  لفصمهم  العقيدة  عن  الشريعة . ومن أفكارهم  السخيفة  أن الإيمان  في القلب  أما   باقي   الجوارح  فلا يصل  إليها هذا الإيمان ، وهي  حرة في تصرفاتها ، ولا  يحكمها منطق الحلال  والحرام  الذي  مصدره  الإيمان . وهكذا  يظل  الإيمان  حبيس  القلوب  عند  هؤلاء  ، والعبادة حبيسة  المساجد ، وخارج  هذين  الحيزين  توجد  باقي أمور الحياة   بعيدة  عن  الضوابط  وحرة ومتحررة من   الممنوع  والحرام . ولا  يرى أصحاب  فصل  السياسة  عن  الدين  تناقضا  في مقولتهم ، ولو احتكموا إلى  منطق سليم  لقالوا  بصراحة  إقصاء  الدين  من  الحياة  عوض القول  بفصل  ما لا يفصل  عن  الدين  الذي  هو  منهاج  حياة  يغطي  كل  ما فيها دون استثناء . وصدق من قال  آفة  الرأي الهوى .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz