تهافت فكرة الاعتقاد بالعامية بديلا عن اللغة العربية ( لغة الضاد ولغة العاض)/ وجدة: محمد شركي

213305 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: قبيل الربيع العربي وخلاله عرف المغرب ظاهرة التعبير عن مجموعة من المكبوت لدى بعض الفئات التي يمكن أن توصف بتطرف الأفكار وشذوذها على غرار المطالبة بالانحلال الخلقي تحت شعار الحرية ، وعلى غرار محاولة نزع القدسية من المقدس ، وعلى غرار النفخ في العصبية العرقية واللسانية …. إلى غير ذلك من المطالب الشاذة والمبيتة . والمطالبة بإحلال العامية محل اللغة العربية يدخل ضمن هذه المكبوتات الشاذة التي بدأت تطفو بسبب جو الحرية والانفتاح الذي ساد المغرب إبان الربيع العربي . ومعلوم أن جو الحرية والانفتاح يتفهمه الأكياس والعقلاء جيدا ، وبينما يسيىء تقديره وحسابه المتهورون المندفعون بسبب خلفيات إيديولوجية ، ويميلون كل الميل مع أهوائهم وعواطفهم الجامحة ، ويركبون نزقهم للمطالبة بما لا يصلح مطلبا أصلا . ولا نحتاج إلى تذكير بأن العامية هي شكل من أشكال أداء اللغة العربية بطريقة غير فصيحة أو بطريقة فيها لحن ، علما بأن اللحن عبارة عن تجنب للقواعد الضابطة للغة ذلك أن قولنا في العربية : ” إن فلان قد ألحن ” بمعنى أنه تكلم بدون ضابط لغوي سواء تعلق الأمر بالنحو أو التركيب أم بالصرف أو المورفولوجيا. وقد يبدو لمن لا علم له ولا خبرة بعلوم الآلة أو علوم اللغة أنه من السهل واليسير التقعيد للحن دون الالتفات إلى أن اللحن هو نقيض التقعيد . ويظن أيضا من لا علم لهم ولا خبرة أن انتشار العامية على نطاق واسع من شأنه أن يجعلها تحل مكان الفصحى ، والحقيقة أن انتشار العامية سببه إيثار الناس اللحن على التقعيد نظرا لتحرر اللحن من ضوابط التقعيد ، وجنوح الإنسان نحو السهولة ـ أو الاقتصاد حتى لا نقول الكسل ـ طبيعة بشرية. و يمكن أن نمثل بما لا نهاية له من الأمثلة على كثرة صيغ اللحن العامية مقابل صيغة عربية فصيحة ، الشيء الذي يعتبره البعض ثراء في العامية ، وهو في الحقيقة مجرد توهم . ولو قدر للعامية أن تضبط بقواعد ضابطة لقلت صيغها المضبوطة ككل اللغات المقعدة . ومما يوهم المتوهمين بسهولة العامية أنها متحررة من نظام الحركات المصاحبة للحروف ، وأن حركة السكون لا ضابط لها في العامية وأن استعمالها في بداية الكلام يشكل أول لحن يقابل قاعدة صارمة في الفصحى إذ لا يستقيم البدء بالنطق بها ، ولهذا يميل الناس إلى هذا النوع من اللحن تجنبا لقاعدة صارمة . وحال حركة السكون في آخر الكلمات العامية أهون لأنه يحاكي قاعدة الوقف في الفصحى . و الناطقون بالعامية يتنكبون النطق بالهمز أيضا طلبا ليسر النطق وسهولته ، وهو أمر أيضا يهون لأنه مرتبط بقاعدة من قواعد الفصحى . أما الصيغ الصرفية في العامية فأصناف متعددة من اللحن الذي لا يراعي عددا ولا جنسا كما هو الحال في الفصحى . والذين يريدون إحلال العامية محل العربية الفصحى نوعان : نوع جاهل بالموضوع أصلا ، ونوع يصدر في دعوة عن خبث فاضح لأنه يعرف أن التقعيد لا يتعايش مع اللحن الذي هو طرفه النقيض ، علما بأن وجود العامية رهين بوجود الفصحى ضرورة لأن وجود العامية مترتب بالضرورة عن التحلل من ضوابط التقعيد بمعنى أن نتيجة عدم التزام ضوابط التقعيد هي لحن العامية. وليس من قبيل الصدفة أن تسمى العامية عامية نسبة للعامة وهي الكلمة المقابلة للخاصة ، وهو ما يعني مقابلة التقعيد للحن أومقابلة النظام للفوضى. وكذلك الشأن بالنسبة لكلمة لهجة التي تعني الصيغة المعتادة لأداء لغة مقعدة بلحن أو بدون ضوابط جريا وراء طلب اليسر والسهولة في النطق والتواصل ، ولهذا تتعدد لهجات العربية الفصحى بسبب اختلاف الجغرافيا البشرية في الوطن العربي . والغاية من وراء الترويج للعامية بديلا عن العربية الفصحى هو ذلك المكبوت المعبر عنه بشتى السبل ، ويتعلق الأمر برفض الإسلام ورفض مشروعه الحضاري المهدد لغيره من المشاريع الحضارية. ويمكن بسر وسهولة الربط بين مختلف أشكال التعبير عن هذا المكبوت ، ذلك أن الدعوة إلى الانحلال والتفسخ الخلقيين من خلال المطالبة بما يسمى حرية الجنس هو تمرد على قواعد الأخلاق الضابطة في الإسلام ، كما أن الدعوة إلى التعصب العرقي هو تمرد على عالمية الإسلام ورفضه للعصبيات الضيقة ، ونفس الشيء يقال عن رفض العربية الفصحى التي هي أداة تبليغ هذا الإسلام حيث يعتقد من يرفضونه أن تهميش العربية الفصيحة هو الوسيلة الأنسب لخلق هوة بين الناس وبين هذا الدين ، ويراهنون على تراخي الزمن لموت أو لوأد العربية الفصحى التي بموتها يقضى على الإسلام وعلى مشروعه الحضاري . وما يقلق خصوم الإسلام هو اعتبار العربية الفصحى من مكوناته بحيث يقتضي التدين أو التعبد اليومي ممارسة العربية الفصحى ، الشيء الذي يجعل إقصاءها ومن ثم إقصاء الإسلام أمرا مستحيلا . فالناس الذي يتواصلون يوميا بالعامية لا يستطيعون التعبد بها في صلواتهم باستثناء استعمالها في الأدعية ، وأكثر من ذلك يتلقى الأميون الذين لا يقرؤون ولا يكتبون خطب الجمع بالعربية الفصحى ويفهمونها على قدر استيعابهم بالرغم من جهلهم بضوابط تقعيدها . وقد يعتقد أصحاب المكبوت المعادي للإسلام أن الناس لا يستعملون العربية الفصحى في حياتهم اليومية وهو محض توهم لأنهم يتلقون الأخبار من وسائل الإعلام يوميا بالعربية الفصيحة ويخوضون فيها بالعامية . والملاحظ أن متابعة الشعوب العربية على اختلاف لهجاتها العامية للأخبار بالفصحى أيسر عليهم من متابعتها بعامياتهم . ولا يحصل بينهم إجماع واتفاق في تلقي الأخبار وفهمها في لهجاتهم العامية كما يحصل ذلك في العربية الفصحى. وقد يعتقد البعض أن وضعية اللغة العربية الفصحى بوجود لهجات عامية غير سوية ، وهذا أيضا محض توهم لأن كيان اللغة العربية الفصحى لا يتم إلا بوجود أشكال مختلفة من لهجاتها العامية ، وهذا يمثل غناها وهو عكس ما يعتقده الغافلون أو الحاقدون على حد سواء . وإذا ما أراد الدعاة إلى العامية خدمتها فلا مناص لهم من الدعوة إلى صيانة أصلها الذي هو العربية الفصحى لأن تطور العامية رهين بمعرفة الفصحى ، ذلك أنه بقدر ما يتقن متكلم العربية الفصحى قواعدها الضابطة بقدر ما يعرف لحن عاميته ، وهو ما يساهم في وعيه بالقواعد الضابطة للعربية بشكل أكبر وأوضح . وقد لا يعبأ البعض باختلاف استعمال العامية لدى الذين يتقنون استعمال العربية الفصحى عن استعمال الأميين لها ، وهو ما يعتبره البعض أو يعبرون عنه باللغة الوسطى بين العامية والفصحى ، وهو تطور ملحوظ في العامية بل هو خطر على العامية في نظر الدعاة إليها ، وهو في نفس الوقت وسيلة لتهديد أو لمحاربة العربية الفصحى في نظرهم أيضا ، لهذا يتعمدون استعمال هذا البديل الذي يتوسط الفصحى والعامية نكاية في الفصحى وانتصارا للعامية . وأخيرا نقول إن المسألة عند الدعاة إلى العامية كبديل عن الفصحى تحكمه خلفية إيديولوجية مكشوفة ومبيتة ، بالرغم من محاولة هؤلاء التمويه على ذلك بالبحث العلمي وما شابه ذلك من أجل قضاء حاجة في نفس يعقوب ، وشأن أصحابها كشأن باسط الكف بالماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه .

اترك تعليق

1 تعليق على "تهافت فكرة الاعتقاد بالعامية بديلا عن اللغة العربية ( لغة الضاد ولغة العاض)/ وجدة: محمد شركي"

نبّهني عن
avatar
المكي قاسمي
ضيف
إن اقتراح التدريس بالدارجة أسوأ بكثير من “بدل لحمار باغيول” فاللغة العربية ومهما كان لغة أكاديمية، أي لغة علم ومعرفة، وراكمت قرونا من الاشتغال بهذه الصفة.أما الدارجة، فهي لغة شفهيه تصلح للتواصل الاجتماعي المباشر ليس إلا. وهل يعرف السيد عيوش السينمائي، على الأقل، كم من الوقت يلزم للسانيين والنحويين لاستخراج قواعد لغة ما وترتيبها وصياغتها لتصبح صالحة للتلقين المدرسي؟ فليعلم أن هذا الوقت يقاس بالعقود. ثم هب أنا قمنا بهذا، فماذا بعد؟ كيف سنتواصل مع العالم المنتج للمعرفة المتطورة وفي مختلف المجالات باللغتين الفرنسية والإنجليزية أساسا لنواكبه؟ ثم أية جامعة أو معهد عالي بالخارج سيقبل طلبة تلقوا تكوينهم بالدارجة؟ وأين… قراءة المزيد ..
‫wpDiscuz