تنغير: وجهة نظر في حبس مقاوم ناهز المئة سنة

228071 مشاهدة

هكذا اختلط الغث بالسمن، وتشابكت خيوط قضية برزت بمحاكمات منذ 1986، تتعلق بالنزاع حول ملكية عقار، بعدها تحولت إلى تهمة بالترامي على ملك الغير، وقطع الطريق، وبقدرة قادر انجرفت القضية وزاغت عن مسارها كي تتحول إلى مسألة جنحية تتعلق بتعنيف موظف حكومي أثناء مزاولته لعمله، وهذه التهمة ” الملفقة ” حسب (المتهم) كان الغرض منها تصفية حسابات، وهذا ما ورد في الشكايات المتواصلة التي أمطر بها العديد من الجهات الوصية على حقوق الانسان لكن بدون جدوى.

 كثيرا ما تبرز على السطح قضايا انسانية ووطنية محضة، قد لا نعيرها اهتماما كفيلا لبلورة أبعادها الوجودية، حيث تطرح معها اسئلة القيم الدينية والاجتماعية التي تتأسس عليها العدالة، والاجتهاد القضائي.

 قد يحمل ميثاق اصلاح العدالة اجتهادا كبيرا وطفرة نوعية في مغرب ما بعد دستور 2011، لكن الى متى سوف يتجاهل المشروع البعد التاريخي في المدونة القضائية وخصوصا ونحن امام قضية خاصة، تتعلق بمقاوم ووطني صادق.

 القضاء يحاكم الذاكرة التسعينية لرجل وطني، قد تخوننا الاعوام في تكريم امثال هؤلاء، وليس اقبارهم وسجنهم دون مراعاة اهداف العقوبات السالبة للحرية في التهذيب والحرمان من حريات التنقل  والحريات المدنية بشكل عام.

وتعود تفاصيل هذه القضية الى يوم الخميس 13 مارس 2014 على الساعة الخامسة مساء، حضرت الى منزل “أعبي علي” عناصر الشرطة لاعتقاله في محل سكناه بحي تجماصت، وإيداعه في السجن المحلي بورزازت. حيث أدين بشهرين حبسا، بعد إتهامه بالاعتداء على موظف عون قضائي أثناء مزاولته لعمله.

المقاوم المسن وجهت إليه تهمة الاعتداء على موظف أثناء مزاولته لعمله، في قضية للتنفيذ بحق المتهم، وعلدة في قضايا التنفيذ الموصولة بوجود القوة العمومية، قد يصدر عنف رمزي أو مادي أو استفزاز من طرف المواطنين، لكن من غير الطبيعي أن تصدر هذه التصرفات من طرف مأموري التنفيذ أو أفراد القوة العمومية، وخصوصا حين يتعلق الامر بمواطن شيخ بلغ من الكبر عتيا، أفنى زهرة حياته في سبيل الوطن.

 حيث يشهد للمعتقل أنه من السباقين في الإنخراط في حزب الشورى والاستقلال سنة 1952، وفتح مكاتب للحزب في كل من تنغير، امسمرير، ايت الفرسي، ايت هاني، إملشيل، أغبالة. والتقى العديد من رموز الحركة الوطنية انداك، كلقاءه مع محمد حسن الوزاني بالدار البيضاء ومراكش وسكورة بحضور بحضور ابن سودة سنة 1967، كما تعرض للإعتقال التعسفي والتعذيب عدة مرات فترة ما بات يعرف بسنوات الرصاص، حيث اعتقل في مراكش و ورزازات و املشيل. وبهذا الخصوص وجه مجموعة من الاستفسارات لأنصافه ورد الاعتبار لما تعرض له، حيث راسل المجلس الاستشاري لحقوق الانسان بتاريخ 14 يناير 2009، بخصوص التعويض عن الاضرار الناجمة عن الاعتقالات التعسفية (1956 -1957)، وإلى هيئة الانصاف والمصالحة بتاريخ 04 يناير 2005.

 المثير في القضية هو سبب إصرار القضاء على إصدار مثل هذه الأحكام في حق أشخاص مسنين. إذ كان المطلوب أن تتعامل النيابة بنوع مع المرونة مع المتهم لكونه طاعنا في السن، وكان في حالة غضب، أما أن القضية هي مسألة تصفية للحسابات. ومحاولة تحرسف الدعوة القضائية العقارية محل النزاع بين المعتقل علي أعبي وجيرانه، وتحويلها إلى دعوة جنحية من طرف أطراف النزاع.

 رغم وجود أوراق ثبوت للملكية حول الارض المتنازع عليها، والحكم الصادر من القاضي المقيم بتنغير في ملف رقم 11/18 بتاريخ 04 يونيو 2012، بأن الملف خال مما يمكن الاعتماد عليه أو الاستئناس اليه للقول بثبوت تهمة قطع الطريق العمومي في حق المتهم، حيث ان البراءة هي الاصل، ولايمكن ادانة أي كان إلا بناءا على دليل وبرهان مولد اليقين منزه عن التخمين، موسوم بالصواب، سالم من الاحتمال، حسب القول المتعارف: ” أن يخطئ القاضي في العفو، خير من أن يخطئ في العقوبة“.

 ألا نعي مهزلة ان يرافع موظف شاب اربعيني بضميره ورحمته، بالضرورة أخر من ينفعل ضد رجل بعمر جده قد يعاني من مشاكل نفسية نتيجة مساره النضالي والمقاومتي الطويل، لمجرد انه اشار عليه بعصاه التي يتوكأ عليها وهو في حالة هستيرية ربما ارجعته لاحد ايام هذا الزمان اللعين، وهو يشهر بندقيته امام المستعمر الغاشم في ايام السيبا والبارود.

 أي درس قضائي سنخلص به اذا جمعنا مسلسل هذه القضايا في عنوان تصفية حسابات ونعرة قبلية، إنه المخرج الوحيد لفهم اسباب التخلف الاجتماعي والتدهور الاقتصادي الذي تعيشه المنطقة، وإذ أبانت نظرية المؤامرة القبلية والعنصرية عن ترسخ قانون الغاب، وتفشي الجهل والشعوذة الفكرية عن تفوقها على اعلام التنوير والتطور، انه المجتمع النائم بين جبلين.

 إن عواطف عموم الناس تنبني على الانفعالات، وهذه الانفعالات الاخيرة ترتبط بمهيجات ثقافية أو أخلاقية أو غيرها كل على حسب درجة التأثير، إذن فإن هذه القضية ذات ابعاد متشابكة: محليا (رجل طاعن في السن ومن قادة الرأي في القبيلة)، وطنيا: (مقاوم بجيش التحرير، مؤسس فرع حزب الشورى والاستقلال بالمنطقة، متطوع بشاحنته بالمسيرة الخضراء)، إنسانيا: (تعرضه للاعتقال والتعذيب مابين 1956 و1957)، ثقافيا: (خزانة ثقافية وطنية ومرجع في التراث المحلي)، إقتصاديا: (من اوائل التجار الذين عبدَو الطرقات بأرجل ذوابهم، قبل شاحناتهم القديمة).

 نتساءل مستحضرين ضميرنا الانساني، ان كانت فقرات تاريخ هذا الرجل تستحق كل هذه “التبهديلة”، أو تنحرف قضيته المتعلقة بالنزاع إلى الاعتداء والجنوح الى العنف.

 شنقه الزمن المتلون كالحرباء الذي لم ينصفه، وخانه من استؤمنوا مفاتيح حقوق الانسان والمصالحة الوطنية ولم يجد لنداءاته حدود سماء الممكنات، إلتوت عليه الشيخوخة وقهر الذكريات، رغم أن وجهه مازال منتصبا، يريد ان ينتفض فيضانا من الاقاصيص لازالت لم تنضب. دراعيه لازالت تنتظر النياشين وليست مهيئة لالتواءات الاصفاد في زمن عشق معه وطنيته وترديد عبارة ” يحيى الملك”.

 صدره كل فخر بميداليات شرف في عز وطنيته، وكأنها نخوة تندفع الى ساحة المعركة صباح مساء، لازالت أذناه تسمع رنين الاجراس وصوت اقفال الزنانزين، كما الفتها في زمن الحرقة والاستعمار. وسرعان ما تحولت الى ترديد الاهازيج، وعزف الالحان على ايقاعات ” يحيى الملك”، لقد احس الجميع بعودة الامان، ولم يطمعوا في نيل المناصب ولم يعلقوا عليها الامال في مغرب الاستقلال الذي كانت تحكمه الاشباح العائدة التي تطفلت على اسرة رجال المقاومة الحقيقيين واستولت على يافطتهم، وحطمت طموحاتهم، ونهشت أشلاءهم أو وزعتها في الجبال المتفرقة، إلى ان جاء الحق واليقين فاستجمعت قواها في مغرب معاصر، لم يكن ليصل إلى ما عليه إلا بجدية واستنارة فكر قائده الاعلى، بدون مجاملات ديبلوماسية، فالحرية والشجاعة خصلتان ضروريتان لتفعيل نظريات الفكر.

 قد تكون إحدى المؤسسات الوطنية الوصية على حقوق الانسان تنظر في أكثر من 200 ألف قضية سنوية، تمدنا بمؤشر خطير، وانذار عاجل لتنزيل مدونة إصلاح القضاء، ومبدأ فصل السلط، وضمنيا تفعيل ما ورد في دستور 2011.

 في المغرب السياسي المعاصر، يجب ان نكون قد فصلنا وقطعنا نهائيا مع قضايا قضائية تتحكم في تمريرها اجتهادات تتقاطع مع ثغرات قانونية طويلة الامد، يتم استغلالها كسوق سوداء لإنتشار ظواهر السمسرة والمحسوبية الى غير ذلك، مايمس الحسم القضائي، وخصوصا الموظفين النزهاء الذين يحفزهم ضميرهم المهني في خدمة قضايا العدالة والقانون.

         المقال لايسعى إلى التشهير او التجريح، بقدر ما يسعى إلى إثارة الانتباه لقضية ليست بالجديدة ولا بالمستجدة، بل هي إنذار وناقوس خطر للهشاشة الحقوقية، ومدى تفشي أمراض إجتماعية قبلية، من أهمها ما تعرفه المنطقة من النزاعات العقارية.

عقار جدة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz