تنظيم غرفة الجنايات الاستئنافية الخاصة بالأحداث

70678 مشاهدة

حميد الحمداني باحث في القانون الخاص

مقدمة:

     حرصا من المشرع المغربي على تطوير ترسانته القانونية في جوانبها المتعلقة بالمادة الجنائية بشكل عام، فإنه قد سعى مسعى حقيقيا و باستحضار تام لمضامين مختلف الأوفاق الدولية نحو إرساء ضمانات حقيقية تبقى كفيلة بإتيان المحاكمة العادلة لكل متهم متابع أمام جهاز العدالة الجنائية، لذا فقد تبنى مبدأ التقاضي على درجتين في الجنايات و ذلك بإتاحة الطعن فيها بالاستئناف لدى هيئة قضائية جديدة تعرف بغرفة الجنايات الاستئنافية و يوجد مقرها لدى محكمة الاستئناف.

        وقد جاء إحداث هذه الغرفة استجابة لنداءات الفقهاء و المختصين من قضاة و ممارسين في قطاع العدل بشكل عام. وبإحداث غرفة الجنايات الاستئنافية وتعزيز حقوق الدفاع من خلال إقرار مبدأ التقاضي على درجتين في قضايا جنائية بالغة الخطورة إلى جانب أوراش أخرى لا تقل أهمية عن ذلك، يكون المشرع المغربي قد أعلن انخراطه وعزمه الأكيدين لبناء دولة الحق و القانون وتكريس  تنظيم قضائي مهيكل، فاعل و ناجع في ميدان إحقاق سلطان القانون و صون الحقوق و الحريات بما يؤتت لفرض ثقافة احترام حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا.

        وبنفس الرغبة و الإرادة، و تماشيا مع مبدأ التخصص وإحداث هيئات قضائية متخصصة للنظر في قضايا الأحداث، أقدم المشرع المغربي ضمن مقتضيات قانون المسطرة الجنائية على إحداث غرفة جنائية استئنافية خاصة بالأحداث عهد لها بالنظر في استئناف القرارات الصادرة عن غرفة الجنايات الابتدائية للأحداث، ليضيف بذلك لبنة أخرى من لبنات إرساء عدالة جنائية تخص فئة الأحداث على قاعدة ما توخته المنظومة الدولية لهذه الفئة العمرية من حقوق و ضمانات، و إقرار تنظيم قضائي يتماشى و الخصوصيات اللصيقة بشخص الحدث.

        وقد خص المشرع الجنائي تنظيم الأحكام المتعلقة بغرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث ببعض القواعد العامة التي تشترك فيها هذه الغرفة مع باقي الغرف الأخرى بالمحكمة، وهي قواعد مجتمعة نجدها تتحدث عن تأليف غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث و اختصاصاتها وكيفية إسناد النظر إليها في القضايا المحالة عليها.

        وإذا كان التنظيم القضائي يقصد به الآليات و الهيئات القضائية و كيفيات اشتغالها و الصلاحيات المخولة لها، فإننا في دراستنا للأحكام المتعلقة بغرفة الجنايات الاستئنافية سوف لن نتطرق لاختصاصات هذه الغرفة و لا للمسطرة المتبعة أمامها، لذا سنحرص بموجب هذا البحث المتواضع تسليط الضوء في كل ما يتصل بتنظيم غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث كآلية قضائية جديدة تثير فضول كل باحث لأجل الوقوف على ماهيتها وتحديد القيمة المضافة التي أعطتها لقضاء الأحداث، انسين في الوقت نفسه إثارة الانتباه، و لو بنوع من الاقتضاب، لبعض الاشكالات التي تجابه السير العادي لعمل هذه الغرفة، خصوصا وأن محاولة التدقيق في كل هذه الأمور سيمكننا من تقديم إجابة واضحة حول مدى تحقيق المصلحة الفضلى للحدث على ضوء الارتقاء النوعي الذي عرفته المادة الجنائية في جوانبها المتصلة بإحداث غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث، كل ذلك سنتحدث عنه من خلال المحورين التاليين:1) تنظيم غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث 2) الإشكالات المطروحة أمام غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث.

        1) تنظيم غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث

          إن الحديث عن تنظيم غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث يقتضي منا في مقام أول أن نقف بنوع من التحليل للهيئة القضائية بهذه الغرفة(1.1)، وكذا التطرق إلى تأليفها وكيفيات تنظيم الجلسات أمامها(2.1)

        1.1) الهيئة القضائية بغرفة الجنايات الاسئنافية للأحداث.     

          بالرجوع إلى القواعد الخاصة بالأحداث المضمنة بموجب قانون المسطرة الجنائية يلاحظ بأن الهيئة القضائية بغرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث تتكون من المستشار المكلف بالأحداث و ممثل عن النيابة العامة.

أـ المستشار المكلف بالأحداث:

        المستشار المكلف بالأحداث يشكل أحد أهم مكونات الهيئة القضائية، وقد تطرق المشرع الجنائي إلى مختلف الأحكام المتعلقة به في الفصول 485 من ق م ج إلى 487 منه، إذ أنه و بمقتضى مضامين هذه الأحكام يتضح بأن المستشار المكلف بالأحداث هو قاضي من قضاة محكمة الاستئناف يعين بقرار من وزير العدل لمدة ثلاثة سنوات قابلة للتجديد و يعفى من مهامه بنفس الكيفية التي عين بها أي بقرار لوزير العدل أيضا.

        وهو الذي يترأس هيئة الحكم شريطة ألا يكون قد مارس التحقيق في القضية أو شارك في البث فيها. علما أنه في حالة تغيبه أو إذا حال مانع دون قيامه بمهمته، فإن الرئيس الأول يكلف من يقوم مقامه بعد استشارة الوكيل العام للملك ـ الفقرة الثانية من المادة 485 من ق م ج.

        وعند الحديث عن المستشار المكلف بالأحداث ينبغي أن لا يفهم أن وزير العدل يعين قاض واحد فقط على صعيد كل محكمة الاستئناف، بل يمكن تعيين أكثر من مستشار، وذلك بحسب خصوصية كل محكمة وحاجاتها إلى المستشار المكلف بالأحداث، وهذا ما نصت عليه المادة 485 من ق م ج.

ب ـ النيابة العامة:

        تعتبر النيابة العامة أهم أطراف الدعوى العمومية بشكل عام، و بالتالي ليس هناك أية خصوصية لها فيما يرتبط بالأحداث.

        ويمثل النيابة العامة بغرفة الجنايات الاستئنافية الوكيل العام للملك، ومن الناحية العملية يحضر الجلسة أحد نواب الوكيل العام للملك الذي يمارس الدعوى العمومية من خلال تقديم الملتمسات و الطعون وغير ذلك من الإجراءات التي ينص عليها القانون(الفقرة9 من المادة49 من ق م ج).

        2.1 كيفية تنظيم الجلسة و الهيئات القضائية المساعدة.

        تشكل المحاكمة العادلة كما هي متعارف عليها دوليا، إحدى أهم الأهداف الإجرائية المتوخاة بموجب قانون المسطرة الجنائية، إذ أنه و لبلوغ هذه الغاية لم يدخر المشرع الجنائي جهدا في سبيل تنظيم جلسة الحكم بغرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث، بمبادئ في غاية الدقة تنبع من روح و فلسفة حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي سنقوم بتوضيحه من خلال ما يلي:

أـ تأليف الغرفة و تنظيم الجلسة:

        تتألف غرفة الجنايات الاستئنافية من رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف وأربعة مستشارين تعينهم الجمعية العامة السنوية لمحكمة الاستئناف، كما تعين نائبا لرئيس غرفة الجنايات وعدة مستشارين إضافيين ليحلوا عند الاقتضاء محل الأعضاء الأساسيين.

        ويمكن لرئيس الغرفة في القضايا التي تستوجب مناقشات طويلة، الاستعانة بعضو إضافي أو أكثر يعينهم الرئيس الأول من بين الأعضاء الإضافيين، يحضرون المناقشات تفاديا لما قد يحول دون مواصلة بعض الأعضاء الأساسيين لمهامهم إلى نهاية المناقشة وإصدار القرار.

        ولايمكن أن يكون عضوا في غرفة الجنايات إلا من كانت له ولاية القضاء في دائرة محكمة الاستئناف، ولم يكن هناك مانع قانوني يحول دون ذلك مثل حالات التنافي، كأن يكون قد سبق أن قام بإجراء من إجراءات المتابعة أو التحقيق في القضية أو المشاركة في البث فيها.

        وتتجلى خصوصية تنظيم الجلسة ضمن هذه الغرفة في كونها تتكون من أربعة مستشارين بالإضافة إلى الرئيس، مقارنة بغرفة الجنايات الابتدائية التي تعقد جلساتها بحضور مستشارين فقط إضافة إلى الرئيس، كما تتجلى هذه الخصوصية أيضا في كون الجلسات تكون سرية (المادة 490 من ق م ج) ضمن غرفة الجنايات الابتدائية، في حين أنه على مستوى غرفة الجنايات الاستئنافية لا يوجد أي مقتضى ينص على هذه الضمانة.

ب ـ الهيئات القضائية المساعدة:

        تتمثل الهيئات المساعدة لغرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث، في كتابة الضبط وهيئة الدفاع، وهي أجهزة في غاية الأهمية بالنظر للخدمات الجليلة التي تقدمها للعدالة بشكل عام.

–   كتابة الضبط بغرفة الجنايات الاستينافية:

        تعد كتابة الضبط العمود الفقري في الجهاز القضائي، بحيث تنهض بكافة الإجراءات بداية من تدوين الشكايات في السجلات المعدة لها إلى غاية تسجيل منطوق الحكم القضائي مرورا بالتبليغات.

        وأثناء انعقاد الجلسة يجلس كاتب الضبط على يسار الرئيس مرتديا بذلته النظامية المحددة وفق قرار السيد وزير العدل رقم 1.505.91 الصادر بتاريخ: 12 جمادى الأولى 1412 موافق 20 نونبر 1991 الذي يحدد بموجبه المميزات الخاصة ببذلة كاتب الضبط أثناء الجلسات، ويضم هذا القرار أربعة مواد أولها مجانية البذلة و ثانيها مميزات البذلة ذات اللون الأسود و الوشاح الأبيض.

        هذا ولايؤدي كاتب الجلسة وظيفته إلا بعد أداء اليمين القانونية المنصوص عليه وفق ظهير 16/12/57 أو المنشور الوزيري رقم22 المؤرخ في 08/08/1960 بشأن استيفاء اليمين القانونية من طرف كتاب الضبط.

        والمهمة الأساسية لكاتب ضبط الجلسة الذي يوصف بالشاهد الشريف هي تدوين ما راج في الجلسة في محضر قانوني يسمى بمحضر الجلسة، هذا الأخير الذي تترتب عنه آثارا قانونية من حيث صحته وقانونية وخطورة ما يضمن به وهذا ما أكده الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه لما قال بأن مسؤولية كاتب الضبط لا تقل مسؤولية عن القاضي، إذ يتعين أن يكون كاتب الجلسة على قدر من الثقافة و الإلمام بالقواعد الإجرائية ومعروف بالسلوك القويم حتى يتأتى له تحرير محضر يوصف بالقانوني.

–    الدفاع:

        يعتبر حضور المحامي إجراء إلزامي في قضايا الأحداث، وذلك بخلاف الأمر بالنسبة للرشداء. ويعتبر المحامي فضلا عن كونه من أسرة القضاء يعتبر جهازا مساعدا للقضاء، بحيث يساهم من خلال تقديمه لأوجه دفعه ودفاعه في تكوين قناعة القاضي.

        وحضور المحامي في الحقيقة ليس قاصرا على غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث، بل أن المشرع لم ينص على إلزامية حضور المحامي أمام هذه الغرفة مثلما هو الأمر بالنسبة لغرفة الأحداث وغرفة الجنايات الخاصة بالأحداث لكنه من باب تحصيل الحاصل، ومن القواعد العامة(م475)، فما دام حضور المحامي إلزامي في قضايا الأحداث بداية من تواجدها ضمن محاكم الدرجة الأولى، فإنه من المنطقي الحضور الإلزامي للمحامي أمام محكمة الدرجة الثانية.

        2) الإشكالات المطروحة أمام غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث

        لا شك أن المتأمل في المقتضيات القانونية التي تضمنها قانون المسطرة الجنائية فيما يتصل بتنظيم غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث، سيقف على مجموعة من الاشكاليات يمكن تصنيفها إلى إشكالات ذات طبيعة قانونية وأخرى ذات طبيعة عملية.

        1.2: الإشكاليات القانونية

        إن الإشكاليات القانونية المرتبطة بتنظيم غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث يمكن معالجتها من خلال التطرق إلى مصدرها، ومعالجة تلك الاشكاليات من هذه الزاوية تسمح بالوقوف على نوعين أساسيين: إشكالات ناتجة عن الإحالة التشريعية، ثم إشكالات نابعة من سكوت المشرع بشأن مقتضى من المقتضيات القانونية.

        أـ إشكاليات ناتجة عن الإحالة

        إن أول ما يمكن ملاحظته بخصوص تنظيم غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث هو أن المشرع المغربي لم يخصص لها سوى نص قانوني واحد وهو الفصل 494 من ق م ج، مما يثير الكثير من الغموض بشأن الغرفة، إذ أنه لم يتم توضيح مسطرة تعيين المستشار المكلف بالأحداث و إعفائه سيما وأن نص المادة المذكورة أعلاه لم يتم تضمينها أية إحالة على منطوق المادة 485 من ق م ج الذي يعطي لوزير العدل صلاحية التعيين و الإعفاء.

        إلى جانب ذلك لم يحدد الفصل 494 من ق م ج درجة المستشار المكلف بالأحداث الذي يترأس غرفة الجنايات الإستئنافية، هل يكون بنفس درجة مستشار غرفة الجنايات الابتدائية أو بدرجة أعلى، والحال أن الغاية من الاستئناف بشكل عام هي رفع القضية أمام هيئة أعلى درجة تتكون من قضاة أكثر احترافية ذوي مهنية عالية. وبهذا واعتبارا لكون الفصل24 من قانون التنظيم القضائي ينص على أن ترقية القاضي إلى الدرجة الأولى أو الثانية غير مرتبطة بانتقال القاضي إلى محكمة الاستئناف أو المجلس الأعلى، فإنه كان على المشرع أن ينص على أن تكون الغرفة التي تنظر في الطعن بالاستئناف في القرارات الجنائية مكونة من قضاة من الدرجة الأولى أو من قضاة أكفاء في الميدان الجنائي.

        علاوة على ذلك، يبقى وجود غرفة الجنايات الابتدائية وغرفة الجنايات الاستئنافية بمقر نفس المحكمة، بحسب اعتقادنا، هو خرق لمبدأ التقاضي على درجتين.

ب ـ إشكاليات ناتجة عن سكوت المشرع:

        إذا كان المشرع نص صراحة على مبدأ السرية في المحاكمة بالنسبة لغرفة الجنايات الابتدائية (م 490/3) فإنه سكت عنها بالنسبة لغرفة الجنايات الاستينافية، ومثل هذا السكوت يدفع إلى السؤال حول ما إذا كان من المستساغ القول أن السرية ليست شرطا في المحاكمة بهذه الغرفة؟ وفي حالة الجواب بالنفي ما هو الأساس القانوني في جعل المحاكمة بغرفة الجنايات الاستينافية سرية؟

        محاولة في الجواب عن هذا السؤال نستطيع القول أن اعتبار مبدأ السرية متجاوزا بغرفة الجنايات الاستينافية للأحداث لا يستقيم وروح الفلسفة المتحكمة في صياغة المقتضيات القانونية المتعلقة بالأحداث الجانحين من جهة، كما أنه من شأن فهم الموقف التشريعي على هذا المنوال أي الفهم الذي يجعل مبدأ السرية غير إلزامي من شأنه أن يخلق نوعا من ازدواجية المعايير في محاكمة الحدث الجانح لا لشيء إلا لأن المشرع تغاضى عن وعي أو عن غير وعي عن إيراد نص قانوني و لو بشكل مقتضب ينص على السرية في المحاكمة أمام هذه الغرفة.

        إلا أن الأمر يختلف بالنسبة لغرفة الجنايات الابتدائية، فرغم أن المشرع نص صراحة على احترام مبدأ السرية إلا أنه وباستعماله عبارة”تبث الغرفة في جلسة سرية…” لم يوضح الجوانب التي يجب أن تحترم فيها السرية بخصوص القضية الرائجة أمام هذه الغرفة؟ عكس الأمر بالنسبة لغرفة الأحداث لدى المحكمة الابتدائية حيث نص صراحة على أن البحث و المناقشات وصدور الحكم يكون في جلسة سرية(م478) بخلاف الأمر بالنسبة لغرفة الجنايات الاستينافية للأحداث بحيث أنه بالإضافة إلى عدم تنصيصه على ضرورة احترام مبدأ السرية كما سبق و أن أشرنا، فإنه لم يعط معنى واضحا لعبارة “يبث” (م494) الشيء الذي يدفع إلى طرح السؤال حول ما إذا كان يقصد بها البحث و المناقشات وإصدار الحكم أم يقصد بها إصدار الحكم فقط.

        إلى جانب ذلك لم يوضح المشرع من خلال م494 من ق م ج اعتماد الغرفة لمبدأي الشفوية و الحضورية، وهو سكوت يحيلنا إلى التفعيل التلقائي للقواعد العامة التي تسري بهذا الخصوص و التي مفادها أن الشفوية و الحضورية هما خاصيتان يشتركان فيهما الرشداء و الأحداث على حد السواء.

2.2 الإشكاليات العملية

        بالإضافة إلى الإشكاليات المتعلقة بالنص القانوني، فإن تنظيم غرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث يطرح العديد من الإشكاليات على مستوى الممارسة العملية، سواء تعلق الأمر بهيئة الحكم أو بالهيئات المساعدة.

أـ إشكالات متعلقة بأعضاء هيئة الحكم:

        برجوعنا إلى المادة 494 من ق م ج نجد أن هيئة الحكم بغرفة الجنايات الاستئنافية للأحداث تتكون من مستشار مكلف بالأحداث ـ مع الإشارة أن هذا الأخير لا يتلقى أي تكوين خاص في قضايا الأحداث حيث يبقى تخصصه وظيفيا فقط ـ وأربع مستشارين غير متخصصين وهو ما يطرح معه ما يسمى بإشكالية تزاحم السلط التقديرية للقضاة، بحيث أن المستشار المكلف بالأحداث لا يكون له أي تأثير في اتخاذ القرار المناسب في حق الحدث خصوصا أتناء المداولات التي يتم خلالها البت في القضايا بالأغلبية.

        كما أن هؤلاء المستشارين كلهم قضاة محترفين دون الاستعانة بأخصائيين اجتماعيين وتربويين كما فعلت بعض التشريعات العربية والغربية كالتشريع المصري الذي نص على إلزامية وجود خبيران من الأخصائيين أحدهما على الأقل من النساء إلى جانب قاضي الأحداث وكذلك التشريع الفرنسي من خلال أمر 2فبراير 1945، حيث نجد أن محكمة المحلفين تتكون إلى جانب القضاة المحترفين من مستشارين اجتماعيين ينتمون إلى المجتمع المدني و الذين يتم اختيارهم من بين الأشخاص الذي لهم اطلاع واسع بقضايا الطفولة و بالتالي يبقى التشريع المغربي رهين النظرة الأحادية و القانونية الصرفة، مبتعدا بذلك عن المقاربة الاجتماعية و النفسية لمعاملة الأحداث.

        أما فيما يتعلق بالنيابة العامة باعتبارها هي الساهرة أصلا على حسن تطبيق القانون خصوصا بالنسبة لوضعية الحدث، فانعدام تخصصها يحول دون تحقيق المصلحة الفضلى للقاصر التي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار في جميع مراحل المحاكمة، إذ يتم تكليف قاضي من قضاة النيابة العامة من طرف الوكيل العام للملك حسب المادة 485 من ق م ج ويكون الاختيار على المستوى العملي خاضعا لتقسيم المهام لا غير دون الأخذ بعين الاعتبار المؤهلات المرتبطة بالتكوين في مجال قضايا الأحداث مع العلم أنه يسجل انعدام وحدة تكوين متخصصة بالمعهد العالي للقضاء في مجال الأحداث.

ب ـ إشكالات متعلقة بالهيئات المساعدة:

        رغم أن المشرع الجنائي اعتمد مبدأ التخصص على مستوى الهيئات القضائية الموكول لها مأمورية تدبير قضايا الأحداث، يلاحظ بأن السرعة و النجاعة المتوخاة من وراء ذلك لازالت لم ترق إلى المستوى المطلوب، ومرد ذلك بالأساس إلى الخصاص البين الذي تشكو منه كتابة الضبط و المتجلي بالخصوص في قلة الموارد البشرية العاملة بهذه الهيئة وعدم توفير لها الإمكانيات اللازمة إلى جانب كثرة الملفات، وهو ما يشكل إكراها عمليا يعرقل بحق السير نحو قضاء متخصص في مجال الأحداث.

        وإذا كان الحدث الجانح له الحق في مؤازرة المحامي يعينه من تلقاء نفسه أو من طرف وليه القانوني، وعند الاقتضاء، يعينه نقيب هيئة المحامين في إطار المساعدة القضائية، فإنه مع ذلك يلاحظ في غالب الأحيان تقاعس المحامي المكلف بالترافع عن أداء مهامه نظرا لمجانية أداء هذه الخدمة الشيء الذي يعرقل السير العادي لأشغال الهيئة و يساهم في تأخير البث في قضايا الأحداث داخل آجال معقول، هذا ما يتنافى مع مبادئ المحاكمة العادلة وفقا لما أقرته الأوفاق الدولية بهذا الخصوص.

         وهكذا، وعلى ضوء الإشكالات المثارة سلفا، يبقى حريا بالمشرع المغربي دعم مبدأ التخصص و الحرص على توسيع هامش تكريسه ليشمل بذلك مختلف الهيئات المساعدة وذلك على غرار ما ذهب إليه المشرع الفرنسي في هذا الإطار.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz