تنازع السلطة بين حركة التعريب والتيار الفرنكفوني في المغرب

22970 مشاهدة

الجناتي محمد، دكتور باحث في العلوم القانونية والإدارية والسياسية/ وجدة البوابة : وجدة في 11 أبريل 2012، إن قضية اللغة العربية هي قضية وجودية، ذلك أنه لا يمكن لأي لغة أن تكون وعاء محايدا أو أداة تواصلية محايدة، وإنما هي الهوية ذاتها. فالمغرب عندما حارب الاستعمار الإسباني والفرنسي حاربه من منطلق ثقافي، لأن المغاربة لم يقبلوا أن يكونوا  فرنسيين من الدرجة الأولى أو الثانية. وبالتالي فاستقلالهم يجب أن يكون استقلالا ثقافيا واجتماعيا ولغويا واقتصاديا وسياسيا. إلا أن الواقع الآن، حيال هذا الوضع غير السليم، يشهد أننا نعيد إدخال المستعمر من النافذة، عبر تبني لغته و ثقافته الفرنكفونية في الكثير من القطاعات، وعلى رأسها قطاع التعليم، الذي رفع شعار التعميم والتعريب والتوحيد والمغربة، لكنه لم يحقق إلى يومنا هذا مبدأ تعريب التعليم بجميع أسلاكه، إلى درجة لم يعد معها للاستقلال السياسي و العسكري أي معنى؛ حيث ما زالت اللغة العربية بالمغرب تعيش وضعا قاتما، من خلال سيادة لغة المستعمر القديم في المقاهي والإدارات والمؤسسات. كما تسود الفرنكفونية في أحياء كثيرة داخل المدن المغربية الكبرى، إذ  يشعر المرء، من خلال اللغة المتداولة فيها، وكأنه في حي فرنسي. بالإضافة إلى أن مجموعة من الوثائق الإدارية مازالت  تصل في الكثير من الأحيان إلى المغاربة بلغة مستعمرهم؛ هذا، دون أن ننسى القنوات والإذاعات الإعلامية المغربية  التي تقدم للمواطن المغربي مجموعة من البرامج المُنحطّة، التي  تروِّج الخواء والابتذال، و تجعل المواطن المغربي يعيش في جو غريب عن أصالته وهويته. و تشهد الساحة اللغوية بالمملكة سيطرة اللغة الفرنسية على الحياة العامة، بما في ذلك الوظائف العليا ومن يتولى أمر تدبيرها، وكذلك انتشار ظاهرة الازدواج اللغوي الذي يعاني منه حوالي 7 ملايين من الطلبة والتلاميذ في قطاع التعليم، على مرآى ومسمع من السلطات السياسية بالبلاد، التي تكتفي بدور المتفرج السلبي.                                                                    

        إن أكبر خطر يهدد مستقبل الدول والمجتمعات هو الحروب الثقافية، حيث يعمد المستعمر الغاصب إلى بسط سيطرة لغته على لغة البلد المستعمر السليب، مثلما حدث في المغرب والجزائر وتونس، مروجا لفكرة عدم فهم أغلبية المغاربة  للغة العربية، ناسيا أو متناسيا في الوقت نفسه اللحظات التي كان يستمع فيها عموم المغاربة إلى صوت العرب من القاهرة، وإلى إذاعة “بي بي سي” اللندنية.  مما حدا برموز المقاومة، الذين ذادوا عن حمى الوطن بالغالي و النفيس، والذين كانوا ذا بعد ثقافي عروبي، كالعلامة علال الفاسي والمختار السوسي، إلى محاربة الغزو العسكري و الثقافي الفرنسي بالعتاد العسكري وبالعدة العقدية وباللغة العربية الرصينة التي كان قوامها الخطابة والشعر، اللذان شكلا معا عماد المقاومة الثقافية العربية والإسلامية والوطنية. 

         في هذا البحث سنحاول التطرق إلى تنازع السلطة بين حركة التعريب والتيار الفرنكفوني، مثيرين العديد من الأسئلة:          

ـ ماهي الفرنكفونية؟ ما الحدود الفاصلة بينها وبين اللغة الفرنسية؟ وما الجهود التي بذلتها الدولة لتعريب التعليم والإدارة بعد الاستقلال؟ وما الدور الذي لعبه أنصار الفرنكفونية للحد من ذلك ؟

ـ كيف تتجلى مظاهر تنازع السلطة بين حركة التعريب والتيار الفرنكفوني في مجالي التعليم والإدارة بالمغرب؟ وكيف تحضر الهيمنة الفرنكفونية في جل معوقات التعريب في المغرب؟      

  للإجابة على هذه الأسئلة و غيرها، ارتأينا تقسيم الموضوع إل مبحثين:                       

المبحث الأول: المد الفرنكفوني وجهود الدولة المغربية في تعريب التعليم والإدارة.

المبحث الثاني: حضور الهيمنة الفرنكفـونية في جل معوقات التعــريب في الــمغرب.

           للإشارة فقط، فبحثنا هذا لن يتطرق إلى ظاهرة التعريب كما جاءت في كتابات العرب القدامى، والذي يعني إخضاع الألفاظ الأعجمية إلى أبنية اللغة العربية وأوزانها، والمسماة كذلك بظاهرة الاقتراض اللغوي، وإنما سيتناول بالدراسة والتحليل حركة التعريب في صراعها مع المد الفرنكوفوني في المغرب، في شقها  الخاص بنقل النصوص إلى اللغة العربية، و استعمال هذه الأخيرة في المجالات العلمية، وإحلالها في التعليم والإدارة و النظام و الاقتصاد بدلا من اللغة الأجنبية.      

المبحث الأول: المد الفرنكفوني و جهود الدولة المغربية في تعريب التعليم والإدارة

      بعد تحرره من الاستعمار السياسي و العسكري الفرنسي في سنة 1956، حاول المغرب بناء دولة حديثة تستمد روحها و هويتها من أصالتها العربية الإسلامية، لذلك عمل تدريجيا على تعريب قطاع التعليم و الإدارة للوصول إلى تعريب شامل لكل مناحي الحياة. لكنه اصطدم بواقع جديد ترسخت فيه لغة وثقافة المستمر بشكل يصعب اقتلاعه بالكامل. سنتناول في هذا المبحث الأول مطلبين: ترسيخ الفرنكفونية في مغرب ما بعد الاستقلال (المطلب الأول)، و تعريب التعليم والإدارة (المطلب الثاني).                     

المطلب الأول : ترسيخ الفرنكفونية في مغرب ما بعد الاستقلال

         لقد ترسخت الفرنكفونية في مغرب ما بعد الاستقلال بشكل لافت، فتجدرت في العديد من القطاعات الحيوية في البلاد كالتعليم والإدارة والجيش والاقتصاد، منافسة بذلك اللغة العربية، و مقلصة بالتالي من فرص نجاح حركة التعريب.  فماهي الفرنكفونية؟ و ما هي الحدود الفاصلة بينها و بين اللغة الفرنسية ؟  

الفرع الأول : تعريف الفرنكفونية

     الفرنكفونية هي حركة تعني استعمال اللغة الفرنسية، ليس فقط من الجانب اللغوي اللساني، بل هي في الواقع حركة عامة تسعى إلى إغراق شعوب أخرى في الحضارة الفرنسية وفي التبعية الثقافية لفرنسا. غير أنه إن كان في بعض الأحيان يعلن عن هذا بشكل صريح، فإنه في أحيان كثيرة أخرى لا يعلن عنه ويتم بشكل ضمني. إن الفرنكفونية  تتجاوز المعطى اللغوي الثقافي، على اعتبار أن لها مقاصد سياسية واقتصادية تتعدى ما هو ثقافي واجتماعي.                                         

         لقد انطلقت فكرة الفرنكفونية من كون اللغة لا تقوى إلا بكثرة الناطقين بها واتساع مجالات استعمالها. وحيث أن اللغة الفرنسية فقدت كل إمكانية للتوسع داخل أوروبا، اتجهت فرنسا إلى مستعمراتها الإفريقية بعد منتصف القرن العشرين من أجل إحلال الفرنسية محل اللغات المحلية واجتذاب الطاقات العقلية الإنسانية الحية المبدعة. لكن التطور السريع للولايات المتحدة الأمريكية، وهيمنة القطب الواحد على الساحة الدولية سيخلق للغة الفرنسية وللفرنكفونية بشكل عام متاعب كثيرة. وهو ما جعلها تتجه نحو إخفاء طابعها الهيمني الاستعماري، وتقديم نفسها بدل ذلك على أنها حركة ومنظمة كونية لمناصرة الهوية الثقافية للشعوب ودعم الحوار بين الدول، ضدا على خط الهيمنة وفكرة الصدام والصراع الحضاري الذي تجسده سلوكات الإدارة الأمريكية، وخاصة بعد أحداث 11 شتنبر 2001.                                 

      إلا أن الحركة الفرنكفونية، بشكل عام، ورغم الشعارات التي حملتها، لم تتغير صورتها عند كثير من المثقفين العرب، ومنهم المغاربة، الذين ما زالوا ينظرون إليها على أنها حركة تسعى إلى إغراق الشعوب الأخرى في الحضارة الفرنسية، ومن خلالها في التبعية الثقافية لها. في حين يعتبر آخرون أن المشكلة ليست في الفرنكفونية من الجانب اللغوي، بقدر ما هي في طبيعتها الميالة إلى الهيمنة والسيطرة عبر آليات متعددة تشكل اللغة أحدها ، وهو ما لا يجعلها أفقا بالنسبة لمجتمعاتنا نظرا لضيق صدرها عن قبول الآخر بدون إخضاعه واستلابه، مشيرين في الوقت نفسه إلى أن الفرنكفونية في المغرب بالأساس، تبقى رهانا سياسيا لطبقة سياسية مغربية مهيمنة ، و أيضا رهانا لطبقة حزبية. رهان يمكن أن يتغير بتغير موازين القوى.  فإذا أصبحت اللغة الإنجليزية في السوق العالمية والداخلية ذات نفوذ فسيتم تبني الإنجليزية ونبذ الفرنسية، الأمر الذي تحرص فرنسا بكل الوسائل على ألا  يحصل في بلدان المغرب العربي، و خصوصا في المغرب وتونس والجزائر.  

 الفرع الثاني : الحدود الفاصلة بين اللغة الفرنسية والاديولوجية الفرنكفونية                   

        إن السياسة اللغوية الفرنكوفونية تخطيء حين تعجز عن وضع خطوط فاصلة بين نشر اللغة ونشر الثقافة. فاللغة أداة للتواصل ويمكن تحييدها ثقافيا، أي أن الرمز اللغوي تابع للمتكلم به ومعبر عن تصوراته. وهنا يمكن الحديث عن فرنسية ذات بعد ثقافي عربي، وعن عربية ذات بعد ثقافي فرنسي. فالأمر يتوقف على منظور المتكلم باللغة ومستعمل الرمز. لذلك، فقد بدأ الحديث في العالم الأنجلوفوني عن إنجليزيات مختلفة وليس عن إنجليزية واحدة.  فقد لوحظ أن الهنود الآن يستعملون اللغة الإنجليزية بشكل مختلف نوعا ما عن اللغة الأم،  إن كان ثمة فعلا لغة إنجليزية أما.

         لقد تحولت الفرنكفونية في المغرب إلى ثقافة شمولية totalitaire  ، تهدف إلى الحلول محل الثقافة العربية. ويظهر هذا في نوع السلوك الذي تنتجه النخبة الفرنكفونية، التي سلمت بالهيمنة الثقافية الفرنسية، وساهمت بالتالي في دعم التصورات الإقصائية وإيديولوجيات الهيمنة. إن النخبة داخل الوطن لا تتعامل مع اللغة الفرنسية بوصفها أداة للتواصل الحضاري، ووسيلة للتعبير عن الرؤى الكونية المختلفة، بحيث إذا تكلم الياباني والعربي والكولومبي والروسي الفرنسية أنتجوا بالفرنسية تلك أنماطا من الخطابات المختلفة المنبعثة من صميم ثقافاتهم. وكم سيكون المنظر بشعا وسطحيا لو أنتج هؤلاء خطابا واحدا يعبر عن رؤية فرنسية للعالم، حينها ستكون الفرنسية أداة لتسطيح العالم والقضاء على جماليات الاختلاف فيه

المطلب الثاني : تعريب التعليم والإدارة بعد الاستقلال

      في هذا المطلب سوف نحاول التطرق إلى حركة تعريب التعليم (الفرع الأول)، وإلى المشاريع التنموية الكبرى التي عرفها هذا القطاع الحيوي في مجال التعريب، و كيف أن هذه المحاولات اعترضتها عدة عوائق، من أبرزها اكتساح المد الفرنكفوني لبلاد المغرب. كما سنتعرض أيضا لمحاولات الدولة تعريب الإدارة عبر بعض الآليات القانونية (الفرع الثاني).       

الفرع الأول : تعريب التعليم

      لقد سعت حركة التعريب داخل المغرب إلى خلق مؤسسات تُعنى بنشر اللغة العربية، وذلك بغية مأسسة عملية التعريب (الفقرة الأولى)، إلا أن جل مشاريع إصلاح قطاع التعليم التي عرفها المغرب طغى عليها هاجس ازدواجية اللغة (الفقرة الثانية).                                                

الفقرة الأولى : مأسسة عملية التعريب في المغرب

     ككل البلدان التي تتخلص من الاستعمار العسكري، وتتوقد فيها جذوة إثبات الذات بعد الفترات العصيبة، حاول المغاربة استثمار الرصيد القومي المفعم بالحماس الوطني، واستثمار الشعور الإسلامي الذي شكل الرصيد المعنوي والروحي للحركة الوطنية، في إعادة بناء ما أفسد المستعمر. غير أن ثقل الموروث الاستعماري، جعل المغرب، على المستوى الرسمي، مكبلاً بقيود أملتها طبيعة المفاوضات التي كانت بينه وبين فرنسا. إذ لم يشهد المغرب قطيعة كلية مع نظام المستعمر الاقتصادي والاجتماعي والثقافي؛ “فطبيعة العلاقات التي سينسجها المغرب المستقل مع فرنسا فيما بعد، وكذا نوعية الحلول المرتقبة للقضايا الموروثة عن عهد الحماية، ومنها قضية التعليم بكل أبعاده، ستكون مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بطبيعة المفاوضات السياسية التي تمت بين الطرفين في (إكسليبان)، وبالكيفية التي تم بها نقل السلط من رموز سلطة الحماية إلى من تسلم هذه السلط، بعد الاعتراف الرسمي باستقلال المغرب”.

        ومنذ استقلاله، رفع المغرب أربع تحديات في قطاع التعليم: التعريب و التوحيد والتعميم ومغربة الأطر. وقد عرف ميدان تعريب التعليم تدرجا ملحوظا، إذ صدر قرار حكومي بتعريب التعليم الابتدائي في أكتوبر 1967، ويقضي بتدريس جميع المواد التعليمية بما فيها الرياضيات باللغة العربية، مع الإبقاء على اللغة الفرنسية كلغة ثانية. وفي سنة 1972 أصدرت وزارة التعليم بيانا يقضي بتعريب مواد التاريخ والجغرافية والفلسفة في المرحلة الثانوية. و ساهم في إنجاح هذه الخطوة التعريبية وجود الأطر المتخرجة من كليات الآداب والمدرسة العليا للأساتذة في الرباط. ولمواجهة مقتضيات تعريب المواد العلمية والرياضية في المرحلة الثانوية أنشأت وزارة التعليم منذ سنة 1979 مدارس عليا لتكوين أساتذة للعلوم وللرياضيات. وتتميز الحركة التعريبية للتعليم في المغرب بخصوصية هامة هي الطابع المؤسسي السياسي والرسمي. بمعنى أن هذه الحركة تستند في انطلاقها إلى مجموعة من الأجهزة الفنية والسياسية الرسمية التي تتشكل من عناصر فنية مسؤولة عن قطاع التعليم في البلاد، و مهمتها إرساء الدعائم الثابتة والدائمة للتعريب الحضاري العام. إذ توجد في المغرب عدة مؤسسات تعنى بالتعريب، كالمركز المغربي للتعريب والتوثيق في الرباط، وهو مؤسسة تابعة  لوزارة الثقافة. واهتم في السنوات الأولى من تأسيسه بتعريب المقررات الدراسية في المغرب على مستوى جميع القطاعات التعليمية، وبعد ذلك أصبح المركز أهم جهة في المغرب للترجمة والتوثيق والنشر. إضافة إلى مكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي في الرباط، والذي أنشئ عام 1961 بهدف توحيد جهود الدول العربية في مجال التعريب وتوحيد المصطلح العلمي وإيجاد القواميس ثنائية وثلاثية اللغات في فروع المعرفة المختلفة. والمكتب تابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وينشر جميع أعماله في مجلة اللسان العربي. و أخيرا نشير إلى وجود معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بالرباط، و قد أنشئ المعهد عام 1961، وهو هيئة وطنية مغربية،  يسعى إلى صنع أسس منهجية عامة لمعالجة المصطلحات.   

 الفقرة الثانية : مشاريع إصلاح التعليم بين الدعوة لتعزيز التعريب وازدواجية اللغة

         إن الطابع العام الذي طبع الوضع الجديد في مغرب ما بعد الاستقلال «هو الاستقلال في إطار الاستمرارية. إن هذا يعني أنه كان على الحكومة أن تقبل الوضع كما هو، وأن تتسلم السلطة تدريجياً بإحلال موظفين مغاربة مكان الموظفين الفرنسيين، وأن تعالج مختلف القضايا بالتشاور مع فرنسا». وهذه الازدواجية الثقافية التي خلفتها التركة الاستعمارية، أثرت ولا زالت تؤثر في مشاريع البناء والإصلاح على جميع الأصعدة. حيث مازال الصراع محتدما بين حركة التعريب و التيار الفرنكفوني بالمغرب، مما جعل العلاقة بينهما دائمة الاضطراب.

1ـ  اضطراب العلاقة بين التعريب و الفرنكفونية

           يمكننا أن نلمس هذا الاضطراب على صعيد التعليم في تعثر مشاريع الإصلاح المتوالية منذ عهد الاستقلال، والتي لم تستطع بناء نموذج تعليمي واضح المعالم، محدد المقاصد والغايات، يستمد مشروعيته من الأصالة المغربية، ويجد امتداده في المعاصرة المتوازنة. لذلك كان الاضطراب هو السمة الغالبة في التعامل مع الكثير من القضايا المفصلية في النظام التعليمي. وطغى هاجس التفاوض والتوافق على مشاريع إصلاح التعليم بين التيار الفرنكوفوني، الذي يجد سنده في المعاهدات المغربية الفرنسية غداة الاستقلال، وتغلغله ونفوذه في مراكز القرار والسلطة، وبين التيار الوطني المدعوم شعبياً والمفتقد لأدوات الضغط الإدارية الكافية للتأثير في صياغة المشاريع وتنفيذها. ومن مظاهر هذا الاضطراب التعامل مع مبدإ تعريب التعليم؛ فهذا المبدأ  لا زال حتى الآن يرزح في مكانه، ويكفي أن نُذكّر بأن أول مشروع تعليمي أقره المغرب غداة الاستقلال أكد على ضرورة اعتماد اللغة العربية كلغة رسمية للتدريس، واعتبر أن مبدأ التعريب هو أحد الأعمدة الأربعة التي سيقوم عليها إصلاح التعليم بالمغرب. إلا أنه، ورغم إعلان أن اللغة الأساسية للتعليم هي اللغة العربية، فإن الازدواجية ستظهر في أول خطوة تطبيقية، حيث تقرر تدريس العلوم باللغة الفرنسية، منذ القسم الأول.

          إن تدريس العلوم باللغة الفرنسية منذ القسم الأول من التعليم الابتدائي، وترك بعض المواد تدرس باللغة العربية مثل التربية الإسلامية وقواعد اللغة وكل ما يتصل بالأدب في الفترة التي أعقبت استقلال المغرب سيخلق لدى التلميذ إطاراً مرجعياً ينظر من خلاله إلى كل لغة على حدة: لغة علوم، ولغة أدب. لغة تسمح باكتساب المعرفة الإنسانية العلمية، وتسمح بالانفتاح على العالم الخارجــي، ولغة أخــرى لا تسمح بالتعامل إلا مع الأدب والشعر والحكايات والأساطير. وكل هذا يتم، كما حددته اللجنة الملكية لإصلاح التعليم، بداية من السنة الأولى بالتعليم الابتدائي، أي منذ دخول التلميذ إلى المدرسة الحكومية. إنها فعلاً ازدواجية ستصاحب هذا التلميذ خلال دراسته كلها، وتلك وضعية لم يخترها الطفل المغربي بنفسه، بل هي استمرارية لمواقف سياسية لم تحسم بشكل واضح أثناء التفاوض على الاستقلال. وقد بقي هذا الاضطراب سائداً في جميع مشاريع الإصلاح سواء في التصميم الخماسي 1960 ـ 1964م، أو التصميم الثلاثي 1965 ـ 1967م، أو التصاميم الحكومية الموالية، أو مخططات اللجان الملكية المستحدثة لإصلاح التعليم، والتي بنيت في أغلبها على تقارير البنك الدولي التي تشخص الوضعية التعليمية بالمغرب في ارتباطها بالمجال الاجتماعي والاقتصادي. ويكفي أن نشير إلى أن النظام التعليمي في المغرب الآن يعرف العمل بمبدأ تدريس العلوم التجريبية والطبيعية باللغة العربية، في حدود التعليم الثانوي، مع اعتماد اللغة الفرنسية في تدريس هذه المواد بالتعليم العالي؛ مما خلق ارتباكاً واضحاً في مستوى التحصيل لدى التلاميذ، وأجهض عملية تعريب التعليم من أساسها كتجربة كان يمكن أن تنجح لو حضرت الإرادة الوطنية القوية، وخف ضغط التيار الفرنكوفوني المتنفذ الذي لا يخفي تخوفه من حملة مدروسة لتطبيق مبدأ التعريب، يتم الاستفادة فيها من التجارب الناجحة لبعض الدول العربية كسوريا والأردن، ويحمل مسؤولية التخلف العلمي والتقني إلى اللغة العربية، وكأن بلدان العالم العربي التي تدور في فلك الفرنكوفونية، و التي تعتمد الفرنسية لغة للتدريس، قد حققت بفعل ذلك طفرة نوعية في هذه المجالات، والواقع أنها فقدت هويتها، ولم تحقق ما كانت تنشد من تقدم.

2ـ  تعريب التعليم بين التيار العروبي والتيار الفرنكفوني

        تنقسم الآراء في شأن التعريب بالمغرب إلى ثلاثة تيارات: مناصرو اللغة الفرنسية ومناصرو الازدواج اللغوي ومناصروالتعريب. لكل فصيل من هؤلاء حججه وقناعاته التي يحاول قدر الإمكان الدفاع عنها على أرض الميدان، وسط صراع محموم وحاد.

2ـ1  مناصروا اللغة الفرنسية

         مناصروا سيادة اللغة الفرنسية في التعليم والإدارة والاقتصاد يرون أن الحفاظ على اللغة الفرنسية يساعد المغرب على الاستمرار في الاتصال بالتقدم العلمي في الخارج، و أن التمسك باللغة العربية هو نوع من التمسك بثقافة رجعية قديمة، يطعنون في كفاءتها من حيث كونها صالحة للتطبيق في الحياة العلمية، لأنها غير قادرة على متابعة التطور العلمي الحديث. لذلك عملوا على محاربتها سرا و علانية، سواء في قطاعات التعليم أو في الجيش أو في مختلف مستويات الإدارة. إذ يقول أحد المفكرين المناصرين لهذا التيار: “وفي حالة المغرب اليوم، وربما لحقبة  تاريخيةٍ ما، يبقى التعريب الشامل للتعليم العلمي والتقني والمهني حاملاً لخطر إقصاء ملايين الشباب من عوالم الاقتصاد، والإدارة، والتواصل، المفروض أن يحققوا فيها ذواتهم ويساهموا بمقدراتهم في الرفع من القدرة التنافسية لبلادهم ككل. بل  إن من شأن هذا الإقصاء أن يحشرهم فيما قد يبدو مجرد مخيم هائل للفقر الثقافي، والتهميش السوسيو اقتصادي. وهو مخيم قد يواسى فيه المرء بشعور الافتخار الذاتي بالهوية اللغوية المسترجعة، لكنها في الأغلب هوية مفقرة بالأحادية اللغوية وملتبسة معها، هوية مرتجلة وممنوحة من فوق؛ ومن ثم مستلبة سلفاً بصفتها هذه، هوية لفظية مقصورة على الفم، ومستندة إلى تربية مختزلة، ومعرفة متجاوزة، هوية سرعان ما تكون مجروحة، مصدومة ومعقدة بفعل الكبت الاقتصادي والتواصلي”. إن هؤلاء الفرنكفونيين بذلوا جهوداً كبيرة للتمكين للنظام التعليمي الفرنسي بالمغرب أكثر من أي وقت مضى، كالتركيز على دعم تدريس اللغة الفرنسية، وتدريسها بأغلب دور الحضانة ورياض الأطفال وكثير من مؤسسات التعليم الخاص، بالإضافة إلى تعزيز مكانة البعثات الفرنسية بالمغرب، والتي يرتادها أبناء الأعيان من المغاربة، والتي تعتمد برامج ومناهج فرنسية لا تخضع لرقابة وزارة التعليم المغربية.  كما أنهم نجحوا في جعل اللغة الفرنسية لغة للتواصل في أغلب الإدارات المغربية والقطاعات الحيوية الاجتماعية والاقتصادية، رغم القرارات الإدارية الرسمية الداعية إلى اعتماد اللغة العربية في جميع مرافق الدولة.         

           إلا أن أنصار التعريب يتهمون هذا الفريق بالخشية في الواقع على مستقبلهم الشخصي والعملي إذا ما تم زحف اللغة والثقافة العربيتين إلى المراكز الرئيسية التي يحتلونها إلى يومنا هذا في مجالات الإدارة والتعليم والاقتصاد. إن هؤلاء المتفرنسين يؤمنون بأن نجاح التعريب في المغرب هو الثورة الحقيقية التي ستبعدهم عن مناصبهم ومواقعهم.                                       

2ـ2  مناصروا الازدواج اللغوي

         يرتبط بدعاة استمرار الفرنسة الثقافية والتعليمية اتجاه ينادي بالازدواجية اللغوية في التعليم على أساس حجتين أساسيتين: الحجة الأولى هي أن إقرار سياسة الازدواج اللغوي في التعليم وغيرها سوف يمكن المغرب من الانفتاح على العلوم الحديثة، و ذلك بأن يدرس الطلاب العلوم و الرياضيات باللغة الفرنسية و العلوم الإنسانية و الاجتماعية باللغة العربية، أما الحجة الثانية فتفيد أن الازدواجية اللغوية تمثل عاملا هاما في تمكين المغرب من ناصية لغة أجنبية متطورة إلى جانب اللغة الوطنية الأصيلة. وواقع الأمر أن الازدواجية اللغوية تفرض ميزانية للتعليم مضاعفة تقريبا، مما يعود بالضرر على تعميم التعليم ورفع مستواه، لأن الازدواجية تتطلب مضاعفة عدد المعلمين والكتب والوسائل التعليمية باللغتين العربية والفرنسية. ومن الناحية النفسية، فإن الازدواجية اللغوية في التعليم لابد و أن تحدث اهتزازا في شخصية الطالب. ذلك أن الازدواجية التي تعني تخصيص اللغة العربية للدراسات الأدبية والدينية والفلسفية، واللغة الفرنسية لتدريس العلوم الحديثة، إنما تقدم للطالب المغربي عن طريق اللغة صورتين متناقضتين: صورة للماضي، و تتمثل في الدراسات باللغة العربية، وصورة للحاضر والمستقبل والحضارة والحداثة وتقدمها الدراسات باللغة الفرنسية. وفي هذا المضمار، يشير الدكتور المهدي المنجرة، خبير المستقبليات، في أحد حواراته: “لا أقبل من أي أحد أن يقول إنها قضية بيداغوجية وأن لنا مشاكل وأن التعريب صعب، وصعب أن نستعمل اللغة العربية في تعليم الكيمياء والبيولوجيا؛ فهذا كلام لا أساس له، لأن التجارب في العالم بأسره برهنت أنه بدون الاعتماد على اللغة الوطنية، وبدون اللغة الأم في تعليم العلوم، لن يكون هناك تقدم حقيقي. وأستطيع أن أقدم لك نماذج من كوريا وتايوان واليابان وماليزيا والصين وغير ذلك. هناك ضغط من الخارج، وتخوف من نخبة معينة لها مناصبها ووظائفها، وحياتها كلها مبنية على اللغة الأجنبية؛ فالاستعمار كان واضحاً .. راح الاستعمار وخلف أفراداً معينين قائمين بالعمل .. وأظن أنه لم يتبق وقت للكلام في هذا الموضوع؛ لأنها ليست قضية تقنية أو فنية، يجب أن نتفق أنها قضية سياسية”.

 2ـ3  مناصروا  حركة التعريب بالمغرب

        سنحاول الحديث في هذا المحور عن الحجج التاريخية والواقعية العملية التي يدفع بها أنصار حركة التعريب في المغرب في وجه خصومهم الفرنكفونيين.                                              

2ـ3ـ1  الحجج التاريخية للتعريب

       إن دعاة سيادة الثقافة واللغة العربيتين في المغرب يركزون على حجج قوية مستمدة من الوقائع التاريخية الثابتة، وتتعلق بأهمية اللغة العربية ثقافيا وحضاريا. فاللغة العربية لعبت في شمال إفريقيا دورا حضاريا هاما، ويكفي أن نذكر أن اللغة العربية هي لغة ابن خلدون المنتمي إلى تلك المنطقة، والذي يعد أحد أكبر علماء الاجتماع قاطبة. كذلك الفرنسية لم تصل إلى الفلاحين والبدو، وهم الجزء الأساسي من الشعب، والذي لا يتكلم سوى العربية. ومن جهة أخرى، فإن القول بأن اللغة الفرنسية لغة حضارة واللغة العربية لغة عصور وسطى فيه مغالطة من أكبر المغالطات التي روَّج لها تاريخ الاستعمار الأوروبي. فمن الناحية النظرية لا توجد هناك لغة متخلفة من حيث الأساس، و إنما هناك شعب متخلف وشعب متقدم. والشعوب المتخلفة تعكس نفسها أيضا على اللغة فتضعف وتنهار، في حين أن الشعوب المتقدمة تعكس تقدمها أيضا وقوتها على لغتها؛ ومثال ذلك أن اللغة الصينية كانت قبل ثورة الصين في 1949 بزعامة ماوسي تونك لغة متخلفة، ولكنها تحولت الآن إلى لغة حية يستخدمها الصينيون في أحدث العلوم والتكنولوجيا. كما أن اللغة العبرية لم تكن ضعيفة فقط، بل كانت ميتة، لا يستخدمها أحد سواء من أبناء الشعوب المتحضرة أو المتخلفة، و لكن دولة إسرائيل الصهيونية استطاعت أن تحييها بوضع برنامج قوي حاسم مكنها من العودة إلى الحياة، فأصبحت لغة علم و تكنولوجيا و تقدم.              

2ـ3ـ2 الحجج الواقعية للتعريب 

       أما من الناحية العملية الواقعية، فنجد أن اللغة العربية كانت في الماضي لغة حضارة كبيرة اعترف بها الأوربيون أنفسهم، لأنها تخطت حدود الشرق إلى أوربا ذاتها، و كانت تقوم بوظيفة حضارية عظيمة حتى عصر الركود العثماني، وتلاه الاستعمار الأوربي، فانحطت الحضارة العربية وتجمدت معها اللغة العربية. إن تشبث النظام التعليمي المغربي باللغة الفرنسية هو الذي حرم الكثير من خريجي هذا البلد من الانفتاح على سوق الشغل العربية الواسعة، لضعفهم في اللغة العربية أولاً، ثم لضعفهم في اللغة الإنجليزية ثانياً، ثم لتخلف البحث العلمي وأساليب التكوين في النظام الفرنسي بسنين عديدة عن النظام الأنجلوسكسوني المعتمد في بلدان المشرق العربي. ويجزم كثير من الباحثين الاقتصاديين والاجتماعيين أن هذا الخيار هو السبب المباشر في تقوقع الخريجين المغاربيين، ضمن الدائرة الفرنكوفونية الضيقة بأوروبا (فرنسا وشطر من بلجيكا) والبعيدة بعد المشرقين (كندا)، والنامية أو المتخلفة (الدول الإفريقية الفرنكوفونية) التي تتنازعها الحـروب، ولا توجد فيها أي فرص للاستثمار. وقد بدأ المغرب أخيراً يعي خطأ الرهان على الخيار الفرنسي بمفرده، وارتأت اللجنة الوطنية التي سهرت على إعداد الميثاق الوطني للتربية والتكوين ضرورة تعزيز مكانة اللغة العربية، وتقوية التكوين في اللغة الإنجليزية وبها، ومع ذلك لم يسلم هذا المشروع بدوره من السقوط في فخ التوازنات. وقد أقر الميثاق الوطني للتربية والتكوين، المعتمد في مشاريع إصلاح التعليم الجارية الآن، إجراءاتٍ لتعزيز مكانة اللغة العربية في النظام التعليمي بصفة عامة ومنها: تأسيس أكاديمية للغة العربية، واعتبار مادة اللغة العربية إجبارية في جميع التخصصات، والدعوة إلى إنشاء مسالك تعتمد التدريس باللغة العربية في كليات العلوم بالتعليم العالي.

      غير أن ذلك لم يمنع من إعادة التمكين للغة الفرنسية لغة للدراسة، ولغة للتدريس مع إدخال تدريس اللغة الإنجليزية ابتداء من السنوات الأولى من التعليم الابتدائي، إضافة إلى تدريس اللهجات الأمازيغية؛ وهو ما يعتبر تجنياً على التلميذ المغربي الذي سيجد نفسه في سنواته الدراسية الأولى أمام خيارات لغوية متعددة تحرمه من إتقان اللغة العربية، والانفتاح الموزون والمتدرج على اللغات الأخرى. كما تعتبر هذه الإجراءات ضارة بمكانة اللغة العربية في النظام التعليمي رغم ما قرر في شأنها من إصلاحات. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على طابع التوافقات السياسية، وهاجس التوازنات الذي لا زال يلقي بظلاله على الخيارات التربوية في مجال التعليم والتربية منذ عهد الاستقلال إلى الآن. مما جعل الصراع الفكري يشتد بين أنصار التعريب ومناهضيه في المغرب، حيث نجحت القوة الاستعمارية الفرنسية قبل رحيلها في ترسيخ التناقضات و تأكيدها بين المثقفين حول موضوع الانتماء الحضاري والتاريخي الأصيل لبلاد المغرب.

           خلاصة القول، إن من أهم العقبات الفكرية المعاصرة المضادة لعمليات التعريب في المغرب، هو تنافر و تباعد الرأي و الاتجاه بين النخب السياسية بشأن التحديد الدقيق للهوية القومية العربية للبلاد. مما يرشح استمرار داء الازدواجية والصراع مع الإيديولوجية الفرنكوفونية حتى إشعار آخر، في غياب إرادة قوية وحاسمة وقرار مستقل عن التوصيات الملزمة التي تمليها المؤسسات الدولية. قرار يدعم اللغة العربية وينظم تعلم اللغات الحية كلغات للتواصل مع الآخر. وسيستمر هذا الأمل قائماً في ظل التحولات التي كرست التراجع الكبير الذي تعرفه مكانة اللغة الفرنسية في قائمة اللغات الحية العالمية، وخاصة في مجال التكوين والبحث العلمي.       

المطلب الثاني: تعريب الإدارة بين الواقع الفرنكفوني و الأساس القانون

         حظي تعريب الإدارة بجهود خاصة في إطار مغربة الوظائف الحكومية (الفرع الأول)، أي إحلال الكفاءات البشرية المغربية من أبناء الوطن محل العناصر الأجنبية الدخيلة التي سيطرت على أجهزة الإدارة إبان عهد الحماية الفرنسية. لكن هذه الجهود اصطدمت بواقع تسود فيه الثقافة الفرنكفونية، في ظل غياب نص قانوني ملزم يحتم على الإدارة التواصل باستعمال اللغة العربية (الفرع الثاني). 

الفرع الأول : جهود تعريب الإدارة المغربية

        حاول المغرب بعد الاستقلال نهج سياسة  تعريب الوظائف العمومية، حتى  تصبح اللغة العربية أداة التعامل والتواصل في المعاملات الإدارية المختلفة. وهكذا تلازمت وتزامنت عمليتا التعريب الإداري ومغربة الوظائف الإدارية بعد الاستقلال، وأصبح تكوين الموظف المغربي الكفء الذي يستخدم اللغة العربية في أداء عمله الإداري يمثل الغاية العليا للعمليتين معا: التعريب والمغربة. وتجب الإشارة إلى أنه، و إن كانت عملية مغربة الأطر قد عرفت نجاحا كبيرا في فترة قصيرة  نسبيا، نظرا لوفرة الأطر الوطنية المؤهلة فنيا وعلميا وإداريا، فإنه على النقيض من ذلك ظلت عملية تعريب الإدارة متعثرة، باستثناء تعريب جهاز القضاء، رغم المجهودات التي بذلتها الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال. ذلك أنه وفي سنة 1973، أصدر رئيس الوزراء منشورا ينص على ضرورة التعريب الإداري الشامل والبدء بمراسلة المواطنين باللغة العربية، وأن يصدر كل وزير في نطاق وزارته التعليمات الكفيلة بتحقيق هذا الهدف. وجدير بالذكر أن هذا المنحى ما كان ليرى النور لولا اشتداد الحملة الشعبية العامة ضد استمرارية الفرنسة الإدارية، والتي برزت في شكل مئات من الرسائل التي بعث بها مغاربة إلى الحكومة، يطالبون فيها بتعريب الإدارة، والتي نشرتها صحف مغربية حزبية وحكومية، خاصة جريدة العلم، لسان حال حزب الاستقلال المغربي في ماي ويونيو ويوليوز سنة 1973.                                                                     

الفرع الثاني : البحث عن أساس قانوني للتعريب

       جاء في تصدير الدستور المغربي المعدل في سنة 2011 أن المملكة المغربية دولة إسلامية، لغتها الرسمية هي اللغة العربية. وقد اختلف فقهاء القانون في مدى إلزامية الديباجة في الدستور، ومدى ترتيبها لأي أثر قانوني. لذلك فهذا المبدأ العام يحتاج إلى نص تطبيقي يحدد شروط وظروف تطبيقه. وقد صدر في هذا الشأن منشور للوزير الأول في 1978 قصد الحث على استعمال اللغة العربية في الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية، كما صدر منشوران آخران فيما بعد بعد مجيء حكومة التناوب في 1997، وفي عهد الحكومة الوزير الأول عباس الفاسي.  لكن المنشور كيفما كان نوعه، ما هو إلا تنظيم داخلي على شكل توصية غير ملزمة. لذلك كان من الضروري سد هذا الفراغ القانوني بإصدار قانون يحدد بدقة الواجبات المترتبة على المبدإ الدستوري الخاص بسيادة اللغة العربية في جميع القطاعات داخل المغرب، وقد كان على السلطات المختصة أن تحل هذا المشكل قبل الشروع في التعريب. وبالإضافة إلى ضرورة إصدار قوانين ملزمة في ميدان التعريب، يجب على الحكومة أن تنفذ جهود المعاهد اللغوية ومتخصصيها في المغرب، قصد إحداث مصطلحات موحدة ومعاجم في جميع ميادين المعرفة، وأن تطبق إجباريا، وذلك بإصدار قرارت وزارية تفرض استعمال المصطلحاتالمتخصصة المتفق عليها، كما فعلت فرنسا فيما يخص مشاكلها اللغوية مع اللغة الإنجليزية. إن الضغط القانوني من شأنه جعل استعمال اللغة العربية في جميع مناحي الحياة بالمغرب واجبا قانونيا هو في الأصل تطبيقا لمبدإ دستوري مقرر سلفا.

المبحث الثاني : الهيمنة الفرنكفونية و معوقات التعريب في المغرب

          يحضر المد الفرنكفوني كعنصر مهم في أغلب معوقات التعريب في المغرب. هذه المعوقات التي تعسر جهود التعريب يمكن تقسيمها إلى: معوقات ذات طبيعة نفسية واجتماعية، ومعوقات فكرية وثقافية ثم معوقات مرتبطة بعوامل سياسية، خاصة السياسة الخارجية وتأثرها بالسياسة الفرنسية الفرنكوفونية. 

المطلب الأول : المعوقات النفسية و الاجتماعية

الفرع الأول : المعوقات النفسية

       إن أخطر العوائق و العقبات النفسية والاجتماعية التي تقف حائلا دون إتمام عمليات التعريب بنجاح عملي حقيقي هي ظاهرة الاعتياد الشخصي والاجتماعي الطويل المدى لدى الإنسان المغربي، خاصة المتعلم و المثقف، لكل ما هو فرنسي لغة وحضارة وثقافة وفكرا. والواقع أن أحد مظاهر الأزمة التعريبية التي يعيشها المغرب منذ استقلاله، يتمثل في هذا التناقض بين كونه بلدا عربيا أصيلا، و بين هذا الواقع الموضوعي الفرنكفوني الذي خلفه الاستعمار. ذلك أن اللغة الفرنسية ما زالت هي لغة العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والإدارة وجزء هام من الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع، وهي وسيلة التخاطب بالنسبة لقطاعات كبيرة من النخبة المغربية. إذ أنها اكتسبت قوة العادة في المغرب على مدى السنوات الطويلة التي عاشها المستعمر والمستوطن الفرنسيان في أراضي المغرب منذ فترة الحماية في 1912. وما يزيد الطين بلة هو أن العديد من الوطنيين الصادقين، و هم في غمرة حماسهم الكبير لإنجاح معركة التعريب، مازالوا يتكلمون الفرنسية في  حلهم و ترحالهم. و إن فئة عريضة من المغاربة المثقفين، وهم يبحثون جادين عن استعادة ذاتهم الوطنية والحضارية وأصالتهم الفكرية، من خلال تعريب التعليم والإدارة والاقتصاد، فإنهم لا يملون من إجراء المقارنات الدائمة بالنماذج والأنماط الفرنسية في التعليم والإعلام والصحة والعلوم والتكنولوجيا وكل مجالات الحياة والفكر والمجتمع. إن ظاهرة الاعتياد الاجتماعي لدى المغرب اتجاه فرنسا، وظاهرة الإحساس العام لدى فرنسا اتجاه المغرب، تشكلان معا ما يمكن أن يسمى العمق الشخصي النفسي للعلاقات الدولية بين المغرب وفرنسا، الذي يشكل عائقا نفسيا يعترض مسار عملية التعريب الشامل في البلاد.        

الفرع الثاني : المعوقات الاجتماعية

         هناك ظاهرتان اجتماعيتان تعقدان معا إنجازات التعريب في المغرب: الظاهرة الأولى تتمثل في الشرائح الاجتماعية ذات الارتباط المصلحي باستمرارية مظاهر الفرنسة في مجالات الفكر والحياة والتعليم في المجتمع المغربي، والظاهرة الثانية تتجلى في الوجود اللغوي والاجتماعي والحضاري المتميز للأمازيغ بالمغرب. وكل من الظاهرتين تملك قوتها الذاتية وفعاليتها العملية: الأولى قوة التحديث والأخرى قوة الانتماء في التعامل اليومي بلغة غير عربية.        

الفقرة الأولى :  انتشار الشرائح الاجتماعية المفرنسة وتراجع الحركة الوطنية عن التعريب     

         بعد الاستقلال، عرف المغرب بداية ظهور شرائح اجتماعية تحمل فكرا وثقافة فرنسية تجعلها مرتبطة وجدانيا بالمستعمر السابق، و مدافعة عن لغته في وجه تيار التعريب الذي كان بدأ يجتاح المغرب آنذاك. كما عرفت البلاد تراجعا مخيبا للآمال عن مبدأ التعريب الذي رفعته الحركة الوطنية في شعاراتها خلال مكافحة الاستعمار الفرنسي. إذ بعد توليها مقاليد السلطة، ترددت الحركات الوطنية في تعريب الإدارة والاقتصاد والتعليم، مما جعل الفرنسية تحتل مراكز الصدارة في العديد من القطاعات. 

1ـ انتشار الشرائح المفرنسة

         إذا كان الاستعمار الفرنسي قد زال بشكليه السياسي والعسكري من المغرب، فإنه بالمقابل استطاع بمناوراته الإدارية واللغوية أن يحدث تشوهات اجتماعية غائرة في البنيان الاجتماعي والنفسي داخل الوطن، تقوم دوما بعرقلة مسيرة التعريب بعد استتباب الاستقلال السياسي. فالمستعمر الفرنسي قبل رحيله تمكن من السيطرة على عقلية الصفوة الوطنية و قادة الرأي العام في البلاد وتمكن من احتكار ولائها وانتمائها الثقافي لصالحه. ومن الملاحظ أن عددا لا يستهان به من تلك العناصر المتفرنسة ثقافيا قد ساهمت بجهود واضحة في معارك التحرير الوطني، و حاربت بالفعل ضد استمرار القبضة الاستعمارية السياسية لفرنسا، إلا أن تلك المقاومة الوطنية لفرنسا لم تمتد قط إلى الهيمنة اللغوية والثقافية التي مازالت تمارس عمليا على أرض المغرب.  وبعد مرور عقود على الاستقلال مازالت هذه الفئة الاجتماعية تسيطر على مراكز الثروة وعلى مفاتيح عديدة للسلطة السياسية في أجهزة الحكم في المغرب. وأصبحت هذه الفئة المتفرنسة بمثابة الجالية المغلقة التي تبلورت في شكل طبقات اجتماعية مهمتها الدفاع عن مصالح فرنسا وامتيازاتها واستثناءاتها داخل مجالات الحياة في المجتمع المغربي كافة، خاصة بعد أن أصبحت تلك الطبقات تحتل المواقع نفسها التي كان يحتلها المستعمر الفرنسي في الماضي. وهذه القوى        الاجتماعية هي التي تلعب في الغالب دور الوسيط بين المركز الأوروبي وبين حكومة الرباط ، مما يجعلها مستفيدة اقتصاديا من استمرار التفرنس في اللغة والثقافة والتأليف والنشر، تساندها في ذلك المضمار شرائح واسعة من التقنوقراطيين والبيروقراطيين الذين أصبحوا يعتمدون على التفرنس كأداة أساسية للحراك الاجتماعي والترقي الطبقي. ومن ثمة، فمن البديهي أن تعرقل تلك القوى الاجتماعية المذكورة مشروعات التعريب في المغرب بشتى الوسائل، لأنها نشأت وانتعشت ماديا في ظل الثقافة الفرنسية، وارتبطت مصالحها بمصير تلك الثقافة الأجنبية وانتشار لغتها في البلاد.                                                         

      لذلك فإن طرح البديل الطبيعي اللغوي لثقافة قومية داخل المجتمع المغربي يعتبر انتحارا اقتصاديا واجتماعيا بالنسبة لتلك القوى، وهي بحكم مواقعها الاستراتيجية في أجهزة السلطة والاقتصاد والإدارة والثقافة، تجد دائما الذرائع العديدة لإعاقة التعريب بمعناه الواسع في أقطار المغرب. إذا فمعركة التعريب هي موقعة رئيسية ضمن مواقع الحرب ضد التبعية و ضد استمرارية سيطرة الطبقة المفرنسة على مقاليد الحكم والإدارة داخل المجتمع المغربي.  

2ـ تراجع الحركة الوطنية عن مطلب التعريب الشامل

        لقد قاد المجتمع المغربي معركته التحررية في جولتها الأخيرة والحاسمة بقوى اجتماعية جديدة وصاعدة ركزت بشدة على اللغة العربية تراثا ولغة وثقافة في صدر أهدافها ومطالب حركتها الوطنية. إلا أن تلك القوى بعد نيل الاستقلال وتوليها الكثير من مراكز السلطة الرسمية في البلاد، لم تجعل من معركة التعريب في الثقافة وأسلوب الحكم وإدارة الحياة العامة والخاصة شاغلها الأول والأساس. بل إن التردد والحذر والتخوف مازالت كلها علامات واضحة في شتى سياسات التعريب داخل المغرب.

الفقرة الثانية : الوجود الأمازيغي و مسألة التعريب

       يرى بعض المفكرين أن الوجود الأمازيغي في المغرب يعرقل مسار حركة التعريب. لكن ما يجب الإشارة إليه هو أن مجموعة من القبائل الأمازيغية المغربية كزناتة وصنهاجة ومصمودة تعربت. وأصبح من العسير التمييز بين الأمازيغ والعرب بعد أربعة عشر قرنا من التاريخ المشترك. وعلى الرغم من أن اللهجة الأمازيغية منتشرة في مناطق مختلفة في المغرب، إلا أن اللغة العربية متأصلة في الحياة الثقافية للبلاد منذ الفتح الإسلامي، فأصبح عمليا من الصعب التفرقة بين الإنسان العربي والإنسان الأمازيغي الذي تعلم اللغة العربية واستعملها كلغة تعليم وثقافة وتجارة وإدارة وعقود وتدوين. كما نبغ علماء من الأمازيغ في بحور العلوم العربية من أدب و نحو وبلاغة، و ألفوا الكتب باللغة نفسها. و لا أدل على هذا الامتزاج الحضاري بين العرب والأمازيغ من أن سيدة من أسرة مغربية أمازيغية كبيرة هي فاطمة الفهرية هي التي أنشأت جامعة القرويين بفاس. هذا، مع العلم أن اللهجات الأمازيغية قد احتفظت بثراتها الفني في الشعر والغناء والموسيقى، وبمكانتها كلهجة خطاب لملايين السكان في جميع أنحاء المغرب. لقد كان للإسلام الأثر الأكبر في وحدة الفكر والممارسة الإدارية والحيوية بين العرب والأمازيغ بلغة واحدة هي اللغة العربية، التي اكتسبت شبه قداسة دينية لكونها لغة القرآن.             

المطلب الثاني: المعوقات الفكرية والثقافية والسياسية

        إن مما يعوق حركة التعريب في المغرب سيادة فئة فرنكفونية تؤمن بالولاء المطلق لكل ماهو فرنسي، وتعتبره تقدميا حداثيا، في حين تنظر إلى اللغة العربية باعتبارها لغة رجعية متخلفة كحال أصحابها. إضافة إلى هذا المعوق الفكري الثقافي، يساهم التغلغل السياسي الفرنسي في دعم المد الفرنكفوني على حساب جهود حركة التعريب.                                                                

الفرع الأول : المعوقات الفكرية والثقافية

       تتركز المعوقات الفكرية والثقافية لمسارات التعريب داخل المغرب في التيار المستمر والقائم حتى الآن، والذي يضم عددا من المفكرين والأدباء والمثقفين المغاربة الذين يرفضون كموقف مبدئي عمليات التعريب، على أساس تقادم اللغة العربية وتحجرها وعدم مواكبتها لتطورات العصر الحالية. و يدعم هذا التيار الفكري المضاد للتعريب، الاتجاهات السلبية لعدد لا يستهان به من قادة الرأي في المغرب اتجاه قضايا التعريب. ولقد سبق أن تحدثنا في في المبحث الأول عن ثلاث فرق فكرية تقود الصراع الخفي والجلي في المغرب بين التعريب والفرنكفونية،  وهم : مناصرو سيادة اللغة الفرنسية ومناصرو الازدواج اللغوي ومناصرو التعريب الشامل.                                                                

الفرع الثاني: المعوقات السياسية الخارجية

        تعتبر الدوائر العلمية والثقافية والسياسية في فرنسا صاحبة المصلحة العليا في إجهاض جهود التعريب و إفشالها في المغرب. وتتكاثف في سبيل تحقيق هذه الغاية الاستعمارية المستحدثة جهود مراكز الأبحاث الجامعية الفرنسية التي تصدر المؤلفات عن اللغة والثقافة والحضارة الأمازيغية، على اعتبار أنها الحقائق اللغوية الأصيلة والوحيدة في بلاد المغرب. وتستهدف هذه المؤلفات إثبات مصداقية دعوى الانفصال العرقي واللغوي والفني والتاريخي والحضاري للأمازيغ عن العرب.  حيث سبق للمستعمر  الفرنسي اللجوء إلى  سياسة التفرقة العنصرية بين العرب واللأمازيغ على أساس عرقي، من خلال قانون الظهير البربري الصادر في 16 ماي 1930، مستهدفا الفصل بين المناطق التي يسكنها العرب والمناطق التي يسكنها الأمازيغ، بتقسيمات إدارية على أساس اللغة والحكم والقضاء، بما فيها الأحوال الشخصية.  بمعنى آخر أراد المستعمر الفرنسي تقسيم المغرب إلى شق عربي يخضع للتشريع الإسلامي، و شق بربري يخضع للأعراف والعادات والتقاليد القديمة لمجموعة البربر في شمال إفريقيا، و تمتنع فيه اللغة العربية و تسود اللهجات الأمازيغية. حيث كان المقصود من هذا القانون العنصري فرنسة وتنصير قسم هام من الشعب المغربي، وهم الأمازيغ. إلا أنه تم إجهاض الظهير البربري في مهده، عن طريق قيام الحركة الوطنية المنظمة، التي خاضت المعارك العسكرية والثقافية ضد المستعمر، بعد أن كانت المقاومة، قبل صدور الظهير البربري، مقتصرة على ما يشبه حروب العصابات المتقطعة، في أنحاء البلد، بحيث لا يربطها عقد ناظم، ولا تخضع لتصور مشترك، ولا تحمــل مشروعاً ثقافياً واجتماعياً يحـول دون المســخ الثقافي للبلد.  ومن مظاهر الاستمرارية التعليمية والثقافية الفرنسية في المغرب المؤسسات التعليمية التي تمتلكها الحكومة الفرنسية و يديرها فرنسيون، و على رأسها المكتب الجامعي و الثقافي الفرنسي بالرباط، بالإضافة إلى المراكز الثقافية الفرنسية المنتشرة في جل المدن المغربية الكبرى.   

       في الأخيرنشير إلى أنه  بعد  أكثر من نصف قرن على استقلال المغرب، مازلنا نعيش صعوبات تعرقل سير عملية التعريب الشامل. لذلك نعتقد أن ربح رهان هذا التحدي الذي رفعه المغرب منذ جلاء المستعمر يحتاج إلى إرادة سياسية ممن يملكون زمام أمور هذا الوطن العربي. ذلك أن التعريب كالمد والجزر، يرتفع تارة ويتقلص تارة أخرى حسب اقتناع المسؤولين وعنايتهم أو إهمالهم. كما أن الهم اللغوي لا يقتصر على تيار إيديولوجي معين أو حزب معين، بل هو جزء من الهم المشترك بين الأحزاب الأصيلة وذات المرجعية الوطنية. وبعبارة أخرى، إن الإحساس بالغبن الذي يطال العربية في المجتمع المغربي وضرورة رفعه والدفاع عنها في وجه التغريب الممنهج الذي تمارسه الفرنكفونية بالمغرب، ليس خاصا بفريق دون آخر، بل هو إحساس جماعي يشارك فيه اليسار واليمين والإسلاميون والمحافظون والحداثيون، حيث أن كل من يحس بانتمائه لهذا الوطن ولهويته ويدافع عن مستقبل وجوده سيجد في دفاعه عن العربية أصلا ثابتا في برنامجه الحياتي اليومي . إلا أن أهم السبل حاليا لإعادة الاعتبار للعربية، في نظرنا، هو التوعية الشعبية، والتوجه إلى الناس بمختلف المدن المغربية ليتخلصوا من وهم أفضلية اللغة الفرنسية، وذلك دون التعويل كثيرا على الحكومة أو البرلمان أو القضاء في هذا الشأن، لأن ذلك قد ستغرق وقتا طويلا على ما يبدو.         إننا عندما نرى كيف تتسابق الدول الأوربية والغربية على إطلاق قنوات فضائية باللغة العربية، آخرها إسرائيل، للوصول إلى العالم العربي، ثم نرى كيف يطالب الفرنكفونيون عندنا بالقطع مع اللغة العربية في الإعلام والتواصل والاقتصار على الدارجة والفرنسية التي تعاني من الانحسار والتراجع، نصاب فعلا بالصدمة. لكننا عندما نفهم أن كل هؤلاء الحاملين لألوية الحرب ضد اللغة العربية والقرآن والإسلام، ليسوا في الواقع سوى بيادق تحركهم أيدٍ خارجية فوق رقعة شطرنج كبيرة، تريد للمغرب أن يكون مصيره هو التقسيم اللغوي والتشرذم العرقي والتيه الثقافي، نصاب بالخوف على مصير هذا البلد العربي المسلم الآمن، الذي آمن بلغته العربية و دافع عنها. إن مشكلة المغاربة ليست مع العربية أو الأمازيغية، وإنما مع لغة أجنبية وثقافة فرانكوفونية فُرضت على بلادنا في عهد الاستضعاف بالقوة والإكراه، و لم تقدنا إلى خير واضح، بل إنها لم تستطع حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وغيرها التي تعيق تنمية المغرب، شأنها شأن الاشتراكية، التي اقتنع العديد من المغاربة بأن أفكارها لم تأت هي الأخرى بأي حلول لقضايا المجتمع المغربي، ومن ثمة فإن كل ذي تفكير وطني عليه أن يبحث عن الحل من داخل حضارتنا العربية والإسلامية، يكون أساسه التعريب الشامل للتعليم والإدارة والاقتصاد وباقي القطاعات الحيوية. ولسنا هنا بصدد الاعتراض على تعلم اللغة الفرنسية، التي يدمن الكثير من المغاربة على ثقافتها وآدابها، وإنما نعترض على سيطرتها غير المشروعة على حاضرنا ومستقبلنا، خاصة في زمن تراجعت فيه قيمتها في العالم بعد أن تغيرت خريطة القوى وانحدرتْ مرتبتها، فأصبحت لغة قليلة الشأن في الاقتصاد والثقافة والعلاقات الدولية.        

       إننا نؤكد أن جل الحروب التي خاضتها الأمة العربية كانت تستهدف ثقافتها وإرثتها الحضاري، وعلى رأسه لغتها العربية، هذه الحروب التي لا تزال مستمرة، والتي عصفت بالعراق ودمرت إرثه الحضاري، وزورت وسرقت تراثه الإنساني، وتخطط الآن لفعل الشيء نفسه مع مجموعة من الدول العربية. حتى إذا ما فشلوا في تحقيق هذا الهدف، اتجهوا إلى محاولة إضعاف اللغة العربية، وحصرها داخل المسجد دون الحياة العامة. لكننا في المقابل نؤكد على تشبتنا بها، داعين  الدولة والبرلمان وجمعيات المجتمع المدني وجميع شرائح المجتمع إلى العمل على نصرتها وتقويتها ضد المد الفرنكفوني في المغرب، لأنها رمز من رموز السيادة الوطنية، وأحد أبرز مقومات هويتنا، شأنها شأن باقي الثوابث الأخرى  كالديانة الإسلامية و الوحدة الترابية.

تنازع السلطة بين حركة التعريب والتيار الفرنكفوني في المغرب
تنازع السلطة بين حركة التعريب والتيار الفرنكفوني في المغرب

تنازع السلطة بين حركة التعريب والتيار الفرنكفوني في المغرب
تنازع السلطة بين حركة التعريب والتيار الفرنكفوني في المغرب

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz