تعليمنا العبوس: لغة الانشراح قبل لغة التدريس

148096 مشاهدة

رمضان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة: وجدة في 14 نونبر 2013، 

الفرح ،البرنامج الآخر الغائب:

لم أعد أذكر له اسما عدا أنه “الحديقة”،هكذا اختار تلاميذ ثانوية القرويين، في ستينيات القرن الماضي،تسميته.  انه عالم القرويين وأستاذ البلاغة الذي كان الطلبة  يقبلون على حصصه ،بسعادة وبشغف، وكأنهم يصدد رحلة مدرسية ربيعية. وهي كذلك لأنه – ولا أدري هل أدعو له بالرحمة أم بطول العمر،وفي كل خير- كان بعبر بنا حدائقه البلاغية الرائعة ،ويعرف كيف يبدد عتمة الزوايا الموحشة ،في الدرس ،حتى لا تفسد علينا  متعتنا . يسعدنا بشروحه الضاحكة والمضحكة ،ونحن لا نجزم في وصف زمننا،أهو درس أم لهو. هو أقرب للهو لأن دارجة الأستاذ ،الفاسية العذبة كانت هي الحامل اللغوي غالبا ،إلى أن يحضر الشاهد الشعري والنثري ،وبناء الخلاصة الفصيحة. 

 ما رأيناه غاضبا قط،ولا واجما.حتى امتحاناته تقبل خفيفة الظل، مُتوجة دورة من التحصيل البلاغي  السعيد؛ولعله لم يكن بحاجة،أصلا،إلى امتحان طلبته لأنه يعرفهم ،وما في حوا صلهم،كما يعرف أبناءه.

وكان منطقيا جدا أن تتقارب نقطنا ،لأننا اقتسمنا ،بالتساوي، نفس السعادة و من خلالها نفس المعرفة.

إن كان قرائي- البوم- يلمسون في أسلوبي بعض القبس من هذه الحدائق،  فلأن الرجل حبب لي /لنا البلاغة العربية وجعلني اقتنع،مع توالي السنين، أنها ليست أثقالا من عصور الانحطاط،كما يتوهم قتلة البيان والتبيين ، أو ترفا لسانيا  للتحذلق،بل امتدادات لغوية أخرى ،ضمن اللغة العربية،لا حدود لإمكانياتها التعبيرية ،المتجددة باستمرار تجدد قاموس مطرد الثراء. قد تضيق الأرض ،على ما رحبت،ولا تضيق العربية الفصحى. من خلال تجربتي في مجال الترجمة عن الفرنسية ،في مجالات معرفية شتى ،كان يتوفر لي دائما فائض من الإمكانات التعبيرية ،يمكن أن يعوض،وبأمان،ما استقر عليه الاختيار.  بُحَيرة “موليير” لاستيعاب مياه المحيط الأطلسي،هكذا تبدو المقارنة .

هذا دون احتساب الثروة المعجمية التي لم ننتجها طيلة قرون من التخلف الحضاري ،لاتزال تترى. دَيْن عظيم للغة في ذمتنا.

أما العالم عبد القادر الشركي فلم يكن يُنعت بغير “الصُّحْبَة” لكثرة تردد الكلمة على لسانه في تواصله مع طلبته. لا أعتقد ،اليوم،أن يكون منهم من نسي دروسه التاريخية عن الثورة الفرنسية ،وخصوصا لوحاته المرسومة بالكلام الدارج ,والتي تكاد تسمعك صخب المعارك حول سجن الباستيل،من صراخ ودوي المدافع وصهيل الخيول ،قبل أن ينتقل بنا – مسرنمين تقريبا- إلى  مراقي البلاط حيث “سيدي لويس السادس عشر ،وللا مرية”،وهما فوق أرض ترتج وتحت صرح ملكي يتهاوى،ومقصلة تشحذ.

لم يكن العالِم لا بالضاحك ولا بالعبوس ،لكن كل تلافيف دروسه مُشْرعة على المتعة المفيدة.

كان يرسم بالكلمات الدارجة دائما ،وينتج لوحات تاريخية رائعة، لازلت أتذكر  أدق تفاصيلها إلى اليوم.

أما الشاب الأميريكي ،أستاذ الانجليزية،القادم  إلى فاس في إطار كتائب السلام ،فكان ينقل الحياة المغربية،كما هي في الواقع،إلى داخل الفصل ليُشْرِبَناَ حُبَّ لغته.لن تغيب عن مخيلتي أبدا صورته وهو يقع أرضا أمام مقعدي،في أول الصف ،ويمد إلي يمناه وهو يصرخ متألما:

Help me

كل هذه السقطة المتعمدة ليرسخ فعلا من الأفعال في ذهن  طلبته.وكثيرا ما كان يمازحنا

وهو يقول  ساخرا: مادام المعدل فقط يكفي للنجاح فلماذا تتعبون أنفسكم كثيرا. نضحك ونحن ندري أنه يحرضنا على العمل أكثر.

حينما أفكر اليوم في هؤلاء الأساتذة المتميزين ،بعد انصرام نصف قرن تقريبا ،مستحضرا – بالنسبة للعلماء- ألا تكوين ديداكتيكيا استفادوا منه ، ترتسم أمامي  الصورة الواضحة للبرنامج الذي اشتغلوا عليه ،وتمرسوا به،فبل المادة المعرفية :انه برنامج الانشراح التربوي الذي يهيئ الذهن ويحقنه بحقنة الشغف لإدمان المشاركة في سعادة الجماعة وهي تدرس ،وفي دراستها وهي تسعد.هما سيان.

بعوزنا هذا البرنامج اليوم ،ولا أتصور أن ورش إصلاح التعليم يمكن أن ينجح بدونه.لقد جربنا أن نُكوِّن الأساتذة وفق أحدث البيداغوجيات ،وأساليب التواصل ،ورفعنا شعار مدرسة النجاح واستثمرنا فيها كثيرا –جهدا ومالا وزمنا –  لنصبح على مدرسة الفشل ،و سليلتها مدرسة العنف،وصولا الى أكاديمية البطالة في شارع محمد الخامس بالرباط.

  إن النجاح  من جيران الفرح،ومن مسالكه وثَنِيَّاتِه الانشراح:  للمعمار التربوي ،للأستاذ ،للمعرفة المدرسية وللمستقبل.

هل نضحك بالفصحى أم بالدارجة أم بالفرنسية؟

لا علينا المهم أن نضحك ،ونظرا لأهمية الضحك في حياة الإنسان،وليس التلميذ فقط،جُعِل لغة عالمية بأبجدية واحدة وبمدلول لا يحتمل خلافا: التعبير عن الانشراح. وحينما يستهل اليابانيون يومهم برياضة الضحك،وهم من أكثر الأمم عملا، ندرك مدى التلازم بين الانبساط والإنتاج. 

لنتساءل ،ونحن بصدد هذا البرنامج العمدة الغائب عن برامجنا  التعليمية،هل تيسره  ،أو تستدعيه الدارجة أم الفصحى؟ هل يمكن أن يتحقق بلغة التدريس فقط ،حتى دون توفر شروطه الأخرى:

المعمار التربوي الجميل، مؤهلات الأستاذ التواصلية،جاذبية المادة المعرفية وجدواها،المواد الفنية،المحيط الإداري ،الأسري، والاجتماعي عموما؟

إن أقرب لغة تحقق ثقة التلميذ بنفسه ،وهو يتواصل مع جماعة القسم –بما فيها الأستاذ- و مع المادة المعرفية،هي لغة البيت والشارع ،اللغة التي ترفع عنه حرج توقع الخطأ .إن لغةَ الأسرة أسرة أخرى،مُماثِلة طمأنِينة وأُنْسا؛ولغةَ الشارع شارع آخر يتحقق فيه التلاحم والدفء الاجتماعي،بكل عفوية.

(سئل خطيب مشهور: لم ابيض رأسك؟أجاب:من كثرة صعود المنابر وتوقع اللحن)

من شأن هذه اللغة الدارجة على جميع الألسن،إِن تَوفَّر “أستاذُ الفرح” ،أن تحقق الانشراح  التربوي المطلوب- وهو شرط  للنجاح- إذا اعْتُمدت حاملا مُعِينا ،وليس وحيدا،للمعرفة المدرسية.

 يقع هذا ،اليوم كما الأمس ،من طرف أغلب المدرسين،في الابتدائي والثانوي ،وحتى العالي ؛ولا تتم دروس الدعم الأسري للتلميذ إلا به؛فلماذا يثار الآن كل هذا النقاش ،وكأن بركانا ما سيثور ليأتي على الأخضر واليابس،في تعليم يَنْحو أصلا نَحو اليَبَس والعبوس؟

بدل سؤال الحامل اللغوي، أدارجة هو أم فصحى، يجب أن نتساءل ،ونحن في فجر الإصلاح،عن المحمول الذي يبذر الانشراح العام في نظامنا التربوي ،وصولا إلى وضع تنموي يعفينا من منظر الخريجين ،أمام البرلمان،وهم يستكملون تكوينهم العملي كرا وفرا،في الشارع الطويل  .

مؤسسات عمومية طاردة،أساتذة مكشرون ،معرفة  عقيمة ومتجهمة ،جامعة منذرة بإعصار البطالة، و أخيرا بطالة مُعنَّفة ومزمنة ،تلون المجتمع  بكآبة مقيتة لا يرغب فيها أحد .

علينا جميعا أن نقتحم هذه القلاع ،دون تهيب ولا تردد ؛حتى نحدث التغيير المطلوب .لا يتحقق هذا إلا بالصراحة التامة ،هذه المرة،والمكاشفة ،دون مصادرة للنقاش الحقيقي ،بتوجيه الأنظار صوب قضايا مفتعلة  يضيع فيها وقت وجهد ثمينان.

اللغة وطن آخر،والتعدد اللغوي أوطان:

كما لا تستقيم المواطنة العالمية التي تراهن عليها العولمة إلا بإتقان لغات الحضارة الإنسانية الراهنة ،لا تستقيم المواطنة المغربية إلا بلغاتها التي أنتجتها.نعم المواطنة من إنتاج اللغة/اللغات ؛فحينما تتبلبل الألسن تتفرق الشعوب وتضيع الأوطان. وحينما يتواصل الناس ويتفاهمون يشغلون حيزا جغرافيا واحدا ويشرعون في بناء التاريخ المشترك.

يجمعنا الوطن الواحد ،وتمتعنا اللغات،وتثرينا، بأوطان تحتضن تنوعنا الثقافي.

تتنوع ملابسنا لكن زينا التقليدي واحد أنى رأيته ترى فيه مغربيا ،ولو فوق سطح القمر.

العربية الفصحى،أو العالمة، لحمة الوطن وقوام الدولة  اللساني والثقافي ،وجسرها صوب الأمة العربية وسائر الأمم والمؤسسات التي أحلت لسان العرب ضمن معاجمها المعتمدة،وبرمجت حتى تعلمه لتتواصل مع أهله.

الأمازيغية لحمة لغوية وثقافية أخرى للدولة ،بل  تجل آخر للوطن الموغل في التاريخ؛ومهما ضيق عليها بعض المتعصبين لها وعليها، المهووسين بأحادية الوطن والهوية ،الباحثين عن الأعداء قبل الأصدقاء ،فان مسارها ،كما يبدو ،آخذ – تدريجيا- في الصفاء والوضوح .أما استواؤها لغة علم تشتغل للتنمية وليس لذاتها ،فيحتاج الى استثمارات ضخمة ،لم تتوفر بعد حتى للغة العربية.

وبينهما الدارجة المغربية ،وهي وحدها التي تصدق عليها هذه الصفة ،لأنها خالصة لنا فقط.نفهمها عن بعضنا البعض ،وان تباينت بيننا ،ولا يفهمها عنا غيرنا الا مكابدا . انها خريطتنا الثانية التي نسكنها وتسكننا .نضحك بها ونبكي ،ونعبد بها حتى والأذن منصرفة لفصاحة الخطباء.

لا تدعيها الفصحى خالصة لها الا ظالمة مستبدة ،ولا تدعي الأمازيغية رحمها خالصا لها الا معتدية متجبرة. بينهما برزخ لا يبغيان ؛فهي البرزخ ومنهما معا ،وكل بمقدار.

لا أعتقد أن حب المغاربة لدارجتهم يصل إلى حد إحلالها ،وحدها ,لغة للتدريس ؛ولم يقل بهذا أحد .(يراجع توضيح نور الدين عيوش).

ولا أعتقد أن الدولة المغربية،والملكية،وإمارة المؤمنين،  تقبل مجرد مناقشة المسألة.

ان المخزن –وهذا مصطلح دارج خاص بنا- يشتغل حتى لغويا ،واسألوا نشطاء الأمازيغ كم كابدوا .

فان كان عيوش يدرك هذا ويطالب بالتدريج فتلك مصيبة ،وان لم يكن يدري فالمصيبة أعظم ،لأنه يركب مركبا وعرا حينما يفتي هكذا وكأنه بصدد سكيتش اشهاري.الأمور أعقد يا سيدي ولا يفيد فيها لا التهور ولا الاستقواء.

وكما ذكرت،وقد سمحت لنفسي بأن أحكي لكم عن تلمذتي، لم يكن بعض علماء القرويين المبدعين بيداغوجيا ينتظرون من يشرعن لهم التدريج، لأن ناصية الأمر في نهاية المطاف بيد الأستاذ و”سلطته” التقديرية ،حينما يكون منشرحا في أدائه ،صوفيا في حبه لتلاميذه.

Ramdane3@gmail.com

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz