تعدد الزوجات بين هرطقة مجلة تيل كيل وتفسير الظلال لسيد قطب رحمه الله

52088 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: دأب موقع هسبريس على نشر أنواع من زبالة الفكر العلماني الذي يصدر في الغالب عن حقد وكراهية للإسلام . ومما نشر هذا الموقع بتاريخ 27/04/2013 مقالا نقله عن مجلة “تيل كيل” المعروفة بتهافت وتفاهة موضوعاتها تحت عنوان : ” تعدد الزوجات تطبيق لتعاليم الدين أم عطش حارق إلى الجنس ” ، وأرفق هذا المقال بصورة كاريكاتورية عبارة عن صاحب لحية شعثاء يتوسط أربع نساء منقبات في سرير واحد والمصحف على جانب السرير. وتحت الصورة عبارة ” كاريكاتور لخالد كدار ، وهو اسم على مسمى ذلك أن العرب تسمي الحمار الغليظ كدر ـ بضم الكاف والدال والراء مع تضعيفها . وفي العامية المغربية أيضا يطلق اسم كدار ـ بكسر الدال ـ على النوع الخشن من الحمر الأهلية ، ولن يفكر في رسم مثل هذه الصور الكاريكاتورية إلا من كان من فصيلة الحمير لما فيها من استهداف للإسلام والمسلمين عن طريق الاستخفاف والاستهزاء بهم سخر الله من صاحب الصورة الكدار. أما مضمون المقال فغاية في التهافت وعبارة عن هرطقة ، والهرطقة كلمة يونانية تدل على سفسف الكلام. ومعلوم أن مجلة تيل كيل لها توجه إباحي، فهي معروفة بنشر القضايا الجنسية بغرض التطبيع مع الانحلال الخلقي ، لهذا انطلق مقالها من هذه الخلفية ،فجعل التعدد الذي هو شكل من أشكال الزواج الإسلامي مجرد عطش جنسي حارق على حد تعبير صاحب المقال . وانطلق المقال من حالات خاصة وقاس عليها تشريعا إلهيا شرعه الله عز وجل لكل عصر ومصر إلى قيام الساعة . ويبدو وكأن الحالات التي انطلق منها المقال هي بمثابة سلم ريختر الذي يستعمل للقياس ، وبه تحصل المصداقية . وعندما نعود إلى تفسير ظلال القرآن للعلامة سيد قطب رحمه الله والخاص بموضوع التعدد نقرأ ما يلي : ” وهذه الرخصة في التعدد ، مع التحفظ عند خوف العجز عن العدل ، والاكتفاء بواحدة في هذه الحالة … يحسن بيان الحكمة والصلاح فيها في زمان جعل الناس يتعالمون فيه على ربهم الذي خلقهم ، ويدعون لأنفسهم بصرا بحياة الإنسان وفطرته ومصلحته فوق بصر خالقهم سبحانه ، ويقولون في هذا الأمر وذاك بالهوى والشهوة ، وبالجهالة والعمى ، كأن ملابسات وضرورات جدت اليوم ، يدركونها هم ويقدرونها ولم تكن في حساب الله سبحانه ولا في تقديره يوم شرع للناس هذه الشرائع . وهي دعوة فيها الجهالة والعمى بقدر ما فيها من التبجح وسوء الأدب بقدر ما فيها من الكفر والضلالة ، ولكنها تقال ، ولا تجد من يرد الجهال العمي المتبجحين المتوقحين الكفار الضلال عنها وهم يتبجحون على الله وشريعته ، ويتطاولون على الله جل جلاله ، ويتوقحون على الله ومنهجه آمنين سالمين غانمين ، مأجورين من الجهات التي يهمها أن تكيد لهذا الدين ” وهذا الكلام يكفي للرد على أصحاب مجلة تيل كيل وعلى الكدار الذي أرفق المقال بالصورة الكاريكتورية ، ومع ذلك نواصل نقل كلام العلامة رحمه الله لتنوير الرأي العام بخصوص موضوع التعدد الذي غالبا ما يطرح طرح التندر والسخرية والعبث ، وهو جزء من شرع الله عز وجل على غرار باقي ما في هذا الشرع مما يجب تناوله بما يليق به من أدب وجد باعتبار المشرع جل في علاه . ويواصل سيد قطب قوله : ” إن الإسلام نظام للإنسان ، نظام واقعي إيجابي ، يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه ، ويتوافق مع واقعه وضروراته ، ويتوافق مع ملابسات حياته المتغيرة في شتى البقاع وشتى الأزمان وشتى الأحوال . إنه نظام واقعي إيجابي ، يلتقط الإنسان من واقعه الذي هو فيه ، ومن موقفه الذي هو عليه ليرتفع به في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة في غير إنكار لفطرته أو تنكر ، وفي غير إغفال أو إهمال ، وفي غير عنف في دفعه أو اعتساف . إنه نظام لا يقوم على الحذلقة الجوفاء ، ولا على التطرف المائع ، ولا على المثالية الفارغة ، ولا على الأمنيات الحالمة التي تصطدم بفطرة الإنسان وواقعه وملابسات حياته ، ثم تتبخر في الهواء . هو نظام يرعى خلق الإنسان ، ونظافة المجتمع ، فلا يسمح بإنشاء واقع مادي من شأنه انحلال الخلق وتلويث المجتمع تحت مطارق الضرورة التي تصطدم بذلك الواقع ، بل يتوخى دائما أن ينشىء واقعا يساعد على صيانة الخلق ، ونظافة المجتمع مع أيسر جهد يبذله الفرد ويبذله المجتمع . فإذا استصحبنا معنا هذه الخصائص الأساسية في النظام الإسلامي ، ونحن ننظر إلى مسألة تعدد الزوجات فماذا نرى ؟ نرى أولا أن هناك حالات واقعية في مجتمعات كثيرة ـ تاريخية وحاضرة ـ تبدو فيها زيادة عدد النساء الصالحات للزواج على عدد الرجال الصالحين للزواج . والحد الأعلى لهذا الاختلال الذي يعتري بعض المجتمعات لم يعرف تاريخيا أنه تجاوز نسبة أربع إلى واحد ، وهو يدور دائما في حدودها. فكيف نعالج هذا الواقع الذي يقع ويتكرر وقوعه بنسب مختلفة ، هذا الواقع الذي لا يجدي فيه الإنكار؟ نعالجه بهز الكتفين ؟ أو نتركه يعالج نفسه بنفسه حسب الظروف والمصادفات ؟ إن هز الكتفين لا يحل مشكلة ، كما أن ترك المجتمع يعالج هذا الواقع حسبما اتفق لا يقول به إنسان جاد يحترم نفسه ، ويحترم الجنس البشري ، ولا بد إذن من نظام ، ولا بد إذن من إجراء ، وعندئذ نجد أنفسنا أمام احتمال من ثلاثة احتمالات :

1 ـ أن يتزوج كل رجل صالح للزواج امرأة من الصالحات للزواج ، ثم تبقى واحدة أو أكثر ـ حسب درجة الاختلال الواقعة ـ بدون زواج تقضي حياتهاـ أو حياتهن ـ لا تعرف الرجال .

2 ـ أن يتزوج كل رجل صالح للزواج واحدة فقط زواجا شرعيا نظيفا ، ثم يخادن أو يسافح واحدة أو أكثر من هؤلاء اللواتي ليس لهن مقابل في المجتمع من الرجال ، فيعرفن الرجل خدينا أو خليلا في الحرام والظلام .

3 ـ أن يتزوج الرجال الصالحون ـ كلهم أو بعضهم ـ أكثر من واحدة ، وأن تعرف المرأة الأخرى الرجل زوجة شريفة ، في وضح النور لا خدينة ولا خليلة في الحرام والظلام .

الاحتمال الأول ضد الفطرة ، وضد الطاقة بالقياس إلى المرأة التي لا تعرف في حياتها الرجال ، ولا يدفع هذه الحقيقة ما يتشدق به المتشدقون من استغناء المرأة عن الرجل بالعمل والكسب ، فالمسألة أعمق بكثير مما يظنه هؤلاء السطحيون المتحذلقون المتظرفون الجهال عن فطرة الإنسان . وألف عمل وألف كسب لا تغني المرأة عن حاجتها الفطرية إلى الحياة الطبيعية ، سواء في ذلك مطالب الجسد والغريزة ومطالب الروح والعقل من السكن والأنس بالعشير . والرجل يجد العمل ويجد الكسب ، ولكن هذا لا يكفيه ، فيروح يسعى للحصول على العشيرة ، والمرأة كالرجل ـ في هذا ـ فهما من نفس واحدة .

والاحتمال الثاني ضد اتجاه الإسلام النظيف ، وضد قاعدة المجتمع الإسلامي العفيف ، وضد كرامة المرأة الإنسانية . والذين لا يحفلون أن تشيع الفاحشة في المجتمع هم أنفسهم الذين يتعالمون على الله ، ويتطاولون على شريعته لأنهم لا يجدون من يردعهم عن هذا التطاول ، بل يجدون من الكائدين لهذا الدين كل تشجيع وتقدير .

والاحتمال الثالث هو الذي يختاره الإسلام ، يختاره رخصة مقيدة لمواجهة الواقع الذي لا ينفع فيه هز الكتفين ، ولا تنفع فيه الحذلقة والادعاء . يختاره متمشيا مع واقعيته الإيجابية في مواجهة الإنسان كما هو ـ بفطرته وظروف حياته ـ ومع رعايته للخلق النظيف والمجتمع المتطهر ، ومع منهجه في التقاط الإنسان من السفح ، والرقي به في الدرج الصاعد إلى القمة السامقة ، لكن في يسر ولين وواقعية.

ثم نرى ثانيا في المجتمعات الإنسانية قديما وحديثا ، وبالأمس واليوم والغد ،إلى آخر الزمان واقعا في حياة الناس ، لا سبيل إلى إنكاره كذلك أو تجاهله. نرى أن فترة الاخصاب في الرجل تمتد إلى سن السبعين أو ما فوقها ، بينما هي تقف في المرأة عند سن الخمسين أو حواليها . فهناك في المتوسط عشرون سنة من سني الإخصاب في حياة الرجل لا مقابل لها في حياة المرأة .وما من شك أن من أهداف اختلاف الجنسين ثم التقائهما امتداد الحياة بالإخصاب والإنسال ، وعمران الأرض بالتكاثر والانتشار. فليس مما يتفق مع هذه السنة الفطرية العامة أن نكف الحياة عن الانتفاع بفترة الإخصاب الزائدة في الرجال . ولكن مما يتفق مع هذا الواقع الفطري أن يسن التشريع ـ الموضوع لكافة البيئات في جميع الأزمان والأحوال ـ هذه الرخصة لا على سبيل الإلزام الفردي ، ولكن على سبيل إيجاد المجال العام الذي يلبي هذا الواقع الفطري ، ويسمح للحياة أن تنتفع به عند الاقتضاء. وهو توافق بين واقع الفطرة وبين اتجاه التشريع ملحوظ دائما في التشريع الإلهي ، لا يتوافر عادة في التشريعات البشرية ، لأن الملاحظة البشرية القاصرة لا تنتبه له ، ولا تدرك جميع الملابسات القريبة والبعيدة ، ولا تنظر من جميع الزوايا ، ولا تراعي جميع الاحتمالات .

ومن الحالات الواقعية ـ المرتبطة بالحقيقة السالفة ـ ما نراه أحيانا من رغبة الزوج في أداء الوظيفة الفطرية مع رغبة الزوجة عنها ـ لعائق السن أو من المرض ـ مع رغبة الزوجين معا كليهما في استدامة العشرة الزوجية وكراهية الانفصال ، فكيف نواجه مثل هذه الحالات ؟ نواجهها بهز الكتفين ، وترك كل من الزوجين يخبط رأسه في الجدار ؟ أو نواجههما بالحذلقة الفارغة والتظرف السخيف ؟ إن هز الكتفين ـ كما قلنا ـ لا يحل مشكلة ، والحذلقة والتظرف لا يتفقان مع جدية الحياة الإنسانية ومشكلاتها الحقيقية .

وعندئذ نجد أنفسنا ـ مرة أخرى ـ أمام احتمال من ثلاثة احتمالات :

1 ـ أن نكبت الرجل ونصده عن مزاولة نشاطه الفطري بقوة التشريع وقوة السلطان ، ونقول له : عيب يا رجل إن هذا لا يليق ، ولا يتفق مع حق المرأة التي عندك ولا مع كرامتها .

2 ـ أن نطلق هذا الرجل يخادن ويسافح من يشاء من النساء .

3 ـ أن نبيح لهذا الرجل التعدد ـ وفق ضرورات الحال ـ ونتوقى طلاق الزوجة الأولى .

الاحتمال الأول ضد الفطرة ، وفوق الطاقة ، وضد احتمال الرجل العصبي والنفسي. وثمرته القريبة ـ إذا نحن أكرهناه بحكم التشريع وقوة السلطان ـ هي كراهية الحياة الزوجية التي تكلفه هذا العنت ، ومعاناة حجيم هذه الحياة ، وهذه ما يكرهه الإسلام الذي جعل من البيت سكنا ، ومن الزوجة أنسا ولباسا .

والاحتمال الثاني ضد اتجاه الإسلام الخلقي ، وضد منهجه في ترقية الحياة البشرية ، ورفعها وتطهيرها وتزكيتها كي تصبح لائقة بالإنسان الذي كرمه الله على الحيوان .

والاحتمال الثالث هو وحده الذي يلبي ضرورات الفطرة الواقعية ، ويلبي منهج الإسلام الخلقي ، ويحتفظ للزوجة الأولى برعاية الزوجية ، ويحقق رغبة الزوجين في الإبقاء على عشرتهما وعلى ذكرياتهما ، وييسر على الإنسان الخطو الصاعد في رفق ويسر وواقعية . وشيء كهذا يقع في حالة عقم الزوجة مع رغبة الزوج الفطرية في النسل حيث يكون أمامه طريقان لا ثالث لهما :

1 ـ أن يطلقها ليستبدل بها زوجة أخرى تلبي رغبة الإنسان الفطرية في النسل.

2 ـ أو أن يتزوج بأخرى ، ويبقى على عشرته مع الزوجة الأولى .

وقد يهذر قوم من المتحذلقين ومن المتحذلقات بإيثار الطريق الأول ، ولكن تسعا وتسعين زوجة ـ على الأقل ـ من كل مائة سيتوجهن باللعنة إلى من يشير على الزوج بهذا الطريق ، الطريق الذي يحطم عليهن بيوتهن بلا عوض منظور، فقلما تجد عقيما وقد تبين عقمها راغبا في الزواج ، وكثيرا ما تجد الزوجة العاقر أنسا واسترواحا في الأطفال الصغار تجيء بهم الزوجة الأخرى زوجها ، فيملأون عليهم الدار حركة وبهجة أيا كان ابتئاسها لحرمانها الخاص .

وأترك للقراء الكرام مقارنة كلام العلامة سيد قطب رحمه الله مع هرطقة مجلة تيل كيل في موقع هسبريس والحكم بما شاءوا بعد ذلك .

تعدد الزوجات بين هرطقة مجلة تيل كيل وتفسير الظلال لسيد قطب رحمه الله
تعدد الزوجات بين هرطقة مجلة تيل كيل وتفسير الظلال لسيد قطب رحمه الله

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz