تعدد أشكال الانفصال وكلها شر ووبال على الوطن

85479 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: عندما تذكر  آفة  الانفصال  عندنا في المغرب غالبا  ما  يتبادر  إلى  الذهن    شكل  واحد من أشكال  الانفصال ، وهو المتعلق  باستهداف وحدتنا  الترابية  من طرف مجموعة  مغرر  بها  من أجل  أن  تقتطع جزءا من الوطن الأم وتنفصل  عنه ، ولا يلقى  بال  لأشكال  أخرى  من الانفصال ، وهي لا تخلو  من شر  ووبال  على  الوطن . ومن المعلوم أن  الانفصال هو نقيض الاتصال  ، وفعل  انفصل  عن  الشيء  يعني  باينه  ، وفصل الشيء  قطعه  وميزه . والفصل  خلاف  الأصل  ومن ذلك  قولهم ”  للنسب  أصول  وفصول ” أي  فروع  منفصلة عنه  .  وليس  الانفصال عن  الوطن  الأم مجرد  التفكير في اقتطاع جزء من ترابه  أو  من جغرافيته  الطبيعية  بل  الانفصال هو  التفكير في اقتطاع  أمور أخرى من  عقيدة  أوثقافة  أولغة  أوعرق  أوجنس …. ولا  يقل  الانفصال في هذه  الأمور  خطورة  على الوطن  عن  الانفصال الجغرافي . وديننا  الإسلام  وهو  الدين  الرسمي المنصوص  عليه  في دستورنا  ،وهو  الدستور المصوت  عليه  والمتوافق  بشأنه  وطنيا ينبذ  كل أنواع  الانفصال مهما كانت ، ويدعو  إلى الوحدة  بكل معانيها  من  خلال  أمر  إلهي  قطعي  الدلالة  في قوله جل من قائل  : (( واعتصموا  بحبل  الله  جميعا  ولا تفرقوا ))  والتفرقة  انفصال  مهما  كان شكله . وجاء في  الأثر  أيضا : ”  ليس منا  من دعا  إلى عصبية ”  والدعوة إلى العصبية  شكل من أشكال  الانفصال . فالذين  يرفعون  شعارات  التعصب  للجنس  أو اللغة   داخل  الوطن  الواحد  انفصاليون . والذين  يسوقون لعقائد  غير عقيدة  الوطن  انفصاليون  ، والذين  يحملون  فكرا  مخالفا  لفكر  الوطن انفصاليون ، والذين  يروجون  لثقافات  غريبة  عن  ثقافة  الوطن  انفصاليون . والانفصال مهما كان شكله  يوقع  بالضرورة  في التبعية  إلى كيانات  مختلفة  عن   كيان  الوطن . فالتعصب  للغة أو لعرق  ما يوجدان  في عدة  كيانات  جغرافية  يكون  سببا في الولاء  للكيانات التي توجد فيها هذه اللغة أو يوجد فيها هذا العرق  ،كما هو  حال على سبيل المثال لا الحصر العرق  الكردي  الموجود  في  كيانات  جغرافية  مختلفة ،وهو  ما  يجعل الأكراد  يفكرون  في  الانفصال  عن  كياناتهم  الجغرافية  المختلفة  من  أجل  الاستقلال   بكيان  خاص  بعرقهم يقتطع  من  مختلف  الكيانات  الجغرافية . وهذا الأمر  لا يقتصر  على  العرق  الكردي  بل   العرق  الأمازيغي  أيضا  يمتد  في  أقطار  المغرب  العربي   الكبير ، وتوجد  عصبية  لهذا الغرق عند  بعض المتطرفين على غرار  العصبية  الكردية في المشرق ، ولن  يكون  المتعصبون  من الأمازيغ  أقل  تعصبا  من  المتعصبين  الأكراد. والتعصب  لعقيدة ما يكون موجودة  في عدة  كيانات  جغرافية  يكون سببا  في الولاء لها  حيثما  وجدت كما هو  حال  الشيعة  أو السنة أو المتصوفة أوغيرذلك من  العقائد  حيث  تنشأ عصبية  العقيدة لدى  معتنقيها  في  مختلف  الكيانات  الجغرافية ،ولا تختلف  العصبية  العقدية  عن  العصبية  العرقية  ، فكما  يفكر  المتعصبون للعرق  في  الانفصال  بكيان  عرقي ، يفكر  المتعصبون  للعقيدة  أيضا في الانفصال  بكيان  عقدي  خاص بهم  . فالشيعة على سبيل المثال لا الحصر في كل مكان  لديهم  ولاء  للكيانات الشيعية ، كما أن الطرقيين  المنتسبين  لطريقة  صوفية  معينة  لهم  ولاء  للكيانات  التي  تتبنى  هذه  الطريقة  وهو ما  ينم  عن  وجود فكرة الانفصال لديهم  .وما قيل عن  العرق  واللغة  والعقيدة  يقال  عن  الفكر  والثقافة، ذلك أن  كل تعصب  لهذه  الأمور  يفضي  بالضرورة  إلى التفكير في الانفصال ، وإلى الولاء للكيانات  المعروفة  بها كما هو حال ما يعرف  بالأمميات  الإيديولوجية .  واختلاف  الأعراق  واللغات  والثقافات  والأفكار  داخل  الوطن  الواحد  لا يمكن  أن يبرر  فكرة  الانفصال بل  ذلك  تنوع  يفضي  إلى التكامل  ولا  يكون  سببا  في  التنافر . ولا مبرر  لصراع  التنوع  العرقي  واللغوي والعقدي والفكري  والثقافي  داخل  الوطن  الواحد لأن مصدر  الصراع يكون   بسبب  عقلية  الاستئصال ذلك  أنه كلما أحس أصحاب عرق  أو   لغة أو فكر  أو  ثقافة  أو عقيدة بأنهم  مستهدفون  بالاستئصال  إلا  وجنحوا  لفكرة  الانفصال  عن  أوطانهم لحماية أنفسهم من خطر الاستئصال . ولهذا  من المفروض في  الوطن  الواحد  أن يسود فيه  التعايش  وهو  تبادل  الاعتراف  بين مختلف  مكوناته مع  احترام بعضهم البعض  والإحجام  عن  فكرة استئصال   في حق بعضهم البعض . ومن الإشكالات  المطروحة   في هذا  الصدد  هو قيام  بعض  الأعراق  واللغات  والثقافات  والأفكار  والعقائد  على أساس  نقض  غيرها أي  لا يمكن  أن  تحقق  وجودها  إلا  باستئصال  غيرها  ، وهذا  ما يسبب  الصراعات  والتناحر  فيما بينها . ولا  مخرج من  هذه الإشكالات  سوى  الإيمان  بوجود  الغير  المخالف علما  بأن  هذا الغير المخالف  هو الذي  يساعد  على  تحديد  الهوية ، فلا يعرف  ولا يتميز  عرق   إلا  بوجود عرق  مخالف  له  ، ولا  تعرف  لغة  إلا   بأخرى  ، ولا فكر  ولا ثقافة  ولا عقيدة  إلا   بأفكار  وثقافات  وعقائد  أخرى . وأفضل  مثال  لتعايش  الكيانات  العرقية  واللغوية  والثقافية  والفكرية  والعقدية  هو دين  الإسلام  الذي يصهر  كل المميزات  البشرية  في بوتقة  واحدة  حين  يعيد  البشرية  إلى أصل  واحد  مكون  من ذكر وأنثى  ، وعنهما  تفرعت  الشعوب  والقبائل  من أجل  التعارف  ، ولا يحصل  التعارف  إلا  بالتعايش  ، ولا يكون  بالصراع  والاستئصال . ولقد  أقر  الإسلام  اختلاف  الأعراق  والألوان  والألسنة، وجعل ذلك  من الآيات  الدالة  على  قدرة  الخالق  القادر  سبحانه  وتعالى . ولهذا  كان الإسلام دين العالم  بأسره  لأنه  لا يجيز  الاستئصال  لعرق  أو لون أو لغة  أو  فكر  أو  ثقافة  أو عقيدة بل  يدعو إلى  تعايش  كل ذلك  وتعارفه . ولم يسمح  الإسلام  لأحد  بالحكم  على  غيره  تفضيلا  أو ذما  بل جعل الحكم   على  الخلق  بيد الخالق  سبحانه ، وهو الذي  جعل  معيار  التقوى  فيصلا في  تفاضل   الناس . ولا  تصلح  الأعراق  ولا  الألوان  ولا الأجناس  ولا اللغات  ولا الثقافات  ولا  الأفكار  ولا العقائد معايير  لتفاضل  الخلق  بل   المعيار  الوحيد للتفاضل  هو  التقوى ، وهو من اختصاص الخالق  سبحانه وتعالى .  ولهذا  يمكن  أن  يعيش الناس  في  كيانات  جغرافية  مختلفة  بدين الإسلام  دون   فكرة الانفصال  عن كياناتهم  على  أساس الأعراق  والأجناس  والألوان والألسنة  والثقافات  والعقائد . والركن  الخامس  من أركان  الإسلام  وهو الحج  يجسد  ذلك  حيث  تجتمع  الأعراق  المختلفة  بألسنة  مختلفة  وألوان  مختلفة  وثقافات  مختلفة  وعقائد  مختلفة  في البيئة  الجغرافية  الخاصة بعبادة  الحج  دون  أن  يعني  ذلك  انفصال  الحجيج  عن  كياناتهم  الجغرافية  المختلفة . وعينا أن نأخذ العبرة  من ذلك  فنجعل الوطن  بمثابة  الحرم  المكي  والمدني ، ونتصرف  فيه  كما  يتصرف  الحجيج  دون  أن  تجعلهم مناسك  الحج  يفكرون في الانفصال  عن   أوطانهم بل  يجتمعون  ليشهدوا  منافع  لهم  ، ومن هذه  المنافع  أن  يعوا  ما بينهم  من اختلاف في  الأعراق  والأجناس  واللغات  والثقافات  والعقائد والأفكار  ثم  يعودون  من حيث  جاءوا  يحتفظ كل منهم  بمميزاته  العرقية  واللغوية  والثقافية  والفكرية  والعقدية . والمواطن  السوي هو الذي  يعيش  دون عقدة  الانفصال بسبب  ما  يميزه  عن  مواطنيه عرقا  أو  لغة  أو  ثقافة أو فكرا  أو عقيدة . وأخيرا  بقدر ما نعيب  الانفصاليين على أساس  سياسي ، يجب  أن نعيب  الانفصاليين  على أساس  العرق  أوالجنس  أواللغة  أوالثقافة أو العقيدة .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz