تشبيه الإسلام بالعلمانية محض تلفيق وسفسطة

45684 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 30 يوليوز 2013، الذين يلتزمون قناعاتهم وتوجهاتهم الفكرية بصدق يحظون بالاحترام والتقدير حتى عند خصومهم ، أما الذين يحاولون التلفيق بين القناعات المتباينة التي بينها بعد المشرقين يعرضون أنفسهم لسخرية الساخرين . وهذا حال من أراد أن ينزل العلمانية منزلة الإسلام ،وهو بذلك يعيش حالة تذبذب لا إلى هذا ولا إلى تلك ، ويريد أن يجد بين ذلك سبيلا وما هو بواجده ، وعليه ينطبق مثل باسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه . ومعلوم أن ما يناقض الفكر السليم عقلا ومنطقا هو السفسطة التي يحرص المشتغلون بها إثبات قدرتهم على الإقناع بالقضية وبنقيضها بنفس الشطارة والحذق كما يعتقدون . فالعلمانية هي نقيض الدين مطلقا قبل أن يعين نوع الدين ،لأنها تقوم أساسا على رفع ما هو وضعي فوق ما هو ديني. وعندما يتعلق الأمر بالإسلام ولا أقول بالديانات السماوية نسبة لرب العالمين ، لأن اليهودية والنصرانية قد حرفتا كما أخبر بذلك الإسلام الذي جاء بعدهما ، وحقيقة ما لحقهما من تحريف هو الخلط فيهما بين الوضعي أو الأرضي على حد تعبير البعض والسماوي . وعلمانية الغرب إنما ولدت بسبب هذا التحريف ، لهذا ثارت العلمانية الغربية على الكنيسة التي حرفت السماوي من خلال خلطه بالوضعي أو الأرضي ، ونتج عن ذلك ظلم عظيم أفضى إلى انفصال العلمانية انفصالا تاما عن السماوي المحرف . ويحاول بعض ممتهني السفسطة عندنا أن يقيسوا علمانية ابتليت بها بلاد الإسلام وهي علمانية مسخ بعلمانية بلاد المسيحية الواضحة المعالم. فإذا كانت الكنيسة في بلاد الغرب هي المسؤولة عن خلق العلمانية ، فإن أهل السفسطة عندنا يأبون إلا تمرير علمانية بلاد الإسلام الفجة بنفس المسار ، وذلك من خلال تحميل من سموهم شيوخ التدين المتطرفين مسؤولية نشوء العلمانية المتوحشة على حد تعبيرهم باعتبار موقفها الرافض للإسلام رفض علمانية الغرب للكنيسة والإكليروس .

وهذه المقارنة الباطلة بين الكنيسة والمسجد ـ إن صح التعبيرـ أوقعت أهل السفسطة في تشبيه باطل أيضا حيث اعتبرت الممارسة العلمانية بمفهوم اليوم ، وهي الدعوة إلى تأسيس ما يسمى المجتمع المدني المفارق للمجتمع الديني والمحكوم بالشرائع الوضعية عبارة عن ممارسة إسلامية كانت في عهد النبوة . ولقد قارن أهل السفسطة والهرطقة عندنا بين مجتمع الكفر والشرك المكي وبين من سموهم أساتذة التربية على العلمانية المتوحشة . ففي هذا التحليل السفسطائي كما صنع شيوخ الإسلام المتطرفون العلمانية المتوحشة اليوم ، ـ ونعت متوحشة هو مجرد تمويه وذر للرماد في العيون للتملص من الانتماء إليها ، وهو انتماء فاضح تزكم رائحته الأنوف ـ فقد صنع شيوخ قريش علمانية الإسلام في عهد النبوة .

وبكل وقاحة يقارن العلماني السفسطائي بين الإسلام وبين العلمانية ، بل ينسب الإسلام للعلمانية . ومن المغالطات السفسطائية المتهافتة القول بأن رسول الإسلام اشتغل بالدين وترك الدنيا للناس . فمن المعلوم أن البشرية خلقت من أجل اجتياز اختبار وامتحان في هذه الدنيا لتحاسب على ذلك في الآخرة ، ولم تخلق لتزجية الوقت ، وموضوع اختبارها وامتحانها هو ممارسة الحياة وخوض غمارها على ضوء تعاليم الدين الذي هو منهاج حياة منظم لكل جوانبها . وبناء على هذا لا توجد دنيا بلا دين ، ولا يوجد دين بلا دنيا . وممارسة الدنيا هي الدين ، وممارسة الدين هو الدنيا . والاستشهاد بمثال تأبير النخل أو مثال اختيار موقع نزول الجيش في غزوة من الغزوات المنسوب المأثور عن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم كدليل على حرية التصرف في الدنيا دون ضوابط الدين مجرد هراء.

فلو كان رسول الإسلام قد سلم الدنيا للناس على حد قول العلماني السفسطائي لما كانت الحاجة أصلا إلى هذا الدين . ومعلوم أن الإنسان يمارس كثيرا من أنشطته في الحياة اعتمادا على تجاربه ، ومن هذه التجارب تأبير النخل واختيار مواقع النزال الحربي الاستراتيجية ، ولا غرابة أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم من طرف ربه سبحانه ، وقد بعث مشرعا بطرح أفكار مخالفة لتجارب الحياة من أجل تنبيه الناس إلى أهمية التجارب في حياتهم حتى لا يخاض غمارها بعشوائية . ولا يمكن أن يفهم من مثال التأبير أو مثال اختيار الموقع العسكري أنه تسليم الرسول صلى الله عليه وسلم الدنيا للناس واهتمامه بالدين .

وإذا ما قورن مثال التأبير واختيار الموقع العسكري المناسب بآلاف الأمثلة التي تتضمن أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ونواهيه مما يمس الحياة مسا مباشرا ، نجد أن اعتماد مثالين يتيمين من أجل تبرير أو بالأحرى تمرير فكرة ترك النبي الكريم الدنيا للناس ، والاشتغال بالدين عبارة عن تعسف بل عبارة عن هراء . إن الإسلام جاء لتنظيم الحياة ، واستبدال الشرائع الوضعية أو العلمانية بشرع الله عز وجل الذي لا تتحقق العدالة في الأرض إلا به لأنه لا تخالطه الأهواء البشرية الجموحة . ولا يمكن أن يسمى المجتمع الإسلامي مجتمعا دينيا يقابله المجتمع المدني العلماني ، بل المجتمع الإسلامي هو مجتمع مدني ،والفرق بينه وبين المجتمع المدني في ظل العلمانية هو خضوعه لشرع الله عز وجل ، بينما يخضع الآخر للشرائع الوضعية .

ولا يمكن أن يفهم قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم : ” أنتم أدرى بشؤون دنياكم ” أنها دعوة لتحيكم الشرائع الوضيعة التي تقوم أساسا على الأهواء البشرية ، بل هو دعوة لتحكيم الحياة لشرع الله عز وجل ، فما وافق شرع الله عز وجل فهو من الدراية الصحيحة بشؤون الدنيا ، وما خالف ذلك، فهو سوء دراية بها كما هو الحال عند العلمانية التي تصر على إخضاع شؤون الدنيا للقوانين الوضعية باسم الحرية .

وخلافا لما ذهب إليه العلماني المتذبذب بين التدين والتملص منه لا تتحمل أية جهة تنسب إلى الإسلام مسؤولية ما سماه العلمانية المتوحشة ،بل هي علمانية متوحشة أصلا من مصادرها الأولى في الدول الغربية ،وكذلك تقفلها العلمانيون عندنا وهم نموذج إمعي سيء يرددون مقولات وتصورات ومفاهيم غيرهم ترديد ببغاوات تحرف ما تقلده ، ويخيل إليها من جهلها وغبائها أنها تجيد التقليد . وعلى العلماني المتذبذ أن يختار بين الإسلام والعلمانية ليكون محترما وإلا عرض لنفسه لسخرية الساخرين من خلال محاولاته المتكررة للجمع بين المتناقضات في أمور شتى على طريقة السفسطائيين ، ظنا بنفسه الشطارة والدهاء والذكاء . وإذا كان يريد تصفية حساب مع ممارسي السياسة من المنتسبين للإسلام فعليه أن ينهج النهج المفضي إلى ذلك عوض نسبة ما لا يجوز أن ينسب للإسلام رغبة في ركوبه واستغلاله لتصفية الحساب مع الغير ، وهو ما أدانه من قبل وسماه ريعا دينيا . وما أظن نسبة الإسلام للعلمانية سوى رغبة مكشوفة للاستفادة من الريع الدين على غرار الاستفادة من ريع الشرف مع وضوح مؤشرات الأمازيغية التي لا تخطئها العين و لا الحدس.

تشبيه الإسلام بالعلمانية محض تلفيق وسفسطة
تشبيه الإسلام بالعلمانية محض تلفيق وسفسطة

اترك تعليق

3 تعليقات على "تشبيه الإسلام بالعلمانية محض تلفيق وسفسطة"

نبّهني عن
avatar
متتبع
ضيف

انشر التعاليق التي تصلك ولا تحجبها فنحن في زمن الراي والراي الاخر لاتدافع عن احد ولا تنحز لغيره كل واحد مسؤول عما يقول هذه المرة الثالثة التي تستعمل فيها المقص ضد تعليقاتي …

متتبع
ضيف

يصف الشركي السيد مصباح رمضان قائلا : بكل وقاحة يقارن العلماني السفسطائي ….. ويقول ايضا : على حد قول العلماني السفسطائي
الاستاذ مصباح رمضان عبر عن فهمه للرسالة المحمدية باستعمال العقل دون ان يحيد عن الاسلام كما اراده الله لاكما تفهمه ياشركي
السيد مصباح رمضان استاذ التربية الاسلامية ومفتشها والباحث فيها وفي غيرها من المواضيع فهو انسان متعدد ومتنور الثقافة يستخدم ثقافته وفكره لفهم الاشياء فهما صحيحا .

رجل مؤمن ومواظب على صلواته رجل خير وبر وعلاقات انسانية رفيعة المستوى يحترم الجميع ويحترم نفسه ويبحث عن الحقيقة في كل شيء وتصفه بالعلماني والسفسطائي

ابا ولد الدخيل
ضيف
يا هذا الشرقي،اتضح لي جيدا أنك سطحي في الفهم والإدراك للنص الذي دبّجه مصباح ، ولم تقدر على مسايرة هذا العلامة ( نعم أنا أسميه العلامة، طالما تكني حمزة بالعلامة) في المقاربة التي اعتمدها لتنوير الناس عن الديانة الإسلامية،أي نعم أشاطره الرأي في كون الإسلام ،في بدايته ،كان نوعا من العلمانية -بمفهوم التمرد على الظلم والجاهلية الجهلاء- . يا هذا الشرقي لم تستطع أن تنفي المثالين، الذين أوردهما العلامة مصباح فيما يخص الرسول الكريم فالتجأت إلى التبريرات الكمية، وهذا لعمري سلاح المنهزم.عليك أن تقرأ الكتب التي ألفّها الدكتور محمد عابد الجابري رحمه الله( نحن والتراث، نقد العقل العربي باجزائه الثلاث… قراءة المزيد ..
‫wpDiscuz