ترسيخ ثقافة الديمقراطية في البلاد العربية رهين بالاعتراف بالخصم المعارض وقبول التعايش والتناوب معه

338223 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: اقتضت إرادة الله عز وجل ، وهي إرادة حكيمة عادلة  أن يداول الأيام بين الناس ،  ودوام الحال  بينهم  ضرب من المحال إلا أن  كثيرا منهم  لا يستوعب  هذه  السنة الإلهية الجارية في الخلق  ويسعى لنقضها . ولقد كان الربيع  العربي  محكا حقيقيا  للشعوب العربية  لقياس مدى قربها  أو بعدها  من ثقافة  الديمقراطية  ، وأقصد ههنا  الديمقراطية  الحقة  لا الديمقراطية  الإشهارية  والدعائية . وليكون الإنسان صاحب  ثقافة ديمقراطية لا بد له من  التخلص أولا من ثقافة  إقصاء  الخصوم واستئصالهم . ولقد أكد  الواقع العربي  بعد ربيعه  أن الشعوب  العربية لا زالت بعيدة  بمسافات معتبرة  عن التشبع  بثقافة  الديمقراطية  لأنها قضت عقودا طويلة  لا تنهل  إلا من ثقافة  الإقصاء  والاستئصال   في ظل أنظمة شمولية قمعية لا وجود فيها لثقافة الاعتراف بالخصم  المعارض ، ولا ثقافة  التمييز بين  العداوة  والخصومة ، ذلك  أن  العداوة  تصدر عن الأهواء  والعواطف ، بينما الخصومة  مجرد اختلاف في الرأي  في مجتمع تجمعه  لحمة  واحدة . ولا بد لكل  مجتمع  بشري من  يمين ،ويسار ، ووسط بينهما  يميل  يمينا أو يسارا . ولا يمكن  ليمين  أو يسار أو وسط أن يكتسبوا  مشروعية  وجودهم إذا كان بعضهم ينكر وجود الآخر إذا لا يمكن  الحديث  عن تموقعاتهم إلا  بوجودهم جميعا  وإلا كيف يعرف  يمين  بلا  يسار أو العكس  أو وسط بدونها  معا ، فاليمين  مقابل لليسار  ، والوسط  منزلة  بين المنزلتين . وما وقع  في البلاد  العربية في ربيعها أن شعوبها  اختارت  تجريب  طيف سياسي  وحزبي ، فرفضت الأطياف السياسية  والحزبية  الأخرى  هذا  الخيار لأنها  ألفت  ثقافة الإقصاء  والاستئصال من أنظمة شمولية . ولقد استقوت  كثير  من الأطياف  السياسية  والحزبية  بالأنظمة الشمولية  من أجل  تكريس  ثقافة الإقصاء  والاستئصال. ومن ذلك  ما أقدمت  عليه  أحزاب  علمانية وليبرالية  في مصر  حيث  أقرت  الانقلاب  العسكري ، وساندته  من أجل  منع  ثقافة  الديمقراطية  ، وضمان  استمرار  ثقافة  الإقصاء والاستئصال التي كانت  سببا رئيسا  في قيام  ثورات الربيع  العربي . وعلى غرار الأحزاب العلمانية  والليبرالية  المصرية  نادت مثيلاتها في تونس  والمغرب  بالقضاء  على ثقافة  الديمقراطية مقابل  ثقافة الإقصاء والاستئصال .  ورفض تجربة  حكم الأحزاب  ذات  المرجعية  الإسلامية دليل  على  بعد الشقة  بيننا وبين  ثقافة  الديمقراطية إذ لم تصل  الشعوب العربية  بعد  إلى  ثقافة  الاعتراف  بالآخر  المخالف لغيره في  ما يعتقد وما يؤمن  به . ولن تكون  تجربة  الأحزاب  ذات المرجعية  الإسلامية بدعا من  الأحزاب  الأخرى  ذات  المرجعيات  المختلفة فهي الأخرى تصيب  وتخطىء ، ولا يضير الإسلام  خطؤها ، ولا يزيده  مصداقية صوابها لأن مصدره إله  لا مجال  للطعن  في مصداقيته ، ولا يكون الطعن إلا  في من  أو ما  لا ينضبط لهذه المصداقية. ومن آثار ثقافة الإقصاء  والاستئصال المتجذرة  في المجتمعات العربية  على سبيل  المثال لا الحصر  أن  يتشبث الرئيس  الجزائري  بالسلطة حتى لا يفسح  المجال لمن يختلف معه ، وهو  مفلوج أو مشلول ، وفاقد للأهلية التي تشترط في منصب  الرئاسة ، وتتعلق  بالسلامة  البدنية . وما يعاني  منه الرئيس الجزائري آفة  دعا  بها على نفسه  النابغة  الذبياني  في سياق  الدفاع عن براءته  أمام  الملك النعمان حين  قال : ” إذن فلا رفعت سوطي إلي يدي ” بمعنى  شلت  يدي  إن  كنت  مذنبا . وها هي آفة  الشلل  قد  أصابت الرئيس  الجزائري ، ولكن كونه  ضحية ثقافة  الإقصاء  والاستئصال جعله  يتشبث  بالسلطة ولا يد له ترفع إليه سوطه . ويترشح  الفريق السيسي  الذي  رقى نفسه  إلى منصب مشير  ولا كفاءة  له  سياسية ترفعه  لتسييرالبلاد ، بل هو مجرد عسكري  لا يجيد  سوى  ثقافة  العنف لأنه نشأ  وسط  مؤسسات  السلاح  والعنف ، ولا يمكن  أن يتخلص من هذه  الثقافة  شأنه  في ذلك  شأن  كل  الحكام العسكريين  الذي  وصلوا إلى الحكم عن طريق  الانقلابات  العسكرية . ولأمر ما   تقصي المجتمعات  المتشبعة بثقافة  الديمقراطية  الثقافة  العسكرية  من  اللعبة السياسية لأن  قوة هذه المجتمعات في  ثقافة  الاعتراف  بالخصم المعارض  لا في  ممارسة  القوة ضده .  ويبدو  أن  نموذج  الربيع التونسي  يسير  نحو  ترسيخ  ثقافة  الديمقراطية  حيث  بدأ  الحوار  بين الفرقاء  السياسين  بثقافة  الإقصاء  والاستئصال  ثم  تطور  رويدا  رويدا نحو تجربة  ثقافة الديمقراطية لأن هؤلاء الفرقاء  تأكدوا من أن  الطريق نحو  ثقافة  الديمقراطية  هو التخلي  عن  ثقافة  الإقصاء  والاستئصال . ونموذج  تعاطي ثقافة  الديمقراطية التونسي  عبارة عن  إحراج  واضح لثقافة  الإقصاء والاستئصال  في مصر  ، وفي غيرها  من بلاد  الربيع العربي .  ويحاول  المجتمع  الدولي  الذي  تمرس  بثقافة الديمقراطية  أن يفرض على الفرقاء  السياسيين  العرب  محاولة تحسس  سبيل  ثقافة الديمقراطية . ولقد كان  حال  الفرقاء  السياسيين  السوريين  في جنيف مثيرا للسخرية وفي نفس الوقت للشفقة حيث  ظل المبعوث  الأممي والعربي  يعطيهم دروسا  ابتدائية في  كيفية  التخلص المؤقت  من سيطرة ثقافة  الإقصاء  والاستئصال تماما  كما تروض  البهائم  على  نوع من السلوكات  لم تألفها في حياتها . ولم يستطع  الفرقاء  السياسيون السوريون  الجلوس  إلى  مائدة واحدة إلا بعد  جهد جهيد  ممن كان يروضهم  ، وبعد  تهديد  الراعي لهم . وكان  الأجدر بهم  ألا  يرحلوا  إلى جنيف ليتعلموا كيفية  التعاطي مع  ثقافة  الديمقراطية . وأنى  لهم تعاطي هذه  الثقافة  وعلى رأسهم  الحاكم  المستبد  الذي  لا يعرف  ثقافة الديمقراطية  أصلا ، وقد  رضع  ألبان  ثقافة  الإقصاء  والاستئصال  في بيت  والده  الديكتاتور ؟  ومن  المشاهد  المثيرة  للسخرية  أنه يخيل للبعض أنهم  يتعاطون مع الثقافة  الديمقراطية  ، والحقيقة  أنهم  يتعاطون مع مجرد الدعاية  والإشهار لهذه الثقافة ، ومع ذلك لا يخجلون  من الاصطفاف  ضمن من  يتعاطى  هذه  الثقافة  حقيقة . وأخيرا  إذا  ما أراد طيف سياسي  أو  فرد  ينتمي  إليه  أن يقيس  مدى تعاطيه  مع  ثقافة الديمقراطية ،فعليه  أن  يقيس مدى قبوله  لمن يعارضه  ، ومدى قبوله للتعايش  معه  والتناوب معه على  السلطة  بروح  رياضية  كما يقال.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz