تخلف الخطاب الحزبي والنقابي عن مواكبة ظروف التغيير في الربيع العربي

21671 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 31 ماي 2012، عاش العالم العربي عقودا بعد تخلصه من الاحتلال الغربي،

وهو يتداول خطابا حزبيا ونقابيا من مخلفات عهد الاحتلال.  صحيح أن الاحتلال العسكري انتهى برحيل الجنود المحتلين للوطن العربي  إلا أن أشكالا مختلفة من الاحتلال ظلت موجودة ومستمرة. وأخطرها الاحتلال الفكري على الإطلاق ومنه فكرة تصنيف الشعوب التي كانت  تحت احتلال عسكري واحد إلى أصناف وفئات تنهل من مرجعيات المحتل .  

أجل رحل الاحتلال العسكري للوطن العربي ، وترك في الشعوب العربية آفات اليمين واليسار والوسط . وشغل هذه الشعوب بالصراعات الحزبية والنقابية التافهة ، والتي أمضت عقودا طويلة مشغولة  بالتراشق بالتهم فيما بينها . وعلى غرار الخطاب الحزبي والنقابي  الذي كان  سائدا في الدول الغربية المحتلة ، انتقل هذا الخطاب عن طريق الاستنساخ البليد والمغفل إلى البلاد  التي كانت خاضعة للاحتلال .

فمن نماذج هذا الخطاب  تصنيف الشعب الواحد إلى قوة حية وأخرى ميتة ، وقوة تقدمية وأخرى متخلفة ، وشرفاء ، وغير شرفاء … إلى غير ذلك من التصنيفات التافهة ،علما بأن هذا النوع من الخطاب يعكس مدى استفحال عقدة  النرجسية لدى أحزاب ونقابات لم تبدع ولم تخترع ، وإنما نهلت من  مرجعيات لا علاقة لها بهويتها . فاستعمال صفة التقدمي تنزيها للذات ، والرجعي قدحا في الغير من تقاليد دول لا تم إلينا بصلة ، ولا بمرجعيتنا الواضحة التي تصنفنا وفق معيار التقوى في قوله تعالى : (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ))  ولا وجود لمعيار التقدمي والرجعي والشريف وغير الشريف ، والحي والميت  في مرجعيتنا الأصيلة .

كان من المفروض بعد أن بلغ نضج الأمة العربية السياسي حد  القطيعة والثورة والانتفاضة على الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي  في ربيعها المشهود أن تحصل قطيعة موازية مع الخطاب الحزبي والنقابي البائد  الذي لم يعد يفي بالغرض ، وهو لم يقدم شيئا للأمة من قبل ، كما أنه  خطاب أثبت معايشته للفساد بكل أنواعه. ولقد كان هذا الخطاب يستعمل نفس الشعارات : ” تقدمي ، رجعي ، شريف ، وضيع … والفساد بكل أشكاله ضارب أطنابه في طول وعرض الوطن العربي .

ومن المؤشرات الدالة على خروج الأمة من مرحلة الفساد إلى مرحلة الإصلاح سقوط الأنظمة الفاسدة ، وحلول الديمقراطية بشكل صحيح لأول مرة في الوطن العربي حيث  أفرزت حكومات لم يكن من المسموح لأحزابها من قبل مجرد تكوين هذه الأحزاب بله خوض الانتخابات والوصول إلى مصادر صنع القرار . فهذا أكبر دليل على انهزام الفساد والمفسدين  بشكل إجرائي وواقعي بعد عقود طويلة من الديمقراطية الصورية .

فالذين كان قدرهم السجون والمنافي والملاحقات الجائرة حصلوا لأول مرة على حق المواطنة والترشح  والتصويت . والذين كانوا يرددون الخطاب الحزبي والنقابي المتهافت من قبيل التقدمية والشرف وغير ذلك ، كانوا يكيدون الكيد الشديد  للمحرومين من حقوق المواطنة  لدى الأنظمة الفاسدة، حيث كانت هذه الأنظمة تعترف وتقر بحق أصحاب التقدمية  في ممارسة العمل السياسي  والحزبي والنقابي مقابل منع المحسوبين على الرجعية والظلامية  وما شابه من النعوت القدحية من الاقتراب من السياسة أصلا . والأنظمة الفاسدة التي كانت تفعل ذلك إنما كانت تفعله لقناعتها الراسخة بأن الأحزاب والنقابات المحسوبة على التقدمية لا يمكن أن تهددها ، وإن الذي كان يمثل التهديد الحقيقي لها هو الأحزاب المحسوبة على الظلام وعلى الرجعية ،لأن مرجعية هذه الأحزاب هي دستور السماء المناهض لكل فساد بشري في كل عصر وفي كل مصر.

فالوحي الذي أطاح بالنمرود والفرعون والهامان والكسرى والقيصر هو نفس الوحي الذي يطيح بكل أنواع الطغاة ، لهذا يكرر الطغاة  في كل عصر فعل فرعون الذي  أخبر بخروج من يقضي على فساده من القوم المستضعفين عن طريق التقتيل لتجنب المصير المحتوم ،وهو وعد الله عز وجل الذي  وعد  به المستضعفين من خلقه بالإمامة  والوراثة ، ووعد أيضا يضبأن يري الطغاة منهم ما كانوا يحذرون .

ويكفي أن يخرج الضحية من السجن ليحل محله الجلاد ليكون ذلك آية  على صدق وعد الله عز وجل الناجز ، ولن تجد لسنة الله تبديلا . فعلى أعوان الأنظمة الفاسدة من التقدميين  والمتنورين  والشرفاء الذين يتخندقون اليوم في جيوب مقاومة تافهة  من أجل الدفاع عن الفساد في زمن الطوفان العربي أن يراجعوا أنفسهم ،ويبحثوا عن قاموس جديد يفي بالغرض ويساير ثورات الربيع العربي عوض التشبث بالقاموس البائد .

فالشعوب العربية ليس فيها شريف ووضيع ، وليس فيها متقدم ومتخلف لأنها  تعيش في جغرافيا واحدة وتحت سقف تاريخ واحد ، ومصيرها واحد . ولقد ولى عهد الدعاية الحزبية والنقابية لأن التاريخ أخضع كل الأحزاب  بما فيها التقدمية للامتحان وأعطاها فرصة الوصول إلى مراكز القرار ، وأثبتت أنها لم تكسب خيرا خلال وصولها إلى مراكز صنع القرار . فعلى من وصل ولم يفعل شيئا ألا يجهد نفسه لمنع غيره ممن لم يصل من قبل  ليجرب حظه بدوره . فمن السابق لأوانه  الحكم على تجربة من لم يستوف حقه من التجربة بالفشل .

ولقد بات من الواضح أن الذين وصلوا إلى مراكز صنع القرار من قبل  ، وكان الفشل حليفهم لن يسمحوا أبدا لغيرهم بالنجاح ، لهذا يبذلون قصارى جهودهم من أجل أن يكون  مصير غيرهم  كمصيرهم في الفشل . وما يقوم له التقدميون اليوم من أجل إفشال تجربة الأحزاب المحسوبة على الإسلام هو ما يسمى وضع الأعواد في العجلات لمنع دورانها .  ونحن نتوقع  أن تأخذ الأشكال النضالية للتقدميين وهي جيوب مقاومة للدفاع عن الفساد  كل منحى من أجل هدف رسم يوم كشفت صناديق الاقتراع عن فوز غيرهم في الانتخابات .

وكما قلنا مرارا لا تعتبر الديمقراطية كذلك عند التقدميين إلا إذا كانت نتيجة التصويت لصالحهم ، أما إذا كانت لصالح الإسلاميين فهي  التخلف والظلامية والقروسطية والرجعية وكل قدح مشين . وكان الله في عون التقدميين وقد قرر الربيع العربي أن يجرب الظلامية بعدما  أثبت تنويرهم أنه  لا يجيد سوى الحياة تحت عباءة الأنظمة الفاسدة.

ولقد تأكدنا أن الذين يستعملون عبارات التقدميين والشرفاء هم أكثر خلق الله تدميرا للأمة على مستوى الفعل  والممارسة ، فيا ليت أذرعهم كانت في حجم طول ألسنتهم  الحداد . ومن لا حياء فيها جاز له أن يطيل لسانه بالحجم الذي يناسب قلة حيائه .

تخلف الخطاب الحزبي والنقابي عن مواكبة ظروف  التغيير في الربيع العربي
تخلف الخطاب الحزبي والنقابي عن مواكبة ظروف التغيير في الربيع العربي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz