تحليل نص شعري للشاعر أوس بن حجر لفائدة تلاميذ السنة الأولى بالشعبة الأصيلة

178942 مشاهدة

وجدة: إنجاز : محمد شركي مفتش مادة اللغة العربية بنيابة جرادة أكاديمية الجهة الشرقية/ وجدة البوابة: 

طلب مني تلاميذ السنة الأولى (الشعبة الأصيلة) بالثانوية التأهيلية  جابر بن حيان بحاسي بلال نيابة جرادة  أن أنجز معهم حصة قرائية  في مقرر الدورة الأولى فاستجبت لطلبهم  إلا  أنهم اعتذروا عن موعد ضرناه سويا  بذريعة انشغالهم بفروض المراقبة المستمرة خلال  هذا الأسبوع ، فرأيت أن نشر ما كنت مزمعا تقديمه مفيدا لهم ولغيرهم  إن  كانت  لهم  همة

وفيما يلي  النص  المزمع تحليله :

قال أوس بن حجر

 

ودّعْ لميسَ وداعَ الصّارمِ اللاحِي

إذْ فنّكتْ في فسادٍ بعدَ إصْلاحِ

إذْ تستبيكَ بمصقولٍ عوارضُهُ

حمشِ اللّثاتِ عذابٍ غيرِ مملاحِ

وقدْ لهوتُ بمثلِ الرّئمِ آنسة ٍ

تُصْبي الحليمَ عَرُوبٍ غير مِكْلاحِ

كأنّ رِيقَتَها بعد الكَرَى اغْتَبَقَتْ

من ماءِ أصْهَبَ في الحانوتِ نَضّاحِ

أوْ منْ معتّقة ٍ ورهاءَ نشوتُها

أوْ منْ أنابيبِ رمّانٍ وتفّاحِ

هبّتْ تلومُ وليستْ ساعة َ اللاحي

هلاّ انتظرتِ بهذا اللّومِ إصباحي

إنْ أشْرَبِ الخَمْرَ أوْ أُرْزَأ لها ثمَناً

فلا محالَة َ يوماً أنّني صاحي

ولا محالَة َ منْ قبرٍ بمحنية ٍ

وكفنٍ كسرَاة ِ الثورِ وضّاحِ

دَعِ العَجوزَيْنِ لا تسمعْ لِقِيلهما

وَاعْمَدْ إلى سيّدٍ في الحيّ جَحْجاحِ

كانَ الشّبابُ يلهِّينا ويعجبُنَا

فَمَا وَهَبْنا ولا بِعْنا بِأرْبَاحِ

إنّي أرقتُ ولمْ تأرقْ معِي صاحي

لمستكفٍّ بعيدَ النّومِ لوّاحِ

قد نمتَ عنّي وباتَ البرقَ يُسهرني

كما استْتَضاءَ يَهوديٌّ بِمِصْباحِ

يا منْ لبرقٍ أبيتُ اللّيلَ أرقبُهُ

في عارِضٍ كمضيءِ الصُّبحِ لمّاحِ

دانٍ مُسِفٍّ فوَيقَ الأرْضِ هَيْدبُهُ

يَكادُ يَدفَعُهُ مَن قامَ بِالرّاحِ

كَأنّ رَيِّقَهُ لمّا عَلا شَطِباً

أقْرَابُ أبْلَقَ يَنْفي الخَيْلَ رَمّاحِ

هبّتْ جنوبٌ بأعلاهُ ومالَ بهِ

أعجازُ مُزنٍ يسُحّ الماءَ دلاّحِ

فالْتَجَّ أعْلاهُ ثُمّ ارْتَجّ أسْفَلُهُ

وَضَاقَ ذَرْعاً بحمْلِ الماءِ مُنْصَاحِ

كأنّما بينَ أعلاهُ وأسفلِهِ

ريطٌ منشّرة ٌ أو ضوءُ مصباحِ

يمزعُ جلدَ الحصى أجشّ مبتركٌ

كأنّهُ فاحصٌ أوْ لاعبٌ داحي

فمَنْ بنجوتِهِ كمَنْ بمحفلِهِ

والمُستكنُّ كمَنْ يمشي بقرواحِ

كأنَّ فيهِ عشاراً جلّة ً شُرُفاً

شُعْثاً لَهَامِيمَ قد همّتْ بِإرْشاحِ

هُدْلاً مَشافِرُهَا بُحّاً حَنَاجِرهَا

تُزْجي مَرَابيعَها في صَحصَحٍ ضاحي

فأصْبَحَ الرّوْضُ والقِيعانُ مُمْرِعة ً

منْ بين مرتفقٍ منها ومُنطاحِ

وقَدْ أرَاني أمامَ الحيِّ تَحْملُني

جلذيّة ٌ وصلتْ دأياً بألواحِ

                                                      ( بتصرف )

أولا :  مرحلة القراءة التوجيهية :

1 ـ خطوة استعراض الأرصدة  المعرفية :

ويتعلق الأمر بنشاط الإلمام بالمقصود من الأصول، ويتعلق الأمر بالشعر الجاهلي ، وظروف نشأته ، وأغراضه وفنون ، وشكله أو هيكلته المكونة من مقدمات طللية  أو غزلية يتخلص منها  إلى  أغراض متنوعة يصاحبها الوصف . كما  يتعلق الأمر  بنشاط الإلمام بوصف  البيئة  الطبيعية الجاهلية.

2 ـ  خطوة تأطير النص :

♦ نشاط التعريف  بالمبدع :

اسمه ونسبه : أوس بن حجر بن مالك المازني التميمي ، والده هو زوج أم زهيربن أبي سلمى.

زمانه  وبيئته : شاعر جاهلي  لم يدرك الإسلام  ، نشأ ببني تميم  ، وتردد على الحيرة عند عمرو بن  هند

اتجاهه الشعري : زعيم مدرسة شعرية سميت باسمه وتعرف بشعر الحوليات أي الشعر المنقح خلال حول كامل  قبل  أن  يلقى ، وهو شاعر الرقة  والحكمة .

أعماله : له ديوان شعر .

♦ نشاط التعريف  بالإبداع :

مصدره : ديوان أوس بن حجر  ص 13 من طبعة دار صادر

نوعيته :  شعر الوصف الخاص بالبيئة الجاهلية ( وصف المطر والسيل)

ظروفه :  ترحال  الشاعر  في  البيئة  الصحراوية

3 ـ خطوة  ملاحظة  النص :

♦ بداية  النص  نلاحظ فعل الأمر ”  ودع ”  وهو يدل  على وداع.

♦ نهاية النص نلاحظ عبارة ” تحملني جلذية ” وهي تدل على الرحيل.

وما بين الوداع والرحيل يكون أفق  الانتظار هو وصف ما عرفته الرحلة.

4 ـ خطوة  فهم النص :

♦ نشاط الأداء  القرائي :  ويشترط  فيه  قراءة شعرية  تمثلية كعتبة أولى تعكس جزءا من الفهم.

♦  نشاط شروح  وإضاءات :

الأعلام : لميس: اسم  معشوقة الشاعر /  شطب : اسم جبل في بني تميم .

المفردات اللغوية : الصارم : الهاجر/ اللاحي : اللائم / فنك : لج وألح/ العوارض: الأسنان ما بين الناب والضرس / حمشة : قليلة اللحم / عذاب : لذيذ / رئم : طبي خالص البياض / عروب : ضحوك ومتحببة / مكلاح : عابسة / الريقة : الرضاب أو ماء الفم / اغتبقت : شربت الغبوق ، وهو شراب  العشي / أصهب : أدكن مائل للسواد/ النضاح : الراشح / ورهاء : قوية وشديدة / أنابيب : طرائق الرمان / المحنية : منعطف الوادي / سراة الثور :  ظهره / العجوزان : الأب والأم / الجحجاح : السيد  الكريم / مستكف :  مطر هاطل / لواح : البرق / العارض : السحاب/ مسف : شديد الدنو من الأرض / الهيدب : ما تدلى منه / الريق : المشرق/ الأقراب مفرد قرب وهو الكشح / جنوب : ريح ممطرة / أعجاز مفرد عجز وهو مؤخركل شيء / المزن : السحاب  الأبيض /دلاح : مثقل بالماء /التج : صوت وهو من اللجة / منصاح : منشق ومنصدع بالماء / الريط : الملاءة إذا كانت قطعة واحدة / يمزع : ينزع / أجش : غليظ الصوت / مبترك : سريع العدو/ الفاحص : مقلب وجه التراب / الداحي : الدافع / النجوة : ما ارتفع من الأرض / المحفل : مستقر الماء /  القرواح : الأرض المستوية / العشار : الإبل إذا أتي على حملها عشرة أشهر / الجلة والشرف : المسنة من الإبل / اللهاميم : الغزار / إرشاح :اشتداد فصيل الناقة ، وهو ولدها / هدل : مسترخية / تزجي :  تسيم  وترعى/ الصحصح : الأرض المستوية / المرتفق : ماء راكد / المنطاح : ماء  جار أو سائل / الجلذاءة :  الأرض  الصلبة  ، وجلذية معنى صلبة /الدأي : ملتقى ضلوع الصدر/ الألواح : عظام الجسد ما خلا اليدين والرجلين .

♦ نشاط تقسيم  النص  إلى وحدات فكرية :

ـ هجران المحبوبة  ووصف محاسنها

ـ الفخر  بمجالس الشرب  ومعاقرة الخمر

ـ وصف  المطروالسيل خلال  الترحال

ثانيا : مرحلة القراءة التحليلية  :

1 ـ خطوة  التحليل  على  المستوى الدالي :

♦ نشاط حصر  المعجم  المهيمن على  النص : ( معجم النسيبوالغزل / معجم الخمر/ معجم وصف المطروالسيل ) .

♦ نشاط  تحديد الحقول الدلالية :

ـ  حقل  النسيب واللهو : ( تستبيك / مصقول العوارض/ عذاب / رئم / عروب /ماء أصهب / الحانوت / معتقة/ ورهاء / الخمر…)

ـ حقل الترحال ووصف المطر والسيل : ( مستكف / لواح / البرق / عارض/ مسف/ ريقه / جنوب/ مزن / فالتج / الماء /  عشار/ جلة / شرف / إرشاح/ تزجي…)

♦ نشاط ضبط العلاقة بين  الحقلين : علاقة ترابط بين  مغامرات الغزل والشرب  والترحال ووصف الطبيعة ، وهو ما يميزحياة  الشاعر الجاهلي .

 2 ـ  خطوة التحليل  على  المستوى الدلالي :

♦ نشاط تحديد طبيعة إيقاع  النص :

ـ الموسيقى الخارجية : يهيمن عليها إيقاع البحر البسيط ” مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن ”  وهو من البحور الطوال  التي   ينظم عليها الشعراء أصحاب الرصانة ، وهو يصلح  للدلالة على  اللين  وعلى العنف معا . أما لينه، فيتعلق بالغزل والعتاب والبكاء في الرثاء والتحسر  والحنين  واللوعة والأسى  والذكرى والشجن ، وأما  عنفه  فيتعلق  بالتحريض  والتهديد  والوعيد  والهجاء  التقريع  على حد وصف  الدكتور عبد الله الطيب  في كتابه  المرشد  إلى فهم أشعار  العرب  وصناعتها. ويغلب  على  قصيدة أوس هذه  اللين حيث تغزل فيها ووصف   مغامرة الشرب  والترحال، وبذلك  يكون قد اختار لها   موسيقى  خارجية مناسبة. ومما  يتبع الموسيقى الخارجية  التصريع  في بداية  القصيدة ، والقافية بحرف روي هو “الحاء ” ، وهو حرفي حلقي ، وهي تلازم ألفاظ الأبيات من أجل وحدة الإيقاع  الخارجي ” اللاحي / إصلاح ”  ويتكرر  هذا التلازم  وسط القصيدة على غرار التصريع ” اللاحي / إصباحي  ، صاحي/ لواح ” .

ـ الموسيقى الداخلية :  وتتمثل في تكرار العبارات : ( عذاب غير مملاح/ عروب غير مكلاح /  أو من معتقة / أو من أنابيب/ فما وهبنا / ولا بعنا / فاحص أو لاعب / هدلا مشافرها / بحا حناجرها )إلى جانب  تكرار الأصوات المفردة الملازمة لصوت الروي ” الحاء ”  : ( حليم …. مكلاح/ حانوت …نضاح/ محالة…صاحي/ محالة …. محنية … وضاح/ الحي … جحجاح / الصبح …لماح / يسح… دلاح/ حمل … منصاح / الحصى… فاحص…داحي / محفله…قرواح/بحا …حناجرها… صحصح…ضاحي / فأصبح… منطاح/ الحي … تحملني …بألواح ) . وإلى جانب هذه التكرارات المكرسة للنغم المتوازن نسجل الطباق الذي أدى نفس  الوظيفة : (فساد // إصلاح ، عذاب // مملاح ، عروب // مكلاح، أرقت // لم تأرق ، نمت // يسهرني ، أعلاه // أسفله ، نجوة // قروح ، مقرتف // منطاح ) .

الملاحظ أن الشاعر أضفى  على  قصيدته  الإيقاع المناسب  لدلالة  النسيب  والشرب و يتسم باللين  ، والإيقاع  المناسب لدلالة وصف  المطر والسيل ويتسم بالعنف . ومما تجدر الإشارة إليه  أن  حرف  الحاء الحلقي يعكس شيئا من  الحرقة  في أبيات  النسيب والغزل.

♦ نشاط تحديد طبيعة  الصور الشعرية :

ـ التصوير  بواسطة  التشبيه : ( كأن ريقتها اغتبقت من ماء أصهب) ( وكفن كسراة الثور ) (  برق كما استضاء يهودي بمصباح ) ( عارض كمضيء الصبح) ( كأن ريقه …أقراب أبلق ) ( المستكن كمن يمشي ) ( قرواح كأن فيه عشارا) ،وهي صور حسية من واقع البيئة البدوية الجاهلية حيث صور ريق  معشوقته بالخمراللذيذة ، والكفن بظهر الثور،  والبرق  بضوء اليهودي ،  والسحاب بضوء الصبح، وأعلى السحاب بكشح الأبلق ، والمستكن بالماشي ،  والقرواح  بصعيد الإبل المنبسط  . وتصويره بسيط لا خيال فيه باستثناء تشبيه رضاب  محبوبته بالخمر لذة ، وتشبيه البرق  بضوء اليهوي وربما  قصد به صاحب الحانوت الذي كان  يغري السكارى بالاتجاه صوب حانوته .

ـ التصوير  بواسطة الاستعارة :  وهو أقل من التصوير  بواسطة  التشبيه  مما يدل على بساطة التصوير من خلال  غياب  الخيال : ( تستبيك بمصقول العوارض)    ( ضاق درعا بحمل  الماء ) ( يمزع جلد الحصى ) ، وهو تصوير أيضا مقتبس من واقع  البيئة البدوية الجاهلية .ولقد وظف  الشاعر  التصوير  من أجل  تحقيق  غرض  الوصف التصويري  المباشر البعيد عن  التخييل .

3 ـ خطوة  التحليل  على المستوى التداولي :

 ـ نشاط  حصر  الأساليب المهيمنة  :  يهيمن  على  النص  الأسلوب الخبري  الذي ناسب  غرض  الوصف، وتتخلله  بعض  الأساليب الإنشائية  من قبيل  الأمر ( دع لميس ، ودع العجوزين ) ، والنهي ( لا تسمع لقيلهما )، والتمني ( يا من لبرق )  ، وهي  أساليب كسرت رتابة  أسلوب  الخبرالمهيمن ، وهو خبر فيه توكيد  وتحقيق ( قد لهوت ،  قد نمت ،  وقد أراني ،  وإني أرقت ) لإضفاء الحقيقة  على الوصف .

ثالثا : مرحلة القراءة  التركيبية :

♦ نشاط  تجميع  نتائج التحليل : (  تقاسم النص حقلان دلاليان مترابطان: حقل  غزل ولهو ، وحقل ترحال  يغطيهما الوصف  عن طريق  التصوير المباشر  ، والإيقاع المناسب لما فيهما  من  لين  وعنف ، وغلبة  الأسلوب الخبري الموظف للوصف)

 نشاط الحكم  على  النص : ( نص يعكس أصل من أصول  الشعر العربي  في الجاهلية  من خلال  بنائه  حيث بدأ الشاعر  بمقدمة فيها غزل ونسيب ، انتقل منها إلى وصف  الخمر ، ثم انتقل بعد ذلك إلى وصف  المطر  والسيل خلال  رحلته في الصحراء  العربية . ويتسم هذا الأصل  بجزالة  اللغة  وغرابتها  وبساطة الخيال ، وجمال الإيقاع إلا أن  دلالة  النص  لا تتسم بالعمق ، بل هي  عبارة عن  تجربة حياة بسيطة  من واقع  الإنسان  العربي  في الجاهلية .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz