تجربة القراءة والكتابة عند الدكتور عبد المجيد بن مسعود

27686 مشاهدة
في إطار سلسلة المسارات العلمية التي دأب مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة على تنظيمها التقى جمهور المركز يوم: الجمعة 08 نونبر 2007 مع الأستاذ: عبد المجيد بنمسعود للحديث عن تجربته في القراءة والكتابة ، من خلال إنتاجه العلمي في ميدان الدراسات التربوية والبيداغوجية .

استهلال:

أجدني في مستهل هذا اللقاء الحميمي الدافئ مدينا بالتعبير عن صادق امتناني وجميل عرفاني لمركز الدراسات الاجتماعية والإنسانية بوجدة في شخص طاقمه النشيط وخليته المباركة، على دعوتي لأكون ضيفا في إحدى حلقات ” مسارات” التي دأبت على تنظيمها في شهر رمضان المعظم، مع اعترافي أنني وجدتني متأرجحا- بعد تلقي الدعوة الكريمة-بين الاعتذار عن الاستجابة، اعتقادا مني أن تجربتي في القراءة والكتابة هي من التواضع بمكان، ،وبين الترحيب بتلك الدعوة الكريمة، من منطلق الأدب والعرفان، وبدافع الانتفاع بالتفاعل الخصب، والحوار المنتج البناء، اللذين يؤثثان جو هذه اللقاءات المتميزة، فكان أن رجح لدي الاختيار الثاني، لأنه يوافق قاعدة نشدان الحكمة التي يلزمها العقلاء.

أولا: ما القراءة والكتابة :

بين القراءة والكتابة في نظري علاقة جدلية عميقة الغور متشابكة الأبعاد،ومما يمكن أن ينكشف لنا من أسرار هذه العلاقة:

1- أن القراءة في مستوى من المستويات، وضمن شروط معينة،نفسية وتربوية وثقافية واجتماعية،لا بد أن تفضي بصاحبها إلى الكتابة في لون من ألوانها، أو جنس من أجناسها، بغض النظر عن حظ المكتوب من الأصالة والعمق، أو الطرافة والجدة.

2- أن معاناة القضية واستشعار الرسالة، هي المحضن الذي تتخلق فيه ملكة القراءة وملكة الكتابة على السواء، ويزداد شحذ كل من هذين طردا مع ازدياد قوة المعاناة والإحساس بالعوالم الذي تتعلق بها القراءة والكتابة.

3- إذا كانت القراءة حوارا مفتوحا يتدرج في سلم الوعي، بدءا من المستويات التلقائية البسيطة، وصولا إلى مستويات عليا تتسم بالقصدية والعمق، وتتوخى الكشف عن الجذور واستبطان ما وراء السطور،فإن الكتابة في جوهرها وحقيقتها، تمثل حوارا آخر، يتميز عن السابق بكونه يندرج في إطار حمل المسؤولية النابعة من استشعار قداسة الكلمة وحرمتها، علما بأن مستوى القراءة الواعية الناضجة، يعتبر مقدمة ضرورية للشروع في اقتحام مجاهل الكتابة،واكتشاف أسرارها وارتياد حقولها وقطف ثمارها المختلفة الألوان والطعوم.

4- إذا كانت القراءة ميدانا فسيحا لاكتشاف الذات واستخراج مكنوناتها وتوسيع نظرتها للوجود،وإحكام علاقتها بأشيائه وظواهره، فإن الكتابة هي بمثابة المختبر الذي يصفى فيه المقروء وتقطر عناصره ومحتوياته، ويميز طيبه من خبيثه، ويتخذ أشكالا وقوالب جديدة تتلاقح فيها الأفكار المعروضة مع الأفكار الناقدة المستعرضة، ليتألف لنا من ذلك تركيب جديد على مستوى الشكل والمضمون، يكون له من القيمة والجدارة بقدر ما يكون له من التميز والأصالة.

5- تستمر ممارسة القراءة كما يستمر تيار الكتابة متدفقا، كلما استمرت جذوة حمل القضية والرسالة في توهجها واشتعالها، ويتوقف التيار أو يدخل في مرحلة التراخي ثم الكمون ، كلما تعرضت الجذوة للخمود بسبب عوارض ذات طبيعة نفسانية أو تصورية أو غيرها، ولكن سرعان ما يعود نهر الكتابة إلى التدفق والانهمار، بانقشاع تلك العوارض وزوالها، مع عودة الجذوة للتوهج والاشتعال،بفعل جلاء التصور وانكشاف ملامح العقبى ونتائج السرى، أكان ذلك في العاجلة أم الأخرى.

أ : أنواع القراءة :

– قراءة طليقة تنشد المتعة والاكتشاف، وهي قراءة لا ضوابط لها ولا حدود، على اعتبار أن الرغبة في الاستمتاع لدى الإنسان رغبة ممدودة متجددة،إلا أن يوقف جموحها عامل الإرادة لحساب أهداف ومقاصد محددة.

– قراءة موجهة: من قبل الآخر أو من قبل الذات، بحسب المرحلة أو الظروف التي تكتنف القارئ، وهذا النوع من القراءة لا مناص من أن يتمحور حول برنامج تربوي يستهدف تنشئة مخصوصة، أو يتمحور حول قضية فكرية تندرج تحت مشروع حضاري معين،يتموقع في معترك الحوار و التدافع مع مشاريع مختلفة أو مخالفة.ومما لا شك فيه، أن القراءة العلمية البحتة المنصبة على العلوم المختلفة، كما هو شأن العلوم التي نشأت في أحضان الحضارة العربية الإسلامية، لا يمكن أن تخرج عن سياق التدافع الحضاري بأي حال من الأحوال، ويكفي دليلا على هذا الأمر ما احتدم من صراع بين المنطق الإسلامي والمنطق الأرسطي.

وفي اعتقادي أن التوفيق في عملية القراءة بين الرسالية والاستمتاع أمر ممكن وميسور، شريطة الاهتداء بقولة الكاتب الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله: “اقرأ ما ينفعك وانتفع مما تقرأ”.إن تحقيق المعادلة الصعبة بين الرسالية والاستمتاع، في ضوء هذه القاعدة الذهبية،يتأتى في حال توفر شرط حمل الأمانة بقوة واقتدار، ومعانقة القضية بصدق المخلصين الأبرار.

إننا نفهم من هذه القولة النيرة لهذا الكاتب العبقري الذي لم يترك فنا من الفنون، ولا علما من العلوم إلا طرقه قراءة وتأليفا،أن الأصل في المسألة هو قراءة ما تأكدت منفعته من واقع ما تشهد به خبرة الخبراء المختصين، وتدل عليه قرائن الأحوال. فالأولوية لقراءة النافع، ويؤكد هذه الأولوية تعوذ الرسول صلى الله عليه وسلم في جملة ما تعوذ منه، من علم لا ينفع” اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع”.

وإذا كانت قراءة النافع بفعل المعرفة السابقة بالكتب المتصفة بهذا الوصف، وبفعل إرشاد الخبير ميسورة ممكنة، فإن الانتفاع بالمقروء رهين بامتلاك حاسة نقدية نافذة، قادرة على تخليص النافع من الناقع، ومن كل الشوائب والأخلاط.

يتحصل لنا مما سبق، أن تحقيق هذه المعادلة لا يتأتى إلا لفئة مخصوصة من ذوي العقول الراجحة، ممن يمتلكون الميزان الدقيق، والرؤية الشاملة، والمفروض في الكاتب الحق أن ينتمي إلى هذه الزمرة.أما من فاتته تلك الحاسة وافتقد لذلك الميزان، فأنى له ذلك.

ب- أنواع الكتابة:

إذا كانت القراءة أنواعا فإن الكتابة هي أيضا أنواع . وأكتفي هنا بالتمييز

بين الكتابة الرسالية والكتابة الارتجالية.وكما أن للكتابة الرسالية ارتباطا بالقراءة الرسالية، فتلك تستدعي هذه وهذه تصب في تلك، فإن للكتابة الارتجالية ارتباطا بالقراءة الارتجالية، وكلاهما محكوم بموقف عبثي ونظرة معتمة.

ثانيا: أسئلة القراءة والكتابة :

حتى يتحقق التعامل الواعي والرشيد مع عملية القراءة والكتابة، لا بد من الإجابة على الأسئلة التالية بدقة ووضوح:

لماذا أقرأ؟ ولماذا اكتب؟

ماذا أقرأ؟ وماذا أكتب؟

كيف أقرأ ؟ وكيف أكتب؟

من المنظور الإسلامي كما هو معلوم،يتمثل الجواب على السؤال الأول في أن ممارسة القراءة هي امتثال لأمر الله عز وجل الذي بعث الروح الأمين جبريل عليه السلام إلى خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام بالرسالة،وكانت فاتحة المفاتحة بالرسالة أمرا قويا بالقراءة، وكان تلقين جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم غاية في الروعة والشمول، بحيث تضمن الأمر بالقراءة: ” اقرأ”،وباسم من ينبغي أن تكون القراءة: ” باسم ربك الذي خلق” .وتأتلف في هذه القراءة صفحات كتاب الله المسطور مع كتابه المنظور، بما ينعكس على الإنسان وفعله الحضاري بالتناغم والانسجام، ويؤول به إلى الرضا والاطمئنان.

أما لماذا أكتب؟ فيكمن جوابها في كون الكتابة وسيلة ناجعة لحفظ الميراث الإنساني،وللتعبير عن مكنونات الضمير البشري، في تجلياته الفردية والجماعية،وتسجيل مواقفه من نفسه، ومن الكون المحيط به، ومن الآخرين الذين يشاطرونه العيش على هذه الأرض.وهي قبل ذلك وبعده أمر من الله جل جلاله القائل: ” كما علمه الله فليكتب”

الكتابة هي السجل الذي يزخر بالتجارب والعبر، ويترجم عن سنن الله الثاوية في حركة التاريخ، المعبرة عن تفاعلات البشر وسعيهم الموصول، المتراوح بين الإساءة والإحسان، بين العطاء والتقوى وبين البخل والاستغناء.

الكتابة هي الذاكرة الواعية التي تنبض بالحركة والحياة، وتسمح بالمراجعة والتصحيح، وتقوم بوظيفة الذكرى وتحفز على الاعتبار.وفي حال غياب الكتابة، وفي حال فقرها وضحالتها يكون الفقر الثقافي والحضاري، وفي حال كثرتها لدى المذاهب المضادة لمنطق الفطرة وقلتها وضعفها لدى أنصار الفطرة، يكثر الانحراف ويشيع الزيغ والخبال، فالكتابة وما يلحق بها، من منطلق الفطرة هي أداة الشهود الحضاري الذي يحفظ التوازن،ويعد العدة لاستتباب قوانين الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

ثالثا: تجربتي في القراءة والكتابة:

أ- في القراءة

إن المرء وهو يقف عند تجربة القراءة لديه،لا يسعه أبدا أن يقفز على أية مرحلة من مراحل العمر،لأن كلا منها يشكل، بلا ريب،جزء من نسيج تلك التجربة،يتفاعل بشكل من الأشكال، وبمقدار من المقادير، مع باقي المكونات والأجزاء التي تشكل معها قوام التجربة العام.

من هذا المنطلق،أعتبر أن النصوص القرائية الأولى التي انفتح عليها وعيي في المرحلة الابتدائية، تمثل البذور الأولى لما يمكن أن يتخلق في الكيان النفسي من آثار وانطباعات،ومن مبادئ واقتناعات.وهنا لابد أن أقف وقفة احترام وتقدير وإجلال، للمربي العصامي ورائد الكتاب المدرسي المقتدر،الأستاذ أحمد بوكماخ رحمه الله،الذي كان له فضل كبير على أجيال مديدة من القراء المتعلمين،خلال عقد الستينيات وما بعده.فلقد كانت سلسلة ” اقرأ” المقررة لتلاميذ المرحلة الابتدائية بنفسها التربوي الرفيع، وبنسقها المتكامل البديع، وبأنشطتها الهادفة وغناها القيمي،نموذجا موفقا لما يمكن أن تقدمه المدرسة من إطار تربوي خصب،ترسخ فيه محاسن الأخلاق، وتصقل فيه الأذواق، وتكتسب أوليات اللغة ومفرداتها وجملة نافعة من أساليبها،فلا يمكن للمرء أن يودع تلك المرحلة من التعليم، إلا وقد علقت بذهنه جملة من الصور، ورسخت بخلده طائفة من التقنيات والمهارات في التعبير والإنشاء، واستقرت بباطنه باقة من القيم التي تنعكس على بنائه الشخصي، وتترك بصماتها وظلالها على مجمل حياته.

من ممن تتلمذوا على تلك السلسلة الرائدة التي تجملت وتميزت باسمها الموحي الأصيل: “اقرأ”، ينسى تلك النصوص التربوية والأدبية المنتقاة، من قبيل” الله يرانا” وحيلة فلاح” و”جربي يا فاطمة” و” سعاد في المكتبة” ؟بل من منهم ينسى القطعة التعليمية المرحة ” أكلة البطاطس” التي لا يزال بعضنا يحفظها عن ظهر قلب، و” نهرو في غابة القرود” ؟

إن ما يميز سلسلة “أقرأ”، هو كونها تقوم على نسقية هادفة، وتمثل مشروعا تربويا متكاملا، لا يمكن إلا أن يسهم بتأثيراته الإيجابية في شاكلة المتلقين الذين تتلمذوا عليه في مرحلة بأكملها.

وإلى جانب” اقرأ” التي كانت معتمدة على المستوى الرسمي، مثلت سلسلتا ” محمد عطية الأبراشي” وسامي الكيالي” الخاصة بأطفال المرحلة الابتدائية، باعتبارهما كتبا ترفيهية، رافدا قرائيا هاما كان له أثره البناء في تخصيب الخيال، وإمداد الذاكرة بالصور والأساليب، والقيم والمواقف، وإغناء رصيد المتلقين بالتجارب الإنسانية المتنوعة والكفيلة بتوسيع مدارك عالم الطفولة البريء، وتعميق استعداداته لمزيد من النضج والاكتمال.

أما في مرحلة الإعدادي،فقد مثل الاتصال بسلسلة “المكتبة الثقافية” و”كتب الهلال” و”روايات الهلال” و”مجلة الهلال”،مصادر للتثقيف من النوع الرصين والرفيع، وأخص بالذكر هنا المجلة التي حظيت بالمكان الأرفع في قلوب المعلمين والمتعلمين، “مجلة العربي” التي كانت مثابة لناشدي الثقافة و الفكر والأدب، وصلة وصل لهم بعيون التراث العربي الإسلامي ومصادره الكبرى.

بالإضافة إلى أخذ حظ لابأس به من هذه المصادر،في هذه المرحلة، قرأت سلسلة روايات جرجي زيدان التاريخية التي ازدانت بثوبها الأدبي القشيب، ومثلت إغراء بفعل ما احتوته من عنصر العلاقات العاطفية التي طبعت حركة شخوصها،وأضفت عليها جاذبية وسحرا، كما قرأت كتب لطفي المنفلوطي التي أخذت بلبي واختطفت إعجابي، وأعدت قراءة بعضها مرات عديدة، وكتب جبران خليل جبران بعوالمها الرومانسية الحالمة ومسحتها الحزينة،ولم يفتني في هذه المرحلة أن أقرأ كتاب “ألف ليلة وليلة” و”سيف بن ذي يزن” و”حمزة البهلوان”.

ومن البديهي أن أشير هنا إلى أن مقروءات هذه المرحلة، لم يكن يوجه إليها غير الفضول،لما تميزت به من شهرة وجاذبية وبريق، يضاف إلى ذلك خصوصية المرحلة العمرية التي تتميز بقوة الانفعال وتأجج المشاعر، والشروع في البحث عن الذات، والإجابة على جملة من الاستفهامات.يضاف إلى مقروءات هذه المرحلة مقروءات بداية مرحلة الثانوي، أي السنة الأولى التي مثلت امتدادا لمرحلة الإعدادي،وتتمثل في قصص وروايات يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس وعبد الحليم عبد الله ونجيب محفوظ وليلى بعلبكي وسميرة بنت الجزيرة العربية وغيرهم.

ومع بداية السنة الثانية من الثانوي، بدأ اتجاه الشخصية ينزع نحو تأسيس تصور أنضج للكون والحياة،واتخاذ مواقف أكثر وضوحا ووعيا مما يعتلج حولي من أحداث، ويحتدم في المجتمع من تدافع وصراعات، وفي هذه الفترة،ومرورا عبر مرحلة الجامعة، وصولا إلى مرحلة التدريس كان لابد من كتب تلبي الحاجة وتمثل أسلحة فعالة في الميدان.ويتعلق الأمر هنا ببداية عقد السبعينات الذي عرف صولة المد الأحمر ببلادنا بمختلف تياراته التي تميزت بصلف وعتو عارمين، إلى السنة الثامنة منه، إلى السنوات الأولى من عقد الثمانينات، وهاهنا جاء الغيث ممثلا في كتب الشهيد سيد قطب رحمه الله وفي مقدمتها “معالم في الطريق” الذي كان بالنسبة لي بمثابة البلسم الشافي في فهم عمق رسالة الإسلام وتمثل شمول منهجه وإعجازه،وأذكر هنا كتب ” الإسلام ومشكلات الحضارة”و”الإسلام والسلام العالمي”و” العدالة الاجتماعية في الإسلام”و “الإسلام والرأسمالية”و” هذا الدين” و” المستقبل لهذا الدين” وتفسير” في ظلال القرآن”، وكتب محمد قطب وفي مقدمتها “جاهلية القرن العشرين”،وأذكر أيضا ” شبهات حول الإسلام” و”الإسلام في معركة التقاليد” و”مفاهيم ينبغي أن تصحح”، و” الإنسان بين المادية والإسلام” والكتاب الرائد ” ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” لسماحة الشيخ أبي الحسن الحسني الندوي،وكتب الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد، وأذكر منها “الله” و”مطلع النور” والعبقريات، و”الشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام” الذي أبلى البلاء الحسن في التصدي لأوهام الشيوعيين وترهاتهم وأباطيلهم،وتفنيدها ودحضها، وكتاب” “حقائق الإسلام وأباطيل خصومه” الذي تولى الدفاع عن الإسلام وإبراز حقائقه الناصعة في وجه مناوئيه وشانئيه، وكتاب” الإسلام في قفص الاتهام” الذي رد فيه الأستاذ شوقي أبو خليل بطريقة طريفة على مزاعم خصوم الإسلام.و”الإسلام يتحدى” لوحيد الدين خان، الذي أبرز جدارة الإسلام من باب الإعجاز العلمي، ودفع فرية تعارضه مع العلم.

ولا يمكن للقارئ الرسالي الذي توهجت في كيانه فكرة الإسلام، خلال هذه الحقبة العصيبة، إلا أن يلوذ بكتب المفكر الفقيه والداعية الأديب، الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، ومؤلفات فقيه العصر،المفكر الداعية المجتهد، الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله،وكتب المفكر الداعية القدير، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، حفظه الله وسائر الدعاة العاملين.وأذكر هنا على سبيل المثال: ” كفاح دين” و” كيف نفهم الإسلام”،و”الإسلام في مواجهة الزحف الأحمر” للشيخ الغزالي، و” الحلول المستوردة” و”الحل الإسلامي” و” الحلال والحرام في الإسلام” للدكتور يوسف القرضاوي، و” كبرى اليقينيات الكونية” و” نقض أوهام المادية الجدلية” وسلسلة كتب ” أبحاث في القمة” للدكتور البوطي،والتي أجابت في تركيز واقتدار، وحسم وإقناع، من منظور الإسلام، على الأسئلة الكبرى، التي تمثل الأجوبة الشافية عليها حاجة ملحة وزادا على الطريق، بالنسبة لمن تشرفوا بحمل الهم الإسلامي وأمانة البلاغ، واضطلعوا بالمرابطة في المواقع الأمامية للذود عن حصون الإسلام المستهدفة .

وفي سياق استعراضي للكتب التي احتلت مقام الريادة في نقض المذاهب الضالة التي مثلت معاول هدم وإفساد للأفراد والجماعات في المجتمعات المسلمة، وعوامل تلويث للبيئة الثقافية فيها، ما يكون لي أن أغفل ذكر كتب من العيار الثقيل، ك” فلسفتنا” و” اقتصادنا” لمحمد باقر الصدر، و” موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين”، للشيخ مصطفى صبري، شيخ الإسلام للدولة العثمانية سابقا،و” قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن” ، وأذكر في هذا المقام أيضا، ” الإنسان ذلك المجهول” لألكسيس كاريل،و” العلم يدعو إلى الإيمان” وهو عنوان الترجمة لكتاب ألفه كريسي موريسون تحت عنوان” ” الإنسان لا يقوم وحده”.وأذكر من الكتب الحديثة نسبيا كتاب” الإسلام في معركة الحضارة” للمفكر الكبير منير شفيق حفظه الله.

لقد كانت هذه الكتب كلها منارات على الطريق وأرصادا لمعاقل الإسلام في وجه المتطاولين المعتدين الساعين إلى اختراقها واقتحام حماها. وإن قارئ هذه الكتب في الإبان الذي صدرت فيه، لتؤدي مهمة مقدسة وتخوض معركة حضارية شرسة ضد أعداء شرسين عنيدين،ليشعر اليوم بوشائج روحية عميقة تربطه بتلك الكتب وبأصحابها الذين كتبوها بمداد الإخلاص، وأودعوها عصارات فكرهم، وأفنوا من أجلها زهرات أعمارهم، فلا يطوف بصره بأحدها وهو يتخذ له موقعا أو زاوية في رفوف المكتبة، إلا وطاف بخاطره معركة برمتها كان ذلك الكتاب بطلا مبرزا من أبطالها،ولمح نقعها وغبارها، وأبصر ضحاياها من الخصوم مضرجين في دمائهم، فلا يسعه إلا أن يتعاطف مع هؤلاء المجاهدين الصادقين الذين حملوا لواء الكلمة الطيبة و الحجة الناصعة الدامغة، ويترحم عليهم في خشوع وإجلال.

وإذا كانت الكتب السالفة الذكر قد شكلت بالنسبة لي خلفية فكرية وازنة عملت على تخصيب رؤيتي للحياة،وشدت من أزري في غمرة التدافع والنزال، فإن هناك طائفة أخرى من الكتب، مثلت في سياق ما يمكن أن يسمى بالقراءة بمعناها الاصطلاحي أساسا تكوينيا هاما ساعد في توفير العناصر المعرفية والآليات المنهجية المتيحة لعملية الاستقلال الفكري والإٌسهام الثقافي والإبداعي، في عالم يموج بالمذاهب والتيارات،ولا يرحم المتقاعسين العاجزين.وأعني بذلك، ما أتاحت المرحلة الجامعية دراسته من كتب ومشاريع فكرية،تحت إشراف أساتذة مبرزين في تخصصاتهم، وذلك في شعبة الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، أذكر منهم الدكتور جمال الدين العلوي رحمه الله الذي درسنا عليه تاريخ الفلسفة، وما استدعى الاطلاع عليه من مؤلفات،ك: “تمهيد لتاريخ الفلسفة في الإسلام” للشيخ مصطفى عبد الرازق رحمه الله،و” نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام” للدكتور سامي النشار، و”تاريخ الفلسفة في الإسلام” لدي بور، ترجمة الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة، وغيرها، كما كانت الفرصة سانحة للاطلاع على الفكر اليوناني من مظانه الأصلية،وعبر كتب من درسوه عن كثب، كالمفكر عبد الرحمن بدوي، كما أذكر من هؤلاء الأساتذة: الدكتور محمود فتحي الشنيطي والدكتور سعد المغربي أستاذ علم النفس الاجتماعي، والدكتور علي أومليل،والدكتور محمد سبيلا والدكتور ميخائيل أسعد،أستاذ علم النفس العام وعلم النفس المرضي والدكتور خالد شاتيلا والدكتور أحمد النكلاوي والدكتور منير موسى وهم أساتذة لعلم الاجتماع،والدكتور محمد الأشتر والدكتور محمد السرغيني، وغيرهم.وأضيف إلى هذه الطائفة من الأساتذة، ثلة من الأساتذة الذين كان لهم علي فضل التكوين في مرحلة دبلوم الدراسات العليا المعمقة،في شعبة الدراسات الإسلامية، “وحدة علوم القرآن والحديث ومصطلحاتهما”، وعلى رأس هؤلاء أستاذ الجيل، فضيلة الدكتور العلامة الشاهد البوشيخي، حفظه الله، أحد أبرز شيوخ الدراسة المصطلحية في العصر المعاصر،والذي رسخ لدينا قواعد المنهج للدراسة المصطلحية لمفاهيم القرآن والحديث، والذي أعتز أيما اعتزاز بالتتلمذ عليه والاستفادة من علمه الغزير ،وأذكر من هؤلاء الأساتذة الأجلاء:أستاذ الفقه العالم الجليل الدكتور أحمد البوشيخي، الذي شملني بعطفه وسماحته،وقبست من قدوته ومحامده، و الدكتور محمد الروكي أستاذ الفقه أيضا،والدكتور محمد الصقلي أستاذ الحديث،والدكتور حسين كنوان أستاذ النحو، والدكتور محمد المالكي أستاذ التفسير.

وأختم هذه اللائحة بنوع آخر من أنواع التلمذة،انعقد في رحاب المساجد المباركة،وأعني بذلك ما كان لي من قراءة على يد أستاذ الجيل،العلامة الجليل، الدكتور مصطفى بنحمزة حفظه الله،فقد درست عليه السلم في المنطق، والبيقونية في مصطلح الحديث، وبعضا من” الورقات” في أصول الفقه.هذا إضافة إلى درس التفسير الذي لزمته خلال ما يقارب العقد والنصف من الزمان، إلا قليلا،والذي شكل مدرسة قائمة من المعارف، ومن مبادئ وأصول الفكر المنهجي، التي تشحذ الأفكار وتستثير الفضول إلى البحث والاستقصاء، ومطارحة القضايا والمواضيع، من المنظور الإسلامي العميق والأصيل.

كما وأذكر بشعور الفخر والاعتزاز تلمذتي غير المباشرة على يد العالم الجليل،أستاذ الجيل،الشاعر و الأديب الناقد،أحد مؤسسي “رابطة الأدب الإسلامي العالمية”: الدكتور حسن الأمراني الذي أفدت أيما إفادة من علمه وأدبه وخلقه،وسعدت بصحبته، فقد كان لمحاضراته وكتبه ومقالاته الرائدة فضل كبير في إدراكي لمفردات القضية الكبرى التي حمل همها ويستفرغ وسعه من أجل الدفاع عنها و التصدي للمتنكرين لها،وأعني بها قضية الأدب الإسلامي.

ب- في الكتابة:

الكتابة مرابطة في إحدى جبهتين: فإما أن تختار الانحياز إلى كتيبة المدافعين عن قيم الحق و الخير والجمال، وإما أن تكون متخندقا في الجبهة الأخرى، متوليا كبر الدفاع عن الباطل والشر والضلال.ولا ثالث لهذين الاختيارين إلا أن يكون تذبذبا شنيعا يحط من قدر صاحبه ويقصيه من المعنى الحق للوجود.

أذكر أن أول محاولة على درب الكتابة كانت محاولة بدائية مشتركة بيني وبين ابن عم لي، فقد شجعنا تفوقنا في الإنشاء في قسم الشهادة الابتدائية على التطاول على كتابة الشعر،وكان أول شيء اقتحم علينا شعورنا واختيارنا هو موضوع فلسطين، فكتبنا بضعة أبيات نبكي فيها مأساة فلسطين السليبة، ولا أذكر أنه كانت هناك محاولات أخرى في هذه المرحلة، إلى أن بدأت القدرة على الكتابة تنضج شيئا ما في المرحلة الإعدادية، حيث كانت هناك بعض المحاولات، أذكر منها قصة ” عاشق في الضباب”، وهي قصة واقعية بطلها أحد التلاميذ ، كان ضحية فخ نصب له بمكر و دهاء، لإيهامه بأنه موضع حب إحدى التلميذات، فضاعت مشاعره سدى، فكاد أن يكون ذلك سبب إخفاقه في الدراسة لولا أن لطف الله به.

غير أن الفترة التي شرعت فيها طرق باب الكتابة مع نوع من المعاودة والتكرار، هي فترة الدراسة بالثانوي، حيث ساعدني وضعي كتلميذ داخلي بثانوية عبدالمومن على ذلك،بسبب التنافس في القراءة، وحتى في بذل جهد لإنتاج نصوص، مهما يكن مستواها، وقد توجت هذه الجهود، بإنشاء مجلة مكتوبة بخط اليد، تضافر على إصدارها حوالي سبعة تلاميذ كنت من بينهم،وكانت المجلة التي لم يصدر منها أكثر من أربعة أعداد، تنتقل بين ثلة معدودة من الزملاء الداخليين والخارجيين على حد سواء.

وخلال الفترة التي تمتد من الحصول على الباكلوريا، حتى الحصول على الإجازة،كتبت مجموعة من الخواطر ملأت بها بعض الكنانيش،التي تعرضت للضياع، والحقيقة أنني حزنت عليها لأنها اقتطعت من وجداني وصميم كياني.

ولم أشعر أنني أكتب فعلا إلا حينما رأيت نصا، هو عبارة عن قصة قصيرة، تحت عنوان” اليد اليتيمة” يرى النور على صفحات ” النور” أي جريدة النور التي تصدر بتطوان.وقد حظيت القصة آنئذ، أي سنة ألف وتسعمائة وواحد وثمانين باستحسان زمرة من الأساتذة من أصحاب الشأن في الميدان، أذكر منهم الشاعر والأديب الكبير الدكتور حسن الأمراني والشاعر المبدع الدكتور محمد علي الرباوي، والشاعر الراحل الدكتور محمد بنعمارة رحمه الله.ومما قاله الدكتور حسن الأمراني في حق تلك القصة مشجعا:ما معناه، أنها تبشر بخير، وسط ركام مما تمتلئ به المنابر من إنتاج ينضح بالرداءة واللامعقول. وتابعت المسير في مجال كتابة القصة القصيرة ببطء وتقتير، لظروف معينة، وكان أن تجمع لي قوام مجموعة قصصية صدرت عام أربع وتسعين وتسعمائة وألف، تحت عنوان ” الأخدود” بتقديم الناقد القدير الدكتور حسن الأمراني الذي جعله تحت عنوان:” نحو واقعية جديدة”.، وأشير هنا إلى أن هذه المجموعة قد حظيت بترجمتها من قبل أحد أساتذة اللغة الإنجليزية، هو الأستاذ رشيد لعناني، من مدينة خريبكة.

وخلال نفس العام، نشرت لي مجلة “منار الإسلام” الإماراتية في حلقتين، بحثا تحت عنوان: “كيف ندرس الفكر الإسلامي”،وهو خلاصة تأملات نقدية، تحصلت لي من تدريس الفلسفة خلال تسع سنوات بأقسام الباكلوريا،وقد اضطلعت الدراسة بتتبع التجاوزات المنهجية التي سقط فيها دارسو الفكر الإسلامي العرب، الذين تبنوا المنهج المادي التاريخي وكانت هذه الدراسة هي باكورة النشر في الميدان الفكري.

ومنذ يونيو سنة تسع وثمانين وتسعمائة وألف حيث تخرجت في المركز الوطني لتكوين المفتشين بالرباط،مفتشا في تخصص مادة التربية الإسلامية، وحتى أكتوبر سنة ألفين وخمسة حيث غادرت ميدان الوظيفة العمومية مع المغادرين الطوعيين،تراوحت اهتماماتي في مجال الكتابة بين كتابة البحث التربوي، الذي كان جله عبارة عن مساهمات في ندوات تربوية،أو مواكبة نقدية لظواهر المنظومة التعليمية ومستجداتها، وبين كتابة المقالة النقدية ذات البعد التربوي والحضاري، التي كانت تنشر بجريدة ” المسلمون” حتى توقفها،ثم “بجريدة العالم الإسلامي” التي تصدرها رابطة العالم الإسلامي، وبجريدة “النور”، وجريدة “المحجة” وغيرها.

ويستثنى من هذا الحكم كتاب” القيم الإسلامية والمجتمع المعاصر” الذي بني بمنهجية الكتاب المتكامل الفصول،والمتمحور حول قضية واحدة،والذي صدر بسلسلة كتاب الأمة القطرية،وكتاب” التفكك الأسري: دعوة للمراجعة” الذي صدر بنفس السلسلة،والذي استكتبت فيه مع ثلاثة كتاب آخرين.

أما كتابة القصة، فاستمرت بوتيرة شحيحة نظرا لظروف وعوامل معينة.

الكتابة والدكتوراه : لقد شكل الاشتغال على أطروحة الدكتوراه بالنسبة لي نقلة نوعية على مستوى الكتابة، نظرا لما تتطلبه من استفراغ الوسع في الإنجاز ومراعاة قواعد البحث العلمي، بفعل ما يحيط بذلك الاشتغال من ظروف نفسية يطبعها التطلع إلى الإجادة والإتقان، وكان ذلك فرصة ثمينة لتلاقح عملية القراءة في المظان المرتبطة بالموضوع،وعملية الكتابة التي تستشعر مسؤولية أكبر، نظرا لخصوصيتها كمعيار لتقويم مستوى الباحث أمام لجنة فاحصة ناقدة.

ومما زاد سعادتي في سياق التعامل مع بحث الدكتوراه، أن يكون بابا للاتصال بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف،وما ارتبط بهما من تفاسير وشروح ومعاجم، وأن يكون البحث قائما على منهج الدراسة المصطلحية الذي أرسى أسسه عالم المصطلح فضيلة الدكتور الشاهد البوشيخي حفظه الله. فقد كان البحث في “مفهوم النعمة في القرآن والحديث” نعمة سابغة من حيث القراءة والكتابة على حد سواء.

لقد لمست في منهج الدراسة المصطلحية خصوبة فائقة وبركة ملحوظة، فضلا عن الصرامة في الضبط المنهجي، الذي يبعد عن الحشو والفضول.

قضايا جديرة بالتأمل:

وكاستكمال لاستعراض مراحل هذا المسار المتواضع،أحاول أن أطرح هنا بعض القضايا المتعلقة بالقراءة والكتابة:

1- سلطة الكتابة : إن مما يمكن أن يدركه العارفون بميدان الكتابة،أنها تمثل سلطة من نوع خاص، تخلف نتائج وتداعيات على مستوى التدافع بين الحق والباطل، فما أكثر ما تكون الكتابة في بعدها الرسالي صمام أمان لدرء الأخطار وإلجام المتطاولين على الحرمات، يقول الله سبحانه وتعالى:” بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون” ويحضرني هنا كلام، يرتبط بهذه القضية، سمعته من فضيلة الدكتور عبد السلام الهراس حفظه الله، وهو من ذاكرات المغرب التي وعت وواكبت كثيرا من الأحداث المتعلقة بالسياسة والصراع الفكري والثقافي الذي طبع المغرب الحديث،حدثنا ذات زيارة له منذ سنوات عديدة، في سياق حديث عن العالم الجليل والمفكر الرسالي الدكتور المهدي بن عبود رحمه الله، أن هذا الأستاذ الكريم كان عندما يأتي إلى فاس ويلقي محاضرة عن الفكر الماركسي والمذاهب الهدامة عامة، تدرأ محاضرته عنا شر هؤلاء وكيدهم لمدة ستة أشهر.

وأحب أن أذكر في هذا المقام، أنني جربت هذه الحقيقة بنفسي، من خلال مجموعة من المواقف، كان فيها الرد على بعض المفترين من الكتاب الذين احترفوا التطاول على المقدسات والتجرؤ على قيم الفطرة، رادعا ودافعا لهؤلاء، لأن يعيدوا حساباتهم كلما سولت لهم أنفسهم أن يعاودوا هجوماتهم الخاسرة.

2- الكتابة والقضية: أؤكد هاهنا ما ألمحت إليه في مقدمة هذا العرض،من كون حمل الهم ولبس القضية هو الذي يعطي للكتابة رواءها وقوتها ونصاعتها، والعكس صحيح،فالكتابة التي ليس وراءها قضية، تولد باهتة ، وإذا عاشت تعيش للحظات ثم تتلاشى وتموت.فالكاتب لا بد له من أن يرابط على ثغر قضية من القضايا يعطيها جهده ويهبها حياته. وتدل تجارب العظماء الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس،وتركوا وراءهم تراثا زاخرا، أنهم كانوا أصحاب قضايا،عانقوها إلى حد التماهي والالتحام.

وبودي أن أشير في هذا المقام، إلى أن القضية التي استأثرت باهتمامي في الكتابة، هي قضية التربية الإسلامية،انتصارا لها وتصديا لأعدائها، وقضية القيم من منظور الإسلام.

3- الكتابة والنشر: العلاقة بين الكتابة والنشر علاقة تفاعلية، فرؤية الكاتب ما كتبه منشورا بين الناس، يشجعه على المزيد، في حالة اغتنامه للفرصة، وعدم كسله وتهاونه. والكتابة الجادة تحظى بالنشر في أغلب الأحوال، خاصة في ظل تعدد المنابر الأدبية والفكرية والأدبية.وأخلص من هذه الملاحظة حول الارتباط بين الكتابة والنشر إلى أننا إذا أردنا أن نرفع وتيرة الكتابة، في أوساطنا، لا مناص من توفير شروط النشر والعمل على تحسينها.وأقترح في هذا السياق على القائمين على هذا المركز المنيف أن يعطوا لهذه الشعبة ما تستحقه من عناية واهتمام.

4- القراءة والكتابة والمنظومة التربوية: في هذا الصدد،لابد أن نشير إلى أن المنظومة التربوية هي المحضن الذي تنشأ فيه الملكات، وتكتشف المواهب والطاقات، فبقدر ما تكون عليه تلك المنظومة من الرشد المنهجي، ومن التوازن والفعالية في عناصرها ومكوناتها وسيرها،يكون لها من الإمكانيات في إخراج المواهب وتفتيق الطاقات.ويجدر بي أن أقول بكل أسف أن منظومتنا التعليمية الحالية أصبحت تعاني عجزا ذريعا عن تخريج القراء والكتاب، لأن هؤلاء ما كان لهم أن يخرجوا من أرض مجدبة قفراء، إن تلك المنظومة الفوضوية العمياء،تجني على الناشئة وتربكهم أيما إرباك، وتجفف منابع الإبداع في نفوسهم وكياناتهم، وهي في حاجة إلى نسفها وإعادة بنائها من الأساس، على هدى وبصيرة من فلسفة تربوية إسلامية واعية،وعلوم تربوية ناجعة، إضافة إلى تطهير البيئة الثقافية والاجتماعية من الأدران والنفايات، وانتشالها مما تغرق فيه من مستنقعات، وإلى تأسيس فضاءات تسعد الناشئة وتدخل عليها البهجة والسعادة،وتخرجها مما هي فيه من ضنك وشقاء، وتيه وعماء.CERHSO :: Oujda :: مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة

lectures :: تجربة القراءة والكتابة عند الدكتور عبد المجيد بن مسعود
lectures :: تجربة القراءة والكتابة عند الدكتور عبد المجيد بن مسعود

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz