بين حجرة الدراسة و حجرة البرلمان أية علاقة؟

63184 مشاهدة

بين حجرة الدراسة و حجرة البرلمان أية علاقة؟

وجدة البوابة: نورالدين صايم

يتكون البرلمان من غرفتين ،الغرفة الأولى هي غرفة النواب و الثانية للمستشارين.ورغم أن الغرفة الثانية عددها قليل إلا أن صخبها كبير.لأنها مكونة من أصحاب الضجيج،من النقابات و باطرونا المقاولات و الغرف المهنية الخ و الغرفة الثانية تتكون من نواب الأمة الذين يختارهم الشعب عن طريق الاقتراع المباشر… وفي الغرفتين يزداد علو الضجيج إلى السماء الرابعة كلما حضر رئيس الحكومة حاليا، فيزداد الهرج و المرج مرة في كل شهر في جلسة إعطاء الحساب و المساءلة في البرامج الحكومية . و الجلسة الشهرية عادة دستورية جديدة، تكمنح لرئيس الحكومة مناسبة يطلع فيها الشعب عن برنامجه أو جزء منه أو كشف حساب لقرار اتخذ … لم يسجل الناس و لا الرأي العام الملاحظ أن تغيب فيها الرئيس عن المساءلة إلا لظرف طارئ خارج عن الإرادة.وهو يؤسس لفكرة خضوع الجميع الكبار و الصغار و الكبراء من القوم للنظام و القانون الذي يجب أن يعلو و لا يعلى عليه. كما يشرع لقانون تربوي بالدرجة الأولى كان السابقون يمتنعون أو يلوذون بالهرب و الفرار من المسؤولية، ومن المواجهة أمام نواب الأمة خوفا أو تكبرا أو استعلاء أو استخفافا بالآخر. الجلسات الحالية البرلمانية يطبعها فوران الدم من الفريقين،هكذا على ما يبدو للناظرين. يدخل رئيس الحكومة و يقدم عرضه أو أجوبته للمستشارين و بين الحين و الآخر تعلو الأصوات مقاطعة تدخل رئيس الحكومة من هذا الركن أو ذاك، تصيح بأعلى الصوت رغم نقرات الرئيس المتعددة و رغم توسلاته أو تهديداته بتوقيف الجلسة، إلا أن الأصوات العالية تستمر في التعالي و الضجيج و لا يكاد المشاهد يميز بين التدخلات و لا العبارات المستعملة … .و يتوعد رئيس الجلسة او المجلس، بإنهاء الجلسة إذا لم يعم الصمت ويخضع الجميع للهدوء ،و الاحترام الواجب للمتكلم. و كثيرا ما لجأ مسير الجلسة إلى إنهائها لعجزه عن إسكات من لا يريد السكوت . الإنصات إلى الأخر نعتبر هذه من أدبيات الاحترام للذات و الأخر، و من أسس التواصل بين المتداولين للخطاب ،و أخيرا من اللعبة قواعد الديمقراطية و جوهر التربية السليمة. ولكن لسنا إلا أطفالا رضعا في مراحل الديموقراطية، أو في أحسن الأحوال أطفالا في أول الطريق لتعلم المشي و الكلام، أو تجاوزا في مرحلة الحضانة الديمقراطية. قد يعتبر بعض النواب أن علو الصوت دليل على قوة المرافعة و الدليل ، و قد يحسبون أنهم يدافعون عن شيء مهم. لكن الشعب المتعلم يعتبر أن الصراخ هنا في قبة البرلمان لا يختلف عن الصراخ في الأسواق الأسبوعية و في الحمامات بين النساء أو بين الرجال.انه مجتمع كثير الصراخ. الصراخ هو الطريق الديمقراطي في البلدان المتخلفة لحل المشاكل المستعصية… إن الحيوانات المفترسة بدورها تصرخ و تكشر عن أنيابها لتجعل الخصوم يخافون و يهربون. و لكن في وطن الإنسان المتخلف وفي البرلمان وأمام الجمهور، فان الكائنات البشرية الضعيفة لا تخاف لملكيتها الحصانة البرلمانية أن تقول ما تريد كيف تريد متى تريد.وتعتقد أن جمهور المتفرجين من الأميين سيعجبهم هذا الأمر كثيرا. قد تلجا فصيلة من الناس التي يكون الصراخ عاليا طريقتها الوحيدة في التفاهم ولحل المشاكل كمرحلة أولى،وثانيا إن فشلت تلجأ إلى التصادم و الاحتكاك،و ثالثا إلى تبادل الضرب ،و رابعا إلى إخراج الخناجر ، وخامسا ينادى على سيارة الإسعاف…ثم المحاكم وأخيرا السجون.إنها فئة من الذين تتصف باعتقال العقل و الإفراج عن الانفعالات الحادة التي لها علاقة بالغضب و الكراهية و فقدان السيطرة كلما كانت في وضعية إثارة و هيجان . انه تسريح للانفعالات من سجنها تؤطرها الحرية المطلقة و سيادة قانون الغاب.و طبعا يكون مصير هذا الانفعالات غير المحروسة، إما في المستشفيات أو المقابر أو وراء القضبان . يبدو لي أن قبة البرلمان لا تختلف عن حجرة الدراسة من حيث الصخب و الضجيج و الهرج و المرج.و الاختلاف البسيط بين مكونات الغرفتين. الأولى(البرلمان) تتكون من المتكلم الذي يأخذ الكلمة على المنصة و أمام أجهزة الكاميرا و البث المباشر و منظم الجلسات و الوقت،و القانون الذي ينظم أخذ الكلمات في تنوعها (نقطة نظام طلب إحاطة المجلس الرد على متدخل القيام بالتدخل عرض طويل يمس سياسة الحكومة و تدخلات الفرق الخ)،و إذا تجاوز المتكلم الحدود في الوقت المخصص له ، أو اخترق النظام ينزع من مكروفونه الصوت كعقاب له. كان المنتظر أن تمر هذه الجلسات في كامل الهدوء و النظام و الاحترام للآخر(خاصة عندما يكون البث المباشر على القنوات الفضائية). و نلاحظ أن من أدبيات السيد رئيس الحكومة، أنه يحب أن لا يقاطعه أحد لأنه هو نفسه لا يقاطع أحدا.لكن بعض الأصوات تريد إراديا أن تكسر العصا من الوسط و تقاطع الرئيس رغبة في إحراجه أولا، وجعله في موقف المتلعثم الذي تنفلت العبارات من عقله ثانيا ، فيقع في ورطة أو في المحظور من الكلمات، أو يفقد السيطرة على أعصابه فيتفوه بعبارات غير لائقة تكون مادة دسمة للصحافة و للمعارضين فيشرحون و يملحون و يقددون و يأكلون و يشربون من موائدها الدسمة . و لا ننسى أن القرارات التي اتخذها رئيس الحكومة و اعتبرها الشعب لا شعبية و تسعى إلى زيادة معاناته و توسيع الهوة بين الحاكم و المحكوم، تكون مادة دسمة لأحزاب المعارضة و أحزاب من داخل الائتلاف للركوب عليها رغبة في استمالة الشارع و الناخب و تبرئة الذمة منها. مع دهشة الملاحظ كيف ينسب رئيس الحكومة بعض القرارات اللاشعبية التي تصدر من هنا وهناك لنفسه؟ هل بحثا عن البطولة أو طلبا لشهرة الشجاعة في اتخاذ القرارات المجحفة ؟كثير من هذه القرارات تعطي مساحة كبيرة النقد و الرفض من الأحزاب المعارضة و المكونة للحكومة على السواء حتى لو كانت من الأحزاب المكونة للحكومة…فالكل يبحث عن تصيد الفرص و اقتناصها و السباحة في نهر أخطاء الآخر،خاصة عندما يجود الزمان بأخطاء لرئيس الحكومة يرتكبها الآخرون و يتبناها و ينسبها لنفسه؟فكثرا من القرارات قال عنها انه لا علم له بها ؟فما ذا يعني خذا؟ المنتخبون في البرلمان لهم امتيازات عظيمة وما زالوا يطالبون بالمزيد المبالغ فيه،وهم من رجال و نساء ودع الفقر بيوتهم و ودع الجهل و الأمية عقولهم ،وجيوبهم لا تشكو من الفراغ ،و لا يعانون من سوء التغذية و لا من المرض الاجتماعي (البطالة و غلاء العيش) و لا يسكنون المنازل الاقتصادية(60مترا) ، ويفرجون عن أنفسهم بالسفريات داخل الوطن و خارجه وينفقون من دم الشعب و عرقه على كل وسائل الأكل و وسائل النقل الرفيعة و المريحة البرية و الجوية و البحرية(رغم أنهم يفضلون الجوية).و مع ذلك يصرخون و يبللون مكانهم من شدة العرق و التعرق وانتفاخ عروقهم و وجههم المحمر بكثرة الضجيج.وهم في الغالب الأعم تجاوزوا المراهقة و هم في مرحلة النضج الثانية(ما بعد 40) و مع ذلك يتصرفون كتلاميذ مراهقين في المراحل الإعدادية و الثانوية من حيث الصخب. لا أرى فرقا بين قبة البرلمان و حجرة الدراسة خصوصا عندما يصادف التلاميذ مدرسا لا يحسن الشتم و لا الضرب ولا التقريع و لا استعمال المصطلحات الزنقاوية، و يتشبع بالتعاليم التربوية المعاصرة و بالحق في الاختلاف و بالحق في الوجود ،وبالروح الديمقراطية و حسن الإنصات و التواصل،و هي صفات نشهد أن لا وجود لها، لا في البيت و لا في الطريق العام و لا في السوق و لا في الحمام الشعبي و لا في وسائل النقل العمومية.و يصر المدرس يريد أن يتعلم التلاميذ متى يتكلمون و كيف يتكلمون (التأدب ) وكيف يصغون لبعضهم بعضا و لكن دون فائدة.لأن هذه الأمور و المهارات لا وجود لها لا في البيت و لا في المجتمع. المجتمع لا يحرص على تعليمها لأفراده منذ الصغر بل يعتبر ذلك من الدلال و العناية و الاهتمام الزائد عن حده.فإذا لم توجد هذه القيم الحضارية تحت قبة البرلمان ومن أناس يعتبرون من صفوة المجتمع من حيث التعليم و المال و كل شيء جميل؟ فكيف لها أن توجد في غرفة الدراسة و مع تلاميذ يعيشون فترة بين الطفولة و الرشد،و لا يعرفون أن القانون وضع لينفذ ويحترم و ليس كي يخترق؟؟؟ مع العلم أن غرفة الدراسة، لا وجود فيها إلا للمدرس وحده أمام مجموعة من التلاميذ، و بعضهم موجود في كل فصل ،يدخل قاعة الدراسة بدون كتاب و لا أقلام و لا دفاتر و البعض منهم يدخلون وعيونهم حمر تشبه الضباع الجائعة من شدة التعاطي لحبوب الهلوسة،و لهم عزم أن يجعلوا مناخ المدرسة كمناخ البرلمان في وقت التغطية و بعد قرارات صعبة . المدرس عليه أن يقبل بالتلميذ من هذا النوع، طوعا أو كرها، و يقبل منه خشونته المبالغ فيها ، و استهتاره بالمؤسسة التعليمية و بالمدرس وبزملائه في الدراسة و بالنظام الذي يفرض على الجميع الانضباط .و على المدرس أن ينجز الدرس في جو هو صورة طبق الأصل لما يوجد في قبة البرلمان عند المساءلة الشهرية لرئيس الحكومة في قرارات تجلب الزوابع من الكلام و التحليل و النقد… عندما تعلو بعض الأصوات الرجالية و النسائية تقاطع رئيس الحكومة.مع فارق كبير أن رئيس الحكومة يسمح له بالانسحاب من المسائلة إذا رأى أنها تتجاوز حدود الأدب،و فارق آخر أن النائب البرلماني كان رجلا أو امرأة، هو في كامل النضج العقلي،و ثالثا أن رئيس الجلسة هو من يتحكم في تسيير الجلسة فيعلن رفعها إذا تجاوزت الخطوط الحمراء.أما المدرس فلا يسمح له القانون العرفي و لا المجتمعي و لا التربوي و لا الإداري و لا الجنائي بالانسحاب إذا تعذر عليه انجاز الدرس في ظروف طبيعية،وليس له الحق في التخلص من العناصر الهدامة…بل إن فعل ذلك سيلقى معارضة قوية وينعت بضعف الشخصية ويتلقى باقي الاتهامات الرخيصة من هنا و هناك ومن أصحاب المهنة أولا و قبل الآخرين … و أخيرا كل رجائنا من السادة الوزراء الذين يتكلفون بالتربية و التعليم ،أن من أدبيات و أسس الإصلاح المدرسي على اختلاف مستوياته و قبل التفكير في البرامج و المناهج و الامتحانات و التقويمات و سائر العمليات التعليمية أن نفكر في الأشياء الجوهرية وهي:أن يسود النظام والانضباط من الجميع من المدير إلى المكلف بالحراسة في الليل و النهار مرورا عبر التلاميذ و المدرسين ،وينبغي أن يسود القانون على الجميع،وأن ننظف البيت المدرسي من كل العناصر المشاغبة من جميع الأطراف التي ألفت السباحة و الاقتيات في الماء العكر…(عملا بالقول القاعدة من تجاوز القانون يعاقب ) أملا أن نجد في مدارس الغد المدرسين الجادين و التلاميذ المنضبطين الذين يعرفون أنهم أتوا للدراسة و التعلم ،و إدارة صارمة و متفهمة في نفس الوقت تتحمل كامل مسؤولياتها الإدارية و التربوية و القانونية و الاجتماعية… و على الله فليتوكل المتوكلون .و السلام على من اتبع الهدى… انتاج :صايم نورالدين

2016-01-18 2016-01-18
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير