بوضياف الذي قتله الغدر العسكري الجزائري مرتين

125602 مشاهدة

رمضان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة: “بوضياف الذي قتله الغدر العسكري الجزائري مرتين”

“جئتكم اليوم لإنقاذكم وإنقاذ الجزائر، وأستعد بكل ما أوتيت من قوة وصلاحية ،أن ألغي الفساد وأحارب الرشوة والمحسوبية وأهلها وأحقق العدالة الاجتماعية ،من خلال مساعدتكم ومساندتكم التي هي سرّ وجودي بينكم اليوم وغايتي التي تمنيّتها دائما

                                الرئيس الجزائري المغتال محمد بوضياف:  يناير1992

في الصحراء رجل مختطف:

لقد ناضل المرحوم محمد بوضياف ،كغيره من القيادات التاريخية الحقيقية لجبهة التحرير ، من أجل جزائر مستقلة، اشتراكية وديمقراطية تسودها العدالة الاجتماعية المستحقة لبنيها .كما ناضل من أجل جزائر ملتحمة ومتكاملة مع جوارها المغربي ومحيطها المغاربي والعربي.

 لكن الثورة الجزائرية على المستعمر – كما يحدث دائما مع الثورات- لم تكن حبلى فقط بهؤلاء القادة التاريخيين والشرعيين بل،أيضا، بخدج متربصين بالسلطة ومستعجلين لها ؛فأبلوا البلاء في كل شيء عدا بناء الجزائر الأصيلة الانتماء لثورتها ولشعبها ومحيطها.

هكذا فبدل أن تتخطف الجزائر المنتشية باستقلالها بطلها  محمد بوضياف ،القائد التاريخي الذي قدح شرارة الثورة ، وتُحِلَّه ،وآراءه ،الصدارة في بناء الدولة ؛اختطفه  الانقلابي أحمد بنبلة وطوح به بعيدا في صحراء الجنوب المقفرة

ليتخلص – بكل صلف وغدر- من شرعيته ،وشعبيته،ومن آرائه السديدة الداعية إلى التعددية السياسية، بحل جبهة التحرير التي حققت أهدافها،ولا مبرر لتحتكر تدبير الدولة وترسي نظاما  عسكريا دكتاتوريا أعتى من الاستعمار الذي قاومته.

في منافي الصحراء ، وفي حَمَّارَةِ الحر،عرف بوضياف ومن معه أقسى درجات الظلم المعنوي والمادي،عرف حتى الجوع – إكراها طورا ،واختيارا أطوارا أخرى ،مضربا عن الطعام لأزيد من شهر- ولم يكن له إلا أن يستسلم لذهول كبير جراء ما يقع للجزائر ؛ولم يكن لهذا الذهول ،بفعل  عمق فكرة الرجل وإرادته الحديدية،إلا أن يولد سؤاله التاريخي المشهور: “إلى أين تمضي الجزائر؟”  وهو العنوان الذي اختاره لكتابه؛ شهادة للتاريخ،وتنبؤا صادقا بكل المآلات  و المتاهات التي لا تزال الجزائر تتخبط فيها إلى اليوم ،كنتيجة للتهافت الغادر لجماعة تلمسان/وجدة.

وكما حصل مع الشاعر المتنبي الذي قتله “التزامه” الشعري الذي ذُكِّر به ذات غارة غادرة،حاول معها الفرار بجلده:

الخيل والليل والبيداء تعرفني***والسيف والرمح والقرطاس والقلم 

حصل ،بكيفية أخرى،مع بوضياف وهو يستمع،بالقنيطرة، إلى عرض كاذب لزواره ،من كبار عسكريي الجزائر-بعد مرور ثلاثين عاما على الاختطاف،والمنفى القسري والاختياري- كيف لا تهب لإنقاذ الجزائر وأنت والدها وأشهر من تساءل عن مصيرها ؟

لكن قبل أن نصل إلى اللحظة التي اكتملت فيها أركان الجريمة ،وعناصر الغدر بعنابة:29 يونيه 1992؛ لنرافق  الرجل

وهو أسير حقل الألغام الذي أهدته فرنسا الراحلة للجزائر الفتية:

في ضيافة بنبلة:

” بدأت المغامرة التي تنقل هذه المذكرات وقائعها يوم الجمعة21 يونيه1963 عند منتصف النهار.لقد خرجت من المنزل لقضاء مأرب فاستوقفني رجلان على جسر حيضرة ،وطلبا مني باسم الأمن العسكري أن أرافقهما.

طلبت منهما استظهار وثائقهما التي تثبت هويتهما ،فأسرع أكبرهما سنا ،وهو يرتجف،إلى إخراج بطاقته الخضراء …”

ثم يمضي بنا بوضياف متحدثا عن “رائحة الموت” التي شعر بها ،اعتبارا للوضع السياسي الحرج للرئاسة ،وللقلق المريب لحراسه الشاحبي اللون ،وهو لا يزال بالطابق الأرضي لفيلا بالعاصمة،في أولى ليالي الاختطاف.

في الطائرة العمودية التي أقلته صوب وادي نصرون سيجد نفسه رفقة مختطفين آخرين :علي علواش،الناطق باسم الولاية الرابعة؛موسى قبايلي ،منسق سابق لاتحادية جبهة التحرير بفرنسا ،ومن مؤلفي كتاب la gangrene(التعفن).

ثم محند أكلي،مسؤول سابق باتحادية جبهة التحرير بفرنسا.

من وادي نصرون ستنقلهم برا كتيبة من الدرك عبر مسار: سيدي بلعباس ،سعيدة ،مشرية، عين الصفراء ،وصولا الى بني ونيف ليلا ثم انتهاء إلى بشار..إنها ألف كلم تحت الشمس المحرقة.بعد هذا سيتم  الاستقرار في “تاسبيت” ،شمال أدرار عاصمة توات،آخر المواقع الجزائرية في اتجاه مالي.

سيقضي المختطفون شهورا عديدة  من العذاب النفسي والجسدي في مراكز عسكرية نائية،تفتقر لأبسط الضرورات الآدمية .لعلها مما  سبق أن أقامته القوات الفرنسية العابرة للصحراء ،وتركته عرضة لعوادي الزمن و رياح الصحراء؛

تعزف بما تبقى من أبوابه ونوافذه سمفونية الأشباح  الليلية المرعبة.

لم يكن الخبز يصل إلا لماما ،وحتى حينما يصل يكون أقرب للحجر من شدة الحر.أما الأخبار فلم تكن تسمع إلا من مذياع الحرس ،بين الفينة والأخرى.وعلى الأسطح وخلف الجدران حراس شبان في منتهى الاكفهرار ،أصابعهم على الزناد ،يقضون يومهم تحت أشعة الشمس النارية.

وكان لا بد للسجان من اختلاق مبررات لما أقدم عليه من اعتقال قادة لا تشوبهم شائبة في نظر الشعب الجزائري:

يقول بوضياف  :” يوم 26 يونيه كان بن بلة يخطب في مهرجان شعبي انعقد بالجزائر العاصمة ،بمناسبة يوم جنوب إفريقيا ،وصرح مباشرة أن الناس الذين اعتقلوا ينتمون إلى طبقة من المنتفعين الذين لم يعجبهم أننا نزعنا منهم أملاكهم؛ وحمدا لله أن أنقذ الجزائر من مؤامرة تملك حكومته دلائلها.”

وفي مناسبة أخرى اتهم الجماعة بالتخابر مع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة ؛ثم مع فرنسا ،على طريقة “تشومبي”

TSHOMBEالذي ترأس الحكومة الانفصالية في “كاتانغا’ بالكونغو..

وفي غمرة هذا الأسى يوجه بوضياف –ضمن مذكراته- شكرا خاصا للزعيم القبائلي آيت أحمد؛الذي  انفرد،من بين القادة التاريخيين،بالسؤال عن أسباب اعتقال رفاق السلاح:

“باسم إخواني أشكرك يا آيت أحمد ..ونؤكد كذلك أننا أبرياء من أية مؤامرة ؛فالمؤامرة الوحيدة والحقيقية هي مؤامرة الآخرين؛المؤامرة التي دبرت ضد الجزائر ،ضد ثورتها .انك في موقع يسمح لك بأن تعرف هذا ..وليس بوسعي أن أذكرك هنا بمناقشاتنا في قصر “أونوا ” وفي غيره ؛فتنبؤاتنا تتحقق الواحدة بعد الأخرى.”

وحينما كانت الجماعة تتضور جوعا ،مشرفة على هلاك محقق ،كان  الرئيس يتحدث عن كون المعتقلين يعاملون معاملة الملوك.

بعد سجون الصحراء نقل المعتقلون ،في 6 غشت،الى سعيدة حيث تغيرت ظروف الأسر نوعا ما ،واستفادوا من فحوصات طبية لإنقاذهم من  مخلفات الإضراب الطويل عن الطعام.

سياسيا ، تم التصويت على الدستور  وحظر حزب الثورة الاشتراكية الذي أسسه بوضياف  في شتنبر1962؛كما أفضت الانتخابات الرئاسية  إلى  فوز متوقع وكاسح لأحمد بن بلة ؛ وان لم يتوفر حتى  لوجستيك الانتخابات  في العديد من المناطق.

الحدث الآخر البارز الذي عايشه المعتقلون  في 30 شتنبر،وهم بمدينة سعيدة، يتمثل في تمرد آيت أحمد والعقيد محند أولحاج بمنطقة القبائل ،باسم جبهة القوى الاشتراكية ،وعزمهما على الإطاحة بالرئيس.

بدءا من 26 أكتوبر ،عقب نقل بوضياف الى مدينة الجزائر،سيبدأ العد التنازلي لإطلاق سراحه:

في البداية عرض عليه بن بلة ،كشرط للإفراج عنه، مغادرة البلاد إلى سويسرا؛لكنه رفض.

أما عن أسرته فيقول:“تمكنت زوجتي أثناء إقامتي بمقر الدرك ،من الحصول على إذن زيارتي ؛وهو الإذن الذي كان يسحب ويعاد ،وغالبا ما يترك لتقدير مأموري رجال الدرك ..وفق أمزجتهم….وعندما أنهكتنا هذه المضايقات المتكررة ،قررنا يوم 8نوفمبر القيام بإضراب عن الطعام ،وقد امتد إلى يوم 12 من نفس الشهر.”

وبعد أن حدد له يوم 17نوفمبر تاريخا لطرده نحو سويسرا ينهي فصول متاهته بقوله:

“كانت الساعة  حوالي التاسعة والنصف مساء ،عندما أعدت إلى بيتي على متن سيارة من نوع404،يصحبني فريطال محافظ شرطة مدينة الجزائر سابقا؛فاندهشت أسرتي التي لم تكن تتوقع رؤيتي مرة ثانية في هذا الوقت المبكر .هكذا استعدت حريتي بنفس الطريقة التي فقدتها بها ذات صباح من يوم 21 يونيه.”

بوضياف والمغرب:

حينما اندلعت حرب الرمال، التي تزامنت في الجزائر مع التمرد العسكري لجبهة القوى الاشتراكية في منطقة القبائل ،وقرب مداهمتها من قبل قوات أحمد بن بلة ؛كان بوضياف لا يزال أسيرا في سعيدة.ومن البديهي أن ترتبط قراءته للحرب بين البلدين الجارين بهذا المعطى، يقول:

“اتخذ هذا العمل شكلا أخطر على النظام ،مع قيام جبهة القوى الاشتراكية،ودعوتها إلى الكفاح المسلح .لقد اشتعلت حرب الحدود بشكل غريب في الوقت المناسب .كانت هذه مناورة قديمة قدم العالم ،وتوجت مرة أخرى بالنجاح”.

أما في ما يخص الجانب المغربي فيتوقف عند المعارضة اليسارية  الضاغطة على  الملك الحسن الثاني .ولا يخفي امتعاضه من تقاربها مع أحمد بن بلة وتوجهاته الإيديولوجية ،دون فهم دقيق لما يجري في الساحة الجزائرية؛معتبرا هذا من أخطاء المعارضة المغربية .

وبناء على هذا يبلور خلاصة كون حرب الرمال –ويؤكد أنها نتجت عن تحرشات جزائرية- أفادت النظامين معا ؛لأن إثارة النعرة الوطنية في الجزائر جعلت العقيد محند أولحاج يوقف التمرد ويتوجه بقواته إلى الحدود مع المغرب.وفي الجانب المغربي وجد اليسار  الاشتراكي الفتي نفسه في حرج كبير لا يمكن معه الا أن يدخل طموحه السياسي الاشتراكي ،مرحليا ،إلى الثلاجة.

وقبل كل هذا – ومما له دلالته السياسية- يتوقف  بوضياف عند إلحاح المغرب ،المتكرر، على إثارة مسألة الحدود؛بدءا من المرحوم محمد الخامس ،ووصولا إلى المرحوم الحسن الثاني الذي واصل إثارة المسألة في أكثر من مناسبة  مقترحا :

“تشكيل لجنة من التقنيين تكلف بإيجاد أفضل السبل إلى حل عادل ومنصف ،وهذا إما بإجراء مناقشات قصد إحداث تعديل ترابي ،وإما بتوقيع اتفاق اقتصادي أوسع يجعلنا نتجاوز المسألة بشكلها هذا.” 

ماذا بقي من بوضياف؟

سيواصل  الرجل الثبات على مبادئه مجتهدا في الإدلاء بتحليلاته  الاشتراكية العلمية للواقع الجزائري من جميع جوانبه ؛وسيحكم عليه سنة 1964بالاعدام من طرف نظام بن بلة؛مما دفعه الى مغادرة الجزائر صوب فرنسا ثم المغرب.

تواصل نشاطه السياسي ،كما تواصلت محاضراته المتمحورة حول أطروحته لإنقاذ الجزائر،وفي نفس الوقت واصل إشرافه على  “الجريدة”.

عقب وفاة هواري بومدين سنة1979 حل حزب الثورة الاشتراكية ،واستقر بمدينة القنيطرة المغربية ،مستثمرا في

صناعة الآجر brique ؛وكأن قدره ألا يبتعد أبدا عن مجال البناء.

وحينما عاد الى الجزائر رئيسا وشرع في حفر الأسس

لإعلاء صرح الدولة من جديد – موازاة مع إنقاذها من حرب أهلية  خبيثة – بدا أن رجال الظل،من العسكريين الأقوياء ،وباقي لوبيات الفساد المالي،دون رهانه الكبير ؛الذي تبلورمنذ اللحظة التي تسلم فيها البطاقة رقم 1  من جبهة التحرير الوطني،مؤسسا لها وقادحا لشرارة الثورة.

واليوم لم يتبق للجزائر والجوار المغاربي غير مشروعه الكبير ؛شاهدا على أن مناضلا مغاربيا كبيرا مر من هنا.

ومن سخرية الأقدار أن ترمينا الجزائر  ،اليوم،بالرصاص ،في الوقت الذي “نحتفل” فيه بذكرى تأسيس المغرب العربي.

نُذَكِّرها …وتُذَكرنا هي بجغرافية حرب الرمال. تحية لكل عائلة بوضياف التي أحبت المغرب فبادلها حبا بحب.

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz