بنكيران يستقوي على الضعفاء

25901 مشاهدة

د. محمد الجناتي، باحث في العلوم القانونية والإدارية والسياسية/ وجدة البوابة: وجدة في 20 يونيو 2012، 

أسد علي وفي الحروب نعامة *** ربداء تجفل من صفير الصافر.

    هذا البيت الشعري يُقال في وصف من يستأسد على الضعفاء ولا نسمع له صوتاً أمام الأقوياء. وهذا كان حال حكومة السيد عبد الإله بنكيران، حيث أبانت القرارات التي اتجذها منذ توليه رئاسة الحكومة على استقوائه على فئات الشعب الفقيرة وعجزه أمام المتنفذين الفاسدين. وإليكم الدليل:

– إخراج وزيره في النقل للائحة المستفيدين من المأذونيات والتي تظم  فئة هشة تحتاج إلى دعم ومساعدة، والاكتفاء بهذا الإجراء عوض فضح اللوائح الأخرى المتعلقة بالمأذونيات الكبرى التي يتمتع بها أشخاص نافذون في المؤسسة العسكرية وفي محيط الملك. بل أكثر من ذلك لم يحرك رئيس الحكومة ساكنا بخصوص مصير هذه الامتيازات. لذلك نتساءل عن الجدوى من نشر اللوائح إذا كانت الحكومة عاجزة عن المساس بأصحابها.

– خلق جعجعة بلا طحين حول دفاتر التحملات المتعلقة بالقنوات المرئية المغربية، خاصة القناة الثانية، حيث استبشر المغاربة خيرا من ذلك، آملين أن يتم وضع حد للفساد المستشري داخل هذه القناة، بدءا بالبرامج التافهة التي تبثها بتمويل من جيوب الفقراء واليتامى والأرامل، مرورا باستحواذ عينة من المنتفعين بإنتاج البرامج المدبلجة والمهرِّجة، وانتهاء باستبداد أشخاص معينين داخل القطاع. لكن الحقيقة المرة كانت عدم القدرة على زعزعة الأوضاع قيد أنملة، لأن اللوبي المتحكم في الإعلام أقوى من الحركات الشعبوية التي يقوم بها السيد بنكيران لإظهار عضلاتة على فئات الشعب ذوي الثقافة المحدودة ودغدغة عواطفهم. والنتيجة كانت دعوة الملك الثلاثي عبد الإله بنكيران وعبد الله بها ومصطفى الخلفي إلى القصر وتحذيره إياهم من تجاوز الخطوط الحمراء.

– استقواء وزيره في التعليم العالي على الموظفين البسطاء الراغبين في متابعة الدراسة في الجامعات وتحسين وضعهم المعرفي والعلمي، وتكبيلهم بمجموعة من الترخيصات والعراقيل (ضرورة الحضور، ترخيص للتسجيل بالجامعة، ترخيص للتسجيل بالماستر…)، عوض محاربة لوبيات الفساد بالجامعات، التي حولت هذه الأخيرة إلى مقاولات للعقار والبناء والهدم والمتاجرة بالدبلومات.

– عدم وفاء بنكيران بالوعود التي قطعتها الحكومة السابقة مع المعطلين حاملي الشواهد العليا، والتي التزمت بموجبها بتوظيفهم من خلال اتفاق مكتوب وموثق بمحضر، ضاربا بعرض الحائط مبدأ استمرارية الدولة واحترام هيبتها من خلال احترام التزاماتها مع الأطراف الأخرى. بل أكثر من ذلك تم الاعتداء على هاته الفئة المثقفة، وتم سحل الفتيات في الشارع العام على مرأى ومسمع من كل وسائل الإعلام.

– لقد صدَّع لنا رئيس الحكومة رؤوسنا برغبته في ملاحقة الفساد والفاسدين وتغيير الأوضاع المزرية القائمة، فماذا حصل ؟

عوض إرجاع الأموال العامة المنهوبة والمسروقة في عدة قطاعات (القرض العقاري، الخطوط الجوية، التعاضدية..)، وعوض تخفيض أجور الموظفين السامين  التي تفوق 3 ملايين سنتيم شهريا (الوزراء، العمال، الولاة، السفراء، البرلمانيين، رؤساء المؤسسات العمومية، رؤساء الجامعات والأكاديميات والمشتشفيات…)، سارع السيد بنكيران إلى الاستقواء على الفقراء باتخاذه إجراءات متهورة. حيث زاد في أسعار البنزين والكازوال. فإذا كانت الحكومات السابقة تزيد 20،0 سنتيم بشق الأنفس، فإن الحكومة الحالية لم تستحي من زيادة درهمين في سعر اللتر الواحد من البنزين، مبررة ذلك بأن الأغنياء هم الذين يستفيدون من دعم الوقود، ناسين أو متناسين أن أكثر من نصف سكان المغرب يستعملون الدراجات النارية التي تستهلك مادة البنزين؛ والباقين يركبون الحافلات والناقلات وسيارات الأجرة التي ستزداد أسعار تذاكرها. كما أن أسعار المواد الغذائية سترتفع بدورها، وليس كما برر بنكيران ذلك في برنامج ضيف خاص المتلفز في 06 يونيو 2012، حيث تحدث عن أسعار الموز في العاصمة الرباط، وكأن مشاكل المغاربة تنحصر في أسعار الموز. أضف إلى ذلك أن كل من يملك سيارة ليس غنيا بالضرورة، وأن الأغنياء المستهدفين من هذه الزيادة لم ولن يعيرونها أدنى اهتمام، لأنهم ببساطة ميسورون وغير متأثرون بها.

     كنا ننتظر من السيد عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة التي تولت السلطة إبان الربيع العربي الذي أسقط عدة دكتاتوريات فاسدة، أن يحارب بدوره الفساد كما وعدنا بذلك خلال الحملات الانتخابية، وأن ينزع الأموال من الفاسدين ويسلمها لفئات الشعب المحرومة، وأن يحارب مهرجان موازين الذي يُرَوِّجُ لثقافة التفاهة والرقص والميوعة، كما كان يفعل في المعارضة، وأن يفرض ضرائب على الثروة وأن يمنع الإعفاءات الضريبية عن الشركات الكبرى وأن يُدخِل الأبناك الإسلامية إلى البلاد لتنافس الأبناك الربوية التي تستعبد المواطنين المغاربة، وأن يصلح قطاع الإعلام الفاسد وأن يحد من الأجور الكبرى (راتب المدرب كيريتس أكثر من 250 مليون في الشهر)، وأن يحد من ميزانية القصر الخيالية، والتي تَحَدَّثَ عنها بتفصيل الصحافيان الفرنسيان إريك لورو وكاثرين كرازيي في كتاب “الملك المفترس “Le Roi prédateur، (عوض الإكثار من قال لي الملك وتحدثت مع الملك واتصل بي الملك وتفاهمت مع الملك و…)، لأن المغاربة انتخبوك لكي تَحْكُمَ وتَُسِّيَر وتتخذ القرارات الجريئة، لا لكي تمتص غضب الشعب من النظام المخزني، وتُبَرِّر  وتستكين وتستسلم.

    إن الشعوب تقوم بالثورات من أجل العيش الكريم والرخاء وتدني الأسعار وارتفاع القدرة الشرائية، وليس العكس كما يحدث في المغرب، حيث أوصلت ثورة شباب 20 فبراير الحكومة الملتحية إلى السلطة، هاته الحكومة استقوت على الضعفاء وبقيت عاجزة أمام نفوذ لوبيات الفساد.

    نوجه هذا النقد إلى السيد بنكيران لأننا نحبه ولا نريد لحزبه أن يلقى نفس مصير حزب الوردة التي تدجَّنت وفقدت أشواكها وأصبحت مجرد تجمع للانتهازيين الوصوليين الذين ضحوا بحقوق الجماهير الشعبية من أجل التصالح مع المخزن والتقرب منه. فحذاري من دروس التاريخ، لأن فشل حزب العدالة والتنمية في تحقيق تغيير جذري يخدم أغلبية أفراد الشعب المغربي سيكون كارثيا على مستقبل البلاد والعباد، وسيدخل الوطن في غياهب المجهول، وهذا قد يؤدي إلى وضعية كارثية لا يمكن التنبؤ بعواقبها، ولعل أسوءها اندلاع ثورة هوجاء قاتلة تأتي على الأخضر واليابس، لا تبقي ولا تدر، تقيم الدنيا ولا تقعدها، كما تنبَّأ بذلك تقرير  الخمسينية في كتاب “المغرب الممكن”، عندما تحدّث عن الصورة السلبية لمغرب 2025.

بنكيران يستقوي على الضعفاء
بنكيران يستقوي على الضعفاء

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz