بمناسبة اليوم العالمي للتضامن الإنساني 20 دجنبر من كل سنة: من اجل استدامة ثقافة التضامن المواطناتي

19872 مشاهدة

د. سالم تالحوت ( باحث في العلوم الانسانية)/ وجدة البوابة: وجدة ي 26 دجنبر 2012، يفترض ان يعقب احتفال المجتمع الدولي باليوم العالمي للتضامن الإنساني ـ يوم 20 دجنبرـ بصياغة نظرة للنشاط التضامني ليكسب مدلوله الإنساني، وتشكيل رؤية تتأسس عليها الاستدامة لمواجهة المعاناة.

 غير أن الاحتفال غدا ـ على مر السنين ـ مجرد مناسبة، تحتكر فيه  المؤسسات والفئات المتسلطة الكلمة، وتتنصل من مسؤوليات التضامن، لتظل غالبية ربوع المعمور تعاني التفاوتات. ومساهمة في قراءة الحدث يمكن الإشارة إلى ما يلي:

  1. يرتبط ما تحقق من التلاحم الاجتماعي بمادرات محلية، رعتها الدولة المدنية تنفيذا لمسؤولية ناتجة عن تضامن الافراد، او مبادرة رسمية، استمدت شرعيتها من التماهي مع مصالح الافراد. فالتضامن عملية تشاركية، مبنية على وعي الافراد بواجب الضريبة لتمويل السلطة كانت محلية قبلية او جهوية… مقابل حقوق.

  2. ويعبر التفاوت الافقي الجهوي عن ضعف الاستثمار في قاطرة التضامن، ينتج حركة نزوح الساكنة من المناطق الفقيرة الطاردة، نحو المناطق الغنية المستقطبة.

كما ينمي عموديا الحقد الطبقي، واحيانا ابتزاز فئة عرقية، او انفصالية، او متحكمة، او لوبي نافذ مسخر للمؤسسات والخيرات، او محتكر لامتياز تاريخي او روحي، يجعله فوق اعتبارات التضامن.

  1. فكلما تواجدت الدولة المدنية محليا، كلما كانت فاعلة في التضامن، وسعت في بلوغ استدامته. ويتضح ذلك من مبادرات مجابهة الكوارث الطبيعية، والازمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وكلما فقدت الدولة صفة المواطنة، أضاعت قيم الاندماج التي يعتبر الضامن فيها أسنى مؤشرات التحضر.

  2. إلا أنه لابد من تسجيل الفرق بين التضامن والتكافل والإحسان… فالإحسان يتخذ طابعا مناسباتيا محدود التأثير كأضحية العيد، وكسوة الفطر، وحريرة رمضان… أحيانا تفتر وتبرد. اما الإحسان المستمر الجماعي يصبح تضامنا، وإذا بقي مناسباتيا وفرديا ظل عملية احسانية  محدودة في الزمن والمجال. والعمل الإحساني أقل وقعا واستمرارا من العمل التضامني الجماعي، فالأول قد ينقطع بسبب مشاكل أو مزاج أو قضاء المانح، أو نضب ما بيده.

  3. وقد يخفي المانح طموحاته الشخصية وراء قناع الاحسان للوصول إلى مآربه الشخصية. اذ يرتبط المستفيدون بالأشخاص. أما التضامن فيتميز بالتخطيط الجماعي، ودراسة الاحتياجات، وتنفيذ المشاريع، ورقابة جماعية، وتقييم محايد للمنجزات. اذ يرتبط الأشخاص بمؤسسات تملكهم إدارة العمل. وقد لا يتصلب الفريق في تغيير سياسة التدخل وتعديل المحاور.

  4. ولا يبتغي نفي قيمة مبادرات الإحسان، ولا طعن مضامينه. لكن ينبه إلى عدم الاستدامة. لذلك يحيل الاستفهام إلى طبيعة التضامن الممارس. باعتباره قيمة إنسانية أصيلة، لا تنضب. إلا أنها تتراخى لعوامل:

ـ الجهل بالمجال الذي يمكن التدخل فيه. لكون الكثير من المتبرعين مبتدئون وفي أمس الحاجة للتوجيه.

ـ استفراد صوري لبنيات الدولة، يرهن الانتظارات بالمبادرات الرسمية، مقابل ترهل التطلعات التضامنية الذاتية،

ـ احتواء السلطة للمحسنين، وتعبئة المانحين، وتخويف كل من يتبرع، ويحسن خارج يافطتها. وإحباط المبادرات، وإقبار تجارب المنافسين.

ـ اضمحلال الثقافة التضامنية في أبعادها الدنيا أمام هول المطالب الكبرى لفئات اجتماعية موسعة، وفي قضايا ذات الحاجة المستمرة، يؤدي إلى تراكم المعضلات.

ـ غياب وسائل التحفيز والتشجيع والدعم والتشارك العمومي في المبادرات الخاصة.

ـ غياب التخصص، اذ تتضح الحاجة حسب الأجيال والفئات، وتبادل دور تحمل أعباء الإعالة العكسية، فقد ولى زمن الهرم السكاني الفتي، تعول فيه عاطفا أقلية العمال أغلبية من الأطفال، وغدت البشرية على عتبة مرحلة اجتماعية، تنذر بارتفاع فئة الشيوخ تعيلها اجبارا أقلية نشيطة.

ـ صعوبة تحديد الجوانب الإنسانية في الخصاصة، وبدون الرعاية الرسمية للحاجيات الأساسية، يستعصي تحقيق إشراك الجميع. ومن تم تستحيل الاستدامة ليفقد التضامن جوهره حينما يقزم في يوم لإلقاء خطابات تبقى حبرا، ووعود لا ترى النور.

  1. فالدولة هي المنتج لثقافة التضامن، وتخريج المتضامنين ورعاية تضامن الأجيال الثلاثة في إطار مجموعات، حسب:

ـ وحدة التخصص ( الطلاب، رجال التعليم، الأطباء، الحرفيين…) ويعد العمل النقابي والتعاوني من أشكال تنظيم التضامن. إلا انه يركز على المصلحة المادية والمعنوية المشتركة لهذه الجزر البشرية دون غيرها.

ـ وحدة العمر، اذ نجد جمعيات وأندية الأطفال والعجزة وكبار السن والمتقاعدين والخريجين والباحثين…

ـ وحدة الوضع الخاص كالمرض ( السكري، السرطان، الايدز،… ) والسكن، والبطالة…

ـ وحدة الاحتياجات الخاصة كتكتل ذوي الإعاقات الحركية والذهنية والنفسية.

ـ ويمكن الحديث عن مستويات دنيا ومتوسطة وعليا في التضامن؛ فحينما يتعلق الأمر بالقضايا الفرعية نتضامن على المستويات السفلى جزري أفقي، وقد نتضامن على مستوى عمودي، ونستحضر المواقف والمبادئ السياسية. وأحيانا نتضامن بلا حدود حينما يتهدد الوطن الإطار الجامع، والثوابت المؤطرة لوجود كياننا.

ـ وقد مكن التضامن العفوي حل أزمات السكن، والربط بشبكات الماء، والكهرباء، والصرف الصحي، وجلب تجهيزات التعليم والصحة…

ـ كما تمكنت أشكال التضامن من خلق صناديق ضمان التقاعد، والتغطية الصحية، وتنصيب هيئات للدفاع عن الحقوق.

  1. إلا أن الكثير من الفئات الهشة والمشكلة للقاعدة العامة للمجتمعات ظلت على هامش التأطير التضامني بسبب:

ـ انعدام الوعي بفوائد التضامن في رفع الأضرار، وفشل التجارب في الاستمرار،

ـ وعدم الدعم والمساندة ومرافقة السلطات العمومية للتجارب الوليدة،

ـ وفقدان الثقة في بعض المبادرات والمقترحات، والتخوف من الاحتيال، وغموض الأهداف، وتغليب الأنانية…

ـ الافتقاد إلى القيادات الميدانية القادرة على المضي في درب التضامن

ـ الخلط بين العمل التضامني الإنساني، وتمرير المواقف الإيديولوجية بشكل منفر.

ـ التمييز بين المؤسسات؛ اذ تحظى المقربة من الجهة الحاكمة بإغداق الدعم، ومعاقبة الرأي المخالف.

ـ تنتهي أفعال التضامن بمجرد تحقيق الهدف المنشود، دون أن تمتد في انجاز مشاريع مستجدة، تستمر في الأجيال اللاحقة، والمجالات المشابهة.

ـ الكثير من البقاع تواجه نتائج المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية… دون التفاتة المركز.

ـ التضامن استباقي يتوقع ملفات يتعاقد في مواكبتها

ـ لم تبتدع السلطة المحلية أساليب تشجيع المبادرات التضامنية المحلية التي اندثر روحها مع اختفاء بعض الفعاليات الكاريزمية، وتفكك البنيات الاجتماعية المحلية التقليدية…

  1. وبحثا عن إعادة أحياء قيم التضامن تبرز ضرورة الانتباه إلى فائدة الدور المرحلي للسلطة العمومية في:

ـ تحديد الأحواض، التي تتطلب المبادرات التنموية.

ـ ضمان الاستمرارية بإعادة الإنتاج المحلي، ونقل التجارب بين الأجيال. فهي خزان التجارب، وتكوين الأجيال المتعاقبة.

ـ بسترة صعوبة اكتشاف الحاجيات المرافقة لتحولات اقتصادية واجتماعية تمس الخصائص المحلية. فهي موجه ذكي إلى الحاجيات الجديدة.

ـ مؤشرات التنمية البشرية، وترتيب الدول يقوم على أمد الحياة والتمدرس والدخل الفردي. لذلك تتمحور مبادرات التضامن حول الرفع من هذه المؤشرات العالمية. دون الانتباه إلى مؤشرات محلية أكثر إلحاحا كالقيم.

ـ والدولة هي المسئول عن تضامن المناطق الفقيرة والغنية، وتحقيق التوازن المجالي.

ـ كما تكفل التضامن بين الطبقات الاجتماعية وتقليص الفوارق الاقتصادية، بإعادة توزيع الثروات، لمحو التفاوت بين الفئات الغنية والفقيرة.

ـ والتضامن ـ في صورته المستدامة ـ قيمة تفرض تقاسم النعم، والتحمل الجماعي للنقم. مما يساعد على خلق مجتمع متماسك بتضامن طبقاته، تنمحي معالم تفاوتات جهاته في السراء والضراء. وتخلق مجتمعا قويا، يهب موحدا لتجاوز الإكراهات، ومحو بؤر الضعف. وآنذاك يقو بشكل مستديم على أن:

ـ يتحمس لمحاربة الرشوة، وقطع دابر الابتزاز

ـ ينهض للقضاء على الفساد الإداري، والزبونية في التوظيف، ويحد من عقليات اتخاذ قرارات تخدم فئة أو جهة، ويواجه الهشاشة والخصاصة…

ـ يستبسل في حماية الثروات، والملك الجماعي من الترامي والتطاول لتطويعها لمصالح شخصية أو فئوية أو جهوية.

ـ يتكتل ضد محاولات تمزيق المجتمع، أو المساس بسيادته الترابية

ـ معبأ لمواجهة أية محاولة تستهدف النيل من مقدساته الوطنية، والدينية ورموزه التاريخية، وزعزعة استقراره.

  1. لكن للتضامن حدود؛ فلا يمكن أن يتم خارج  المجمع عليه، بذريعة الحرية الفردية الدينية والسياسية والفكرية… كما انه لا يمكن التضامن مع من يناضل ضد الإنسانية وليس فقط ضد سلطة ظالمة.

  2. بمناسبة اليوم العالمي للتضامن الإنساني 20 دجنبر من كل سنة: من اجل استدامة ثقافة التضامن المواطناتي
    بمناسبة اليوم العالمي للتضامن الإنساني 20 دجنبر من كل سنة: من اجل استدامة ثقافة التضامن المواطناتي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz