بعض من المشترك التاريخي المغربي الإيطالي..

وجدة البوابة16 أكتوبر 2019آخر تحديث : منذ شهر واحد
بعض من المشترك التاريخي المغربي الإيطالي..
رابط مختصر

توجهت جهود عدد من الباحثين المؤرخين المغاربة أثناء العقود الثلاثة الأخيرة لدراسة العلاقات المغربية الأوربية ورصد تجلياتها أثناء القرن التاسع عشر، الورش العلمي الذي كان بأثر معبر في إغناء وتمكين المكتبة التاريخية المغربية من سلسلة إصدارات بقيمة مضافة عالية، ملأت فراغاً حقيقياً من أثناء مقاربتها لجوانب هامة من زمن العلاقات الخارجية للمغرب في ارتباطه بالضفة الغربية للبحر المتوسط حضارياً أثناء هذه الفترة.

ولعل مما تمحور حول المشترك التاريخي المغربي الإيطالي مؤلَّف “العلاقات المغربية الإيطالية” للباحثة المؤرخة بهيجة سيمو، الذي جاء بأزيد من ثمانمائة صفحة ضمن منشورات اللجنة المغربية للتاريخ العسكري، وقد تقاسمته إشكالات تاريخية عدة جمعت بين سياق علاقات دولية عامة ومصادر إيطالية حول المغرب، كذا علاقات البلد مع إيطاليا من أثناء الأرشيف الفرنسي والإيطالي وأرشيف الفاتيكان؛ فضلاً عن وثائق ومستندات مغربية ورحلات سفارية ومذكرات وغيرها. مع أهمية الإشارة إلى أن زمن المؤلَّف يبدأ من نهاية ستينيات القرن التاسع عشر، تاريخ أول مشروع عسكري إيطالي استهدف تأسيس مستعمرة في جنوب المغرب حتى فرض الحماية الفرنسية عليه.

والدراسات التي تناولت العلاقات المغربية الخارجية، سواء في الفترة الحديثة كما بالنسبة للعلاقات المغربية العثمانية من أثناء عبد الحفيظ الطبايلي، أو الفترة المعاصرة، مثل المغرب وبريطانيا العظمى أثناء القرن التاسع عشر لخالد بن الصغير، أو العلاقات المغربية الأمريكية الجنوبية لسمير بوزويتة، كذا العلاقات المغربية الأمريكية من أثناء التمثيل الدبلوماسي لمحمد بن هاشم، والعلاقات المغربية الصينية لميمون مدهون؛ فضلاً عن إسهامات في نفس الاتجاه شملت العلاقات المغربية البرتغالية والهولندية والألمانية والإسبانية والفرنسية وغيرها، تلك التي كانت بفضل في إغناء المكتبة التاريخية المغربية بأطروحات هامة.

وإذا كانت هذه الأعمال العلمية قامت على قاعدة هامة من المصنفات والوثائق الأجنبية، فنفسه النهج الذي اعتمدته صاحبة مؤلف “العلاقات المغربية الإيطالية”، وفق حذر علمي لمِا احتوته هذه الوثائق والدراسات الأجنبية من خلفيات ومعطيات بحاجة إلى تدقيق؛ علماً أن من الدراسات الإيطالية حول مغرب هذه الفترة ما كانت على درجة من الموضوعية، كما بالنسبة لـ”للينا مدلينا شيزوتي فيرارا”، صاحبة مؤلف “في المغرب .. ذكريات شخصية لحياتي الخاصة”، والتي تظهر بنوع من الانضباط في أحكامها: “إنه على الرغم من تعدد .. الذين حاولوا بناء صورة مغرب القرن التاسع عشر، فقد ظل هذا البلد متعدد التناقضات غريبا تجهل مكوناته الكثير من البلدان الأوربية، إذ لم يستطع أحد من كتابها أن يلج إلى عمق هذا الشعب الذي يعتبر من أقدم الشعوب، فهو بدائي بسيط وفي الوقت نفسه شرس ومرهف الحس، ساذج وحاد الذكاء قادر على التغلب على أخطر الملابسات”.

وحول العلاقات المغربية الإيطالية من الأصول حتى نهاية ستينيات القرن التاسع عشر، أوردت بهيجة سيمو أن انفتاح المغرب على حوض المتوسط جغرافياً جعله موقعاً لأطماع عدة أجبرته على التواصل والتفاعل التجاري، وأن من الأحداث المتوسطية ذات العلاقة بالمغرب وبالأثر عليه في بداية العصر الحديث، هناك سقوط غرناطة 1492 واحتلال إنجلترا لجبل طارق 1701 ثم فتح قناة السويس 1869. كلها تطورات كانت وراء تزايد صراع الأوربيين بالبحر المتوسط وتسابقهم من أجل تقاسم الشمال الإفريقي، ما التحقت به إيطاليا بعد تحقيقها لوحدتها فكان المغرب واجهة متوسطية توجهت إليها أطماعها.

وتذكر الباحثة بهيجة سيمو أن العلاقات المغربية الإيطالية انبنت على أهمية الموقع الإستراتيجي للبلدين في البحر المتوسط، وعلى المشترك القديم الذي يعود لفترة الوجود الروماني بالمغرب، كما تشهد على ذلك أطلال وليلي. وإذا كانت هذه العلاقات ازدهرت أثناء العصر الوسيط تجارياً فإن ما سجل على عهد مولاي إسماعيل هو تراجعها لفائدة فرنسا من أثناء اتفاقيات همت جوانب عسكرية سياسية وتجارية، لتنتعش أثناء القرن الثامن عشر، مستفيدة من سياسة انفتاح السلطان محمد الثالث، والتي تكللت بتوقيع اتفاقية صداقة وتجارة مع البندقية سنة 1765.

وبقدر ما كانت إيطاليا من الدول الممثلة في المغرب بسلك قنصلي منذ العصر الوسيط، بقدر ما كانت من البلدان الأولى التي أوفد إليها السلطان محمد الثالث بعثة سفارية برئاسة محمد بن عثمان المكناسي صاحب “البدر السافر لهداية المسافر إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر”، ما شكل تفاعلا مغربياً إيطالياً وتواصلا حضارياً بين البلدين وأرضية لما هو بيني من علاقات. فخلال القرن التاسع عشر، مدة تزايد الأطماع الأوربية حول المستعمرات، تحول البحر المتوسط إلى مجال لصراع سياسي واقتصادي في وقت كان المغرب عاجزاً عن التصدي للغزو الأجنبي. وعليه تغيرت بعض مواقف السلطان مولاي سليمان من سياسة الاحتراز ومن الدويلات الإيطالية، بدليل رسالة شكر وجهها إلى ملك جنوة إثر ما قدمه من مساعدة لتاجر مغربي يدعى “الفاسي ولد مكوار”؛ ما يعني تحسن العلاقات المغربية الإيطالية من أثناء سلسلة اتفاقيات أبرمت لأول مرة أو تم تجديدها في عهد السلطان مولاي عبد الرحمان؛ هذا في وقت عرف المغرب والمنطقة المغاربية حدثين هامين تمثلا في احتلال فرنسا للجزائر، ثم انهزام المغرب في إسلي.

مع أهمية الإشارة إلى أن ظاهرة الحماية القنصلية بحسب بهيجة سيمو شكلت إحدى القنوات التي ارتكزت عليها إمبريالية إيطاليا في المغرب منذ القرن الثامن عشر، في ارتباط بسياسة انفتاح السلطان محمد بن عبد الله. وأن نمو مصالح إيطاليا التجارية في المغرب ساهم في اتساع تمثيلها الدبلوماسي والقنصلي به، إذ استقر هؤلاء في مدن سلا وطنجة والصويرة.

وحول تجليات الأطماع في المغرب ضمن التنافس الأوروبي حول مجاله أثناء القرن التاسع عشر،

من المفيد الإشارة إلى تركيز إيطاليا على جنوب المغرب (واد نون) على أساس بعده عن الحكم المركزي، من أثناء إستراتيجية الجنرال “سكوفصو” التي اعتمدت عرض القوة البحرية في بعض سواحل المغرب، لتقوية مكانة الدبلوماسية الإيطالية ومعها “المحميون” وإقامة مستعمرة إيطالية بالمنطقة الجنوبية، وهو ما فشل تقنياً ودبلوماسياً إثر تحول الشواطئ المغربية إلى مجال لأطماع فرنسية وانجليزية وألمانية وفق ما خلصت إليه الباحثة.

وفي عهد السلطان الحسن الأول حدث تبادل دبلوماسي بين البلدين (سفارة سكوفاصو إلى فاس 1875) (سفارة محمد الزبدي إلى أوربا 1876). وكان رهان السفارة المغربية التي كانت إيطاليا معنية بها إثارة مشكلة الحماية القنصلية. وتذكر الباحثة في مؤلفها حول العلاقات المغربية الإيطالية ما تعرضت له السفارة المغربية إلى إيطاليا من تشويش وبلبلة، إثر ما قام به اليهودي”جول مونج” الترجمان والمحمي الفرنسي الذي رافق سفارة الزبدي، مدبر عملية سرقة هدايا سلطانية للملك الإيطالي لضرب تعاون البلدين. ولعل للقضية علاقة بإستراتيجية فرنسا لتحقيق أهدافها وإقصائها لباقي منافسيها في المغرب.

وبقدر الأبعاد الاقتصادية الإيطالية في المغرب ورغبتها في ردع التنافس الفرنسي الإنجليزي وإيجاد موقع في المغرب، بقدر اعتمادها على حماية قنصلية للتوغل في المغرب، توجهت بها لفئة اليهود المغاربة لانتزاع أقلية ثرية بالبلاد والاستفادة من دعمها للاتحاد العالمي الإسرائيلي. ومسألة الحماية القنصلية، إن من حيث أضرارها وخلفياتها أو ردود فعل المغرب تجاهها، كانت بأثر في تعميق العلاقات بين البلدين منذ نهاية القرن التاسع عشر، فضلا عن رغبة المخزن المغربي في تحديث هياكله عن طريق تكوين بعدد من الدول الأوربية منها إيطاليا.

ولعل من مجالات تعاون المغرب وإيطاليا منذ نهاية ثمانينيات القرن التاسع عشر حتى فرض الحماية الفرنسية على البلاد محاولات انخراط إيطاليا في ما كان بصدده المغرب من إصلاح وامتيازات لفائدة الدول الأوربية الأخرى؛ فخلال هذه الفترة أوردت الباحثة أن بعثة عسكرية إيطالية استقرت بالمغرب، فضلا عن تكوينها لأطر مخزنية تكلفت بصنع الأسلحة وسك العملة لتظل مقيمة بالمغرب إلى حدود 1912.

وحول تجليات العلاقات المغربية الإيطالية أثناء القرن التاسع عشر ما قام به الوزير المفوض الإيطالي في طنجة “سكوفاصو” عندما أهدى للسلطان رشاشا ليظهر له آفاق التعاون العسكري الأكثر نفعا بين البلدين؛ بل اقترح إقامة معمل للسلاح بفاس تحت إشراف تقني إيطالي، وهو ما اعتبر من وجهة نظر المخزن المغربي جاء لإعاقة توجهات الدول الإمبريالية ومراميها وضمان توازن القوة بالمغرب؛ ولذلك كانت إيطاليا محط اختياره. وبقدر ما عمق هذا التقارب والتعاون المغربي الإيطالي العسكري الصراع بين إيطاليا وفرنسا بحكم المصالح الإستراتيجية للبلدين في المغرب، بقدر ما دفع لتبادل مجموعة من السفارات (سفارة كنطاكلي إلى تطوان 1889) (سفارتي المزامري 1890 وعبد السلام بن برشيد الشاوي إلى إيطاليا 1892).

وبلغت الاستعانة المغربية بإيطاليا أوجها عام 1891، عندما طلب المغرب منها صناعة سفينة حربية له سميت “بشير الإسلام بخوافق الأعلام”، فضلاً عن سك عملة نحاسية بفاس وتحقيق مشروع بنك وإنجاز مشروع سكة حديدية، إضافة إلى مشاريع أخرى تخص الهاتف، إنارة القصر السلطاني، لتكون الدبلوماسية الإيطالية نجحت في كل مبادراتها تجاه المغرب..

وكانت السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر بأثر كبير في تعقيد القضية المغربية لفائدة فرنسا، التي انتقلت إلى عملية إقصاء منازعيها في هذا الموقع الإستراتيجي من البحر المتوسط غرباً، ولتحقيق رهاناتها السياسية اعتمدت مجموعة اتفاقيات، وضعت نهاية للتنافس الأوربي حول المغرب. ولعل الفترة كانت مهمة بالنسبة إليها، إثر وفاة السلطان الحسن الأول ودخول المغرب مدة وصاية (هيمنة باحماد على مهمة تسيير البلاد بتوافق مع أم السلطان)، أضف إلى ذلك ما حصل من صراع داخلي بين كبار القواد والشخصيات النافدة في المخزن، شروط وغيرها كانت وراء انزلاق الأمور شيئا فشيئا من يد المخزن لتتحكم فيها دول متنافسة على رأسها فرنسا، مع أهمية الإشارة إلى سقوط سياسة “كرسيي” الإيطالية المعادية لفرنسا أثناء هذه الفترة ليحصل هناك تقارب دبلوماسي بين الدولتين.

وزاد اهتمام إيطاليا بالمغرب مع بداية القرن الماضي لاستعماله ورقة سياسية لتحقيق أطماع بمناطق أخرى. ولعله السياق الذي جاءت فيه الاتفاقية الفرنسية الإيطالية السرية (1900) التي تضمنت أطماع إيطاليا في ليبيا وموقف فرنسا منها، ثم الاتفاقية الشهيرة لسنة (1902) حول المغرب وليبيا. وأثناء انعقاد مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 الذي حضرته إيطاليا بوفد كبير من شخصيات وبارزة، تبين لها أن فرنسا باتت متحكمة في قضية المغرب بعد إقصاء منافسيها. وقد تميزت العلاقات المغربية الإيطالية عام 1910 بتوقيع اتفاقية جديدة لإعادة تشغيل معمل السلاح بفاس، وهي الاتفاقية التي جردت البعثة الإيطالية من صفتها العسكرية بإعطائها صفة مدنية باتت تعرف بـ”البعثة الإيطالية الملكية”. مع أهمية الإشارة إلى أن الأطماع الألمانية في المغرب ومعها حادثة أكادير الشهيرة فرضت تحفظا في ردود الفعل الرسمية الإيطالية مع تساؤلات للرأي العام الايطالي حول موقع إيطاليا في هذه التطورات، في وقت أصبحت ليبيا على مرمى من الاحتلال الإيطالي بعد ما سجل من محاولات لاستمالة شخصيات ليبية (السنوسيين).

يبقى حسب ما خلص إليه مؤلف العلاقات المغربية الايطالية للباحثة بهيجة سيمو أن التقارب الفرنسي الإيطالي أثناء السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر كان على حساب العلاقات المغربية الإيطالية، عندما بدأت البعثة العسكرية الإيطالية تمثل إلى الأفول بعيداً عما كان لها من أهداف. فبعد أن كانت إيطاليا تتحكم في مشاريع مغربية حساسة باتت تحت رحمة مقاييس دولية، ومع بداية الأفول الإيطالي في المغرب منذ عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء أمام اتساع للأدوار الفرنسية في المنطقة.. لم يعد موقف إيطاليا سوى مساندة الخطاب الفرنسي، متحينة فرصة المطالبة بتعويض في إفريقيا، لتجد في أحداث فاس وأكادير فرصة مناسبة لاحتلال ليبيا والانخراط في المشروع الاستعماري.

وكان مؤلف “العلاقات المغربية الإيطالية ” للباحثة بهيجة سيمو على درجة من القيمة المضافة لفائدة الخزانة التاريخية المغربية، باعتباره دراسة علمية وضعت المغرب ضمن تفاعلاته السياسية المتوسطية أثناء القرن التاسع عشر، أبانت عن عمق تاريخي ومشترك في علاقات بين البلدين.. تطورت من اهتمام إيطالي بموقع المغرب الإستراتيجي للمغرب، إلى عملية تعاون في الإصلاح المخزني زمن الحسن الأول وتوظيف لورقة المغرب في تحقيق أطماع استعمارية بالبحر المتوسط. ويستنتج أن سلاطين المغرب لهذه الفترة الدقيقة رغم صعوبة ما هو إقليمي ودولي أثناء القرن التاسع عشر حاولوا توظيف حضور إيطاليا في سياسة توازنات البلاد عموماً مع الأوربيين.

مع أهمية الإشارة إلى أن “مؤلف العلاقات المغربية الإيطالية” جدير بالقراءة من قبل الباحثين والمهتمين، لسبقه في التأسيس لفهم العلاقات المغربية الإيطالية على أساس علمي تاريخي معزز بوثائق وأرشيف هام. وكان ما هو كرونولوجي وتحليل ومقارنة بين الوثائق منهجاً في بناء هذا العمل، الذي أورد عنه أحمد التوفيق المؤرخ أنه بقدر ما يضيف شيئا لتاريخ أوربا بقدر ما يبرز أشياء في تاريخ المغرب، معتبراً أن قراءته الأصيلة لجانب من التاريخ جعله بتميز وجِدة وكفاءة في التناول، فضلاً عن امتلاك صاحبته للصناعة البحثية العلمية من أثناء جرأة تأويلها تازة واقتصارها على إشارات حذرة تارة أخرى.

*باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس مكناس.

اترك تعليق

avatar

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

  Subscribe  
نبّهني عن