بعض قضايا التفتيش المطروحة على هامش لقاء تدشين المفتشية الإقليمية بنيابة بركان

38430 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 7 أبريل 2013، أثارت العروض التي ألقاها الأساتذة الأفاضل السادة : حسن حلوي ، والمصطفى فضلي ، ومراد الخصيم في موضوع تقرير التفتيش باعتباره قرارا إداريا يعرض على أنظار المحاكم الإدارية ، ويتعرض للطعن العديد من القضايا والإشكالات المتعلقة به ، والتي كشفت النقاب عنها المناقشة التي تلت عروض هؤلاء العارضين. فمن المعلوم أن تقرير التفتيش المذيل ضرورة بنقطة عددية كان ولا زال موضوع نقاش وخلاف كبيرين بين من لهم علاقة به من مفتشين ومدرسين ومسؤولين ومحاكم إدارية . وسبب هذا الخلاف حول تقرير التفتيش هو النقطة العددية لهذا التقرير، والتي تؤثر على وضعيات المستهدفين به ترقية أو انتقالا أو حتى اعتبارا أيضا . ولقد قضت المحاكم الإدارية في قضايا نقط التفتيش باعتبار تقرير التفتيش قرارا إداريا بسبب ما ينتج عنه من تأثير على وضعية المستهدفين به . وعرفت هذه المحاكم دعاوى عديدة للطعن في نقط تقارير التفتيش المتدحرجة على وجه الخصوص باعتبارها شططا في استعمال السلطة . ومع أن خلفية النقط العددية المتضمنة في تقارير التفتيش تربوية محضة ، فإن ربط الوزارة لها بالوضعيات الإدارية للمستهدفين بها جعل المحاكم الإدارية تركز على بعدها الإداري على حساب البعد التربوي الذي هو نقطة انطلاق وارتكاز في نفس الوقت ، ذلك أن تقارير التفتيش لا تتضمن النقط العددية كما هو حال النقط الإدارية أو النيابية ، بل تتضمن مقالات ذات حمولة بيداغوجية وتربوية وديداكتيكية تتجاهلها المحاكم الإدارية التي لا هم لها سوى البث في عيوب القرارات الإدارية بناء على معطيات قد تكون أحيانا مجرد تخمينات أو اجتهادات بعيدة عن قواعد الاجتهاد الصحيحة والمعتبرة . وقبل أن أباشر طرح بعض القضايا المرتبطة بتقارير التفتيش ،والتي ستظل عالقة ، وفي انتظار أن تصونها الوزارة الوصية بترسانة من النصوص التنظيمية أذكر بظروف نشأة المحاكم الإدارية عندنا ، و التي كانت عبارة عن رد فعل على ضغوط المنظمات الحقوقية الخارجية على وجه الخصوص والداخلية بعد فترة سنوات الرصاص التي تميزت بمظالم إدارية كثيرة يطبعها الشطط في استعمال السلطة . ولقد بدأت المحاكم الإدارية في بلادنا مفتقرة إلى رصيد فقهي يخول لها العمل بشكل طبيعي ، لهذا فتحت الباب على مصراعيه لاجتهاد قضاتها الشخصية انطلاقا من أرصدة محاكم أجنبية وعربية ومن نوازل قد لا تنزل بشكل صحيح . وجريا وراء مصداقيتها حاولت هذه المحاكم اكتساب مشروعيتها على حساب الإدارة مع الحرص على الظهور بمظهر إنصاف الموظفين تطبيقا لتعليمات عليا لتكميم أفواه المنظمات الحقوقية الخارجية والداخلية ، والظهور بمظهر سيادة دولة الحق والقانون . وإذا صح أن الوزارة الوصية عن هذه المحاكم الإدارية تخصص تشجيعات مادية للقضاة الذين يربحون قضايا ضد الإدارة ولصالح الموظفين ، فلا عجب أن يجتهد القضاة في الحصول على التعويضات على حساب مصداقية هذا النوع من القضاء الذي لا زال يعاني من رصيد فقهي هزيل جدا . وأعود لموضوع تقارير التفتيش فأذكر بشح النصوص التنظيمية المتعلقة بها لدى الوزارة الوصية ، مع التذكير بأن المحاكم الإدارية التي صارت تبث في شأن هذه التقارير باعتبارها قرارات إدارية لا زالت لا تعترف بالنصوص التنظيمية الضابطة لهذا التقارير، والتي تنص على التمييز بين تقارير الزيارات غير المشفوعة بنقط عددية ، وتقارير التفتيش المشفوعة بنقط عددية ، كما تنص على أن الزيارات والتفتيشات تكون مرة كل سنتين بالنسبة للمدرسين القدامى ، بينما تكون مرة كل سنة بالنسبة للمدرسين الجدد ما لم يكن هناك داع يدعو للزيادة في عددها ، علما بوجود غموض في مفهوم القدم والجدة مع غياب تحديد مدتهما . وتنص المذكرة رقم 86 الخاصة بتقارير الزيارات والتفتيش على ضرورة عدم الاكتفاء بمعاينة الدروس دون الأخذ في الاعتبار الوثائق التربوية وهي دفاتر النصوص وجذاذات الدروس وفروض المراقبة المستمرة وأوراق التنقيط ودفاتر التلاميذ . وتنص هذه المذكرة على ضرورة ترجمة مضامين تقارير التفتيش للنقط العددية التي تثبت في ذيولها . وتنص المذكرة 80 على إجراء التفتيش المضاد الذي هو من صلاحية الجهة المسؤولة ، ويقوم به المفتشون المنسقون للمواد بعد طلب المعنيين بالأمرالتفتيش المضاد في مدة لا تزيد عن شهرين. فأمام شح النصوص التنظيمية الخاصة بتقارير التفتيش تطرح العديد من القضايا التي تتحدى الوزارة الوصية بعدما صارت هذه التقارير قضايا تداول فيها المحاكم الإدارية في ظل الظروف التي أشارنا إليها آنفا . فمن إشكالات هذه التقاريرالأساسية إشكال النقط العددية التي تختلف من تقارير تفتيش التعليم الابتدائي إلى تقارير تفتيش التعليم الثانوي . ففي حين تخضع النقط العددية في تقارير التفتيش بالتعليم الابتدائي إلى التدرج حسب المدد الزمنية التي يقضيها المدرسون في الخدمة ، لا تخضع النقط العددية في التعليم الثانوي لهذا التدرج ، وتعتبر نقطة 14 من 20 نقطة امتياز بالنسبة للتراقي في الرتب ، وهي نقطة الترقي السريع بعد نقطة الترقي بنصف الامتياز وهي نقطة 13 وما دونها، ونقطة الترقي بالأقدمية وهي ما دون 10 من 20 . ولا يوجد خلاف بين أطر التفتيش وأطر التدريس في التعليم الثانوي فيما يخص نقطة الامتياز عندما يتعلق الأمر بالترقي في الرتب ، بينما يوجد بينهم خلاف كبير فيما يخص الترقي بالاختيار في الدرجات والمشاركة في الانتقالات حيث يتطلب هذان الإجراءان ما فوق نقطة الامتياز 14 من 20 بالنسبة للترقي في الرتب فقط . ويطرح إشكال تدحرج النقط في تقاريرالتفتيش في التعليم الثانوي ، فهل يعتبر تقليص نقطة التفتيش دون أن تنزل عن السقف المحدد للامتياز للترقي في الرتب وهو 14 من 20 دحرجة أو تخفيضا للنقطة أم تزكية لها ما دامت لم تنزل عن سقف نقطة الامتياز ؟ فإذا صح أن يشتكي من دحرجت نقطته مع بقائها في خانة نقطة الامتياز بسبب حرمانه من الترقية بالاختيار أو ما يسمى الكوطة أو حرمانه من المشاركة في الحركة الانتقالية ، فهل يحق لمن يستفيد من نقطة الامتياز في الترقي في الرتب أن يحتج أيضا ؟ فهذا إشكال مطروح لا تبالي به المحاكم الإدارية التي تقف عند حد الفهم السطحي لتخفيض أو دحرجة نقطة التفتيش . والإشكال الآخر هو تجاهل المحاكم الإدارية لإجراء انخفاض وارتفاع نقطة التفتيش كما تنص على ذلك النصوص التنظيمية التي تضربها هذه المحاكم عرض الحائط ،حيث تنص هذه النصوص على أن نقطة التفتيش تتراوح بين نقطة الصفر 00 ونقطة 20 . والفكرة الرائجة بين أوساط المدرسين هو أن نقطة التفتيش ترتفع دائما ولا تنخفض شأنها شأن أسنان الأصفاد أو القيود المعدنية التي تضيق عندما تغلق ولا تتسع وهي في أيدي المتهمين . والإشكال الآخر المتعلق بنقطة التفتيش هو كم يدوم عمر هذه النقطة ؟ فإذا كانت النصوص التنظيمية وتحديدا المذكرة رقم 14 تنص على أن الأساتذة القدامى يزارون مرة كل سنتين والجدد يزارون مرة كل سنة ـ مع إشكال غياب مدة الأقدمية والجدة ـ ما لم يكن هناك داع يدعو لتغيير مدة الزيارات ، فهل هذا يعني أن عمر نقطة التفتيش مرتبطة بسنتين بالنسبة للقدامى وبسنة بالنسبة للجدد ، وبمدد أخرى إذا كان هناك داع ؟ ومن إشكالات نقطة التفتيش أيضا تقارير الزيارات غير المشفوعة بنقط عددية مع أنها تدخل ضمن مضامين تقارير التفتتيش المشفوعة بنقطة عددية ، فهل تقارير الزيارات لها علاقة بالقرار الإداري حسب تعريف القرار الإداري لدى المحاكم الإدارية أم لا ، وكيف يحل مشكل تضمين تقارير التفتيش الإشارات إلى تقارير الزيارات ؟ ومن إشكالات تقارير التفتيش أيضا التفتيش المضاد الذي صارت المحاكم الإدارية تتجاوزه بمجرد إيداع المتظلمين ملفاتهم لديها ،مع أن التفتيش المضاد عبارة عن إجراء لمنع الشطط في استعمال السلطة تمارسه الإدارة قبل المحاكم الإدارية عندما تتأكد من صحة تظلم المتظلمين،وذلك باعتماد خبرة متخصصة تنظر في التظلمات . وإشكال التفتيش المضاد هو غياب النصوص الضابطة لإجراءاته . فهل يكون التفتيش المضاد على غرار الفحص الطبي المضاد حيث ينظر الطب في رخصة المرض وفي وصفة الدواء عوض فحص المريض وقد مر على فترة مرضه وقت معتبر ليقضي بعدم مرضه حين فحصه خارج فترة مرضه في جلسة الفحص المضاد كما يفعل التفتيش المضاد عندما يزور المدرس في حصة لا علاقة لها بالحصة المتنازع في شأنها للحكم عليه حكما لا علاقة له بحكم التفتيش المطعون فيه ؟ وعوض أن ينظر التفتيش المضاد في القضايا الخلافية بين المفتش والمدرس الطاعن في تفتيشه على ضوء النصوص التنظيمية والتوجيهات الرسمية ، يعمد إلى زيارات صفية لوصف حصص جديدة لا علاقة لها بالحصص المتنازع في شأنها . والمحاكم الإدارية أبعد ما تكون عن فهم أو تفهم هذا الإشكال حين تعتمد نتيجة تفتيش مضاد لدحض نتيجة تفتيش مطعون فيه دون البحث في طبيعة التفتيش المضاد وفي كيفية إجراءاته ومصداقيتها . وقد تحشر نتيجة التفتيش المضاد الشبيهة بنتيجة التفتيش المطعون فيه في خانة واحدة باعتبارهما شططا في استعمال السلطة بسبب تدحرج نقطة التفتيش فيهما معا . ومن إشكالات تقرير التفتيش أيضا قضية الجهة ذات الاختصاص والكفاءة والخبرة لتقدير مدى انسجام نقطة التفتيش العددية مع مضمون التقرير خصوصا مع تعدد التخصصات حسب المواد وحسب المقاربات ، وحسب معايير التقويم في غياب إطار مرجعي موحد للتقويم . والمحاكم الإدارية عندما تقضي في قضايا تدحرج نقط التفتيش إنما تخبط خبط عشواء لافتقارها إلى التخصص الذي يمكنها من البث في التجانس بين نقط التفتيش العددية ومضامين التقارير المتخصصة والخاضعة للسلطة التقديرية للجهات المختصة ، وهي سلطة مصدر خلاف واختلاف بالنسبة للكثيرين . ومن إشكالات تقارير التفتيش غياب جهة قانونية مختصة وسيطة بين المحاكم الإدارية والنيابات حيث تسند مهام التعامل مع ملفات المحاكم الإدارية لموظفين لا علاقة لهم بالتخصص القانوني فيتم تصيدهم بسهولة من طرف المحاكم الإدارية ومحامي الدفاع عن المتظلمين الذين يعولون في الغالب على العيوب الشكلية من أجل الاستفادة من أحكام المحاكم الإدارية بشكل مجاني معتبرين ذلك انتصارات وهي مجرد حيل لتحقيق الانتصارات الوهمية على حساب الحقيقة والعدل والصالح العام. ومع أن الملفات التي تعتمدها المحاكم الإدارية شواهد للرفع من أرصدة اجتهاداتها القضائية في المجال الإداري عبارة عن ملفات اكتسبت عن طريق التحايل على الإدارة التي تتلكأ في الإدلاء بالواجب من وثائق الإثبات بسبب قلة خبرة الموظفين الذين توكل إليهم مهام الرد على استفسارات هذه المحاكم ، فلا زالت الإدارة لم تحرك ساكنا بعد لوضع حد لاجتهادات القضاء الإداري العشوائية . فعلى سبيل المثال لا الحصر تشبثت إحدى المحاكم الإدارية بعدم شرعية نقطة تفتيش في غياب إنجاز المدرس الدرس غيابا غير مبرر دون الإشارة إلى النازلة بدقة مكتفية بمنطق ” ويل للمصلين ” دون ذكر” الذين هم عن صلاتهم ساهون “. فعندما تقضي المحاكم الإدارية ببطلان نقطة تفتيش لم ينجز خلاله المدرس درسا دون البحث في ظروف وحيثيات عدم إنجازه الدرس يكون ذلك تشجيعا على التحايل على إجراء المراقبة بحيث يمكن لكل من أراد تنكب إجراء التفتيش أن يمتنع عن إنجاز الدروس عن طريق غياب غير مبرر أو عن طريق حضور دون إنجاز الدروس . فإذا ما قال قائل : يحل محل تقرير التفتيش في هذه الحالة إجراء الاستفسار والاقتطاع أرد عليه بالقول : ومتى يكون التفتيش إذا أصر المدرس على الخضوع لإجراءات الاستفسار والاقتطاع باستمرارا، وفضلها على إجراء التفتيش ؟ وكيف يكون الحال عندما تطلب الإدارة من المفتش إجراء هذا التفتيش ، فيرفض المعني بالأمر الخضوع للتفتيش ، ويقال له لا يمكن إجراء التفتيش دون درس ؟ ولماذا لا يذكر في التقرير أن المدرس تعمد رفض إنجاز الدرس ، ويحرم من النقطة المخصصة للدرس ، وينظر بعد ذلك في النقطة المخصصة للوثائق التربوية إذا ما توفرت ولم يرفض تقديمها أيضا ؟ وماذا يقال عن تقارير التفتيش التي يحضر فيها المفتش دروسا في غياب التلاميذ لسبب من الأسباب ، ويناقش المدرس انطلاقا من وثائقه ؟ وما معنى تراوح نقطة التفتيش بين 00 و20 ؟ ألا تعطى نقطة الصفر لمن رفض إنجاز الدرس متعمدا ومتحايلا ورفض تقديم الوثائق للمراقبة ؟ هذه الإشكالات وغيرها تعكس مدى فقر النصوص التنظيمية والتعليمات الرسمية لدى الوزارة الوصية الخاصة بتقارير التفتيش مقابل اجتهادات عشوائية للمحاكم الإدارية في ظل الفراغ الذي يسببه غياب الوزارة الوصية ، لهذا جاء أوان إعادة النظر في النصوص التشريعية والتنظيمية والتعليمات الرسمية لصيانة تقارير وإجراءات التفتيش من العبث والاستغلال المكشوف الذي يعود على المنظومة التربوية بوخيم العواقب .

بعض قضايا التفتيش المطروحة على هامش لقاء تدشين المفتشية الإقليمية بنيابة بركان
بعض قضايا التفتيش المطروحة على هامش لقاء تدشين المفتشية الإقليمية بنيابة بركان

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz