انفصام الشخصية حالة طبيعية بالنسبة لكل البشر ولا تعتبر حالة مرضية إلا إذا صارت مزمنة

13590 مشاهدة

وجدة البوابة/محمد شركي: غالبا ما يتحدث الناس عن حالة انفصام الشخصية باعتبارها حالة مرضية دون أن يخطر ببالهم أن جميع البشر يعيش الانفصام بنسب متفاوتة ، ولا ينتبهوا إلا إلى الحالات المرضية والمزمنة . ومعلوم أن الانفصام أصله في العربية فعل فصم بمعنى كسر الشيء دون أن تتفرق كسره . ومنه تفصم ـ بتضعيف الصاد ـ وانفصم الشيء إذا انكسر دون بينونة وتصدع وانقطع . ولما كانت الشخصية قيمة معنوية فإن انفصامها عبارة عن تصدع معنوي أيضا . ولا يستطيع الإنسان أن يعيش بشخصية واحدة، لهذا لا مندوحة له عن الانفصام من أجل التعايش مع من يحيطون به أو من تربطهم به علاقات أو مصالح . ومعلوم أن الشخصية الحقيقية لكل إنسان هي تلك التي لا يمكنه لأن يخادع نفسه فيها ، والتي يعرفها حق المعرفة ، ويعي جيدا خباياها، كما أنه لا يكشف عن كثير من جوانبها الغامضة والخفية لغيره بيسر وسهولة . وقد يموت الإنسان وتموت معه أسرار شخصيته الحقيقية التي يخفيها عن غيره ، ويحتفظ بسرها لنفسه وحده . ولهذا يجتهد علماء وأطباء النفس في البحث في أغوار النفس البشرية من أجل الوصول إلى الشخصية الحقيقية للإنسان موضوع البحث أو التشخيص خصوصا في الحالات المرضية المزمنة .

وقد يستغرب البعض كيف يعقل أن يعيش كل الناس الانفصام ؟ ومع أن الأمر يبدو غريبا، فإنه مع ذلك صحيح . وإذا أراد المرء أن يعرف درجة أو نسبة انفصام شخصيته، فعليه أن يقارن بين شخصيته الحقيقية التي يحتفظ بأسرارها لنفسه وحده ، وبين الشخصية أو الشخصيات التي يكشفها للغير ، والتي قد لا تكون لها علاقة البتة بشخصيته الحقيقية .

وقد يضطر الإنسان إلى الانفصام حتى مع أقرب المقربين منه ، فيعيش الانفصام من خلال شخصية الواجهة المقنعة المختلفة تماما عن شخصية العمق المتوارية . ومن الأمور التي تسبب الانفصام ترتيب الإنسان في درجات السلم الاجتماعي من خلال المناصب والمهام التي يشغلها . ولا يمكن أن تكون شخصية المناصب والمهام هي الشخصية الحقيقية للإنسان ، بل هي مظهر من مظاهر الانفصام قد لا يقل تأزما عن الحالات المرضية المزمنة. وقد يظل الانفصام الذي تتسبب فيه المناصب والمهام ملازما لصاحبه حتى بعد انتهاء شغله لتلك المناصب والمهام .

ومما يحكى من باب التندر، ولكنه هادف نموذج رجل السلطة التي انفصمت شخصيته بسبب منصبه السلطوي ، وبعد تقاعده لم يجد فرصة لممارسة عقدة السلطة المتأصلة فيه سوى وضع خابية من ماء أمام باب منزله مع وعاءين بلونين مختلفين لسقاية المارة ، إلا أنه وجد في هذه الخدمة المجانية فرصة سانحة لممارسة سلطته التي حرم منها بسبب تقاعده ، فكلما هم أحد السابلة باستعمال وعاء من الوعاءين إلا ونهره آمرا إياه باستعمال الوعاء الآخر مع أن الوعاءين لا فرق بينهما سوى اختلاف اللون . وهذا النوع من الانفصام قد لا يغادر الذين انفصموا بسبب ممارستهم لمهام سلطوية .

وتختلف أشكال وأنواع الانفصام حسب الوضعيات الاجتماعية التي يمر بها الناس . وقد تكون شخصية بعض الناس الحقيقية والمتوارية شخصية معربدة إلا أن شخصيتهم المعلنة والمصرح بها شخصية مخلقة أومتدينة ومتصنعة للوقار والسمت من أجل مخادعة الناس ، وتحقيق المصالح والمآرب . وكثيرا ما ينخدع الناس بالشخصيات المصرح بها ، فتتكون لديهم انطباعات مغلوطة عن بعض الناس . ومن سلبيات الانفصام الذي يعيه بعض الذين لا يصلون درجة الزمانة أنهم يطربون ويرتاحون للانطباعات المغلوطة التي يكونها عنهم غيرهم من خلال الحكم على شخصياتهم المعلنة التي تخفي شخصياتهم الحقيقية . ومع أن الذين يطربون للانطباعات المغلوطة عن شخصياتهم غير الحقيقة لا يقتنعون بها في قرارة أنفسهم أول الأمر، فإنهم مع مرور الزمن قد يقعون ضحايا تصديقها ، ويندرجون في هذه الحالة ضمن مرضى الانفصام المزمن الذي لا أمل في العلاج منه . ومن تقنيات الكشف عن الانفصام لدى بعض الناس اعتماد التفكير بعكس ما يصرحون به ، ذلك أن المنفصمين يرتاحون إلى سرد حكاياتهم بنوع من البطولة الزائفة ، وفي هذه الحالة يكفي أن تقلب مقولاتهم لمعرفة انفصامهم . وعلامات الحكايات المصطنعة لدى الذين يعانون من الانفصام المبالغة ، ومخالفة الواقع أو بلغة القيم الأخلاقية الكذب .

فعندما يروي على سبيل المثال شخص يعاني الانفصام حكاية غضبه في حضرة صاحب سلطة أو بأس لا يمكن أن يواجه بالغضب ، فيكفي أن نعكس الحكاية لنعرف درجة الانفصام الذي يعاني منه حيث تكون حقيقته التي يموه عليها وقوعه ضحية غضب صاحب السلطة والبأس عكس ما تقدمه حكايته البطولية الخيالية التي لا يقبلها منطق واقعه . وآفة كثير من الناس المعاناة من عقدة الانفصام ، والخوف من زوالها وهو ما يعني خروج الشخصية الحقيقية من مخبئها ، وتعرف الناس عليها . وقليل من الناس من يعيش مرتاحا البال بدون انفصام ، ولا يبالي باصطناع شخصية خيالية أو وهمية ترضي أذواق من حوله من الناس ، وهو ما يعبر عنه المثل العامي بالقول : ” أهل العقول في راحة ” أي أنهم يعرفون أقدارهم ويجلسون دونها دون معاناة الانفصام الذي قد يفضي بهم إلى الحالات المرضية المزمنة التي تتطلب العلاج وتثير الشفقة.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz