انشقاقات المجتمعات العربية على نفسها في ربيعها سببها مؤامرات خارجية وخيانات داخلية وإقليمية

167371 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: من المعلوم أنه من تأثيرات المجتمعات الأوروبية الاستعمارية في المجتمعات العربية خلال القرن التاسع عشر ظاهرة التحزب حيث نشأت في البلاد العربية أحزاب سياسية على غرار الأحزاب الأوروبية وأخذت نفس نعوتها من قبيل نعوت اليمين والوسط واليسار . وإذا ما كان مطلب الحرية والسيادة قد وحد الأحزاب السياسية العربية الناشئة في ظل الاحتلال الأوروبي ، فإنها بعد حصول البلاد العربية على استقلالها تحولت اهتماماتها إلى صراعات تسمى اليوم سياسوية، وهي صفة تطلق على المزايدة السياسية العابثة. ولما حلت التبعية الإيديولوجية محل الاحتلال العسكري الأوروبي للبلاد العربية صارت اهتمامات الأحزاب في هذه البلاد العربية هي التنافس فيما بينها بخلفية التبعية الإيديولوجية للبلاد الأوروبية بشطريها الغربي الرأسمالي الليبرالي والشرقي الاشتراكي الشيوعي، وهي وضعية خلقتها نتائج الحرب العالمية الثانية . وصار الوطن العربي الكبير منطقة نفوذ وتبعية إيديولوجية للغرب بجناحيه الرأسمالي والشيوعي .

وصارت الشعوب العربية خاضعة لهذا التصنيف الغريب عن هويتها بسبب البلاء المسلط عليها من طرف بلاد الغرب التي مارست عليها الاحتلال العسكري كما فرضت عليها التبعية الإيديولوجية بعد جلاء هذا الاحتلال العسكري . وهكذا قدر على العالم العربي أن يظل خاضعا لكل ما يحدث في الغرب حتى أن التداعيات الحاصلة في بلاد الغرب نجد لها آثار مباشرة وواضحة في بلاد العرب كما هو الحال بالنسبة لسقوط جدار برلين ، وتوحد ألمانيا ، وسقوط الاتحاد السوفياتي ، وظهور القطب الوحيد الطامح في عولمة نموذجه …. إلى غير ذلك من التداعيات المختلفة. وعلى العالم العربي تصدق مقولة : ” إذا أمطرت في العواصم الغربية حمل العرب مظلاتهم بالرغم من جوهم الصحو ” . ولا يمكن أن يفسر الربيع العربي على أنه مجرد تفاعل عربي محض بل هو نتيجة ما بعد مسرحية الحادي عشر من شتنبر، وهي مسرحية أعادت الحركة الاستعمارية في صيغة جديدة وبذريعة جديدة على غرار ذرائع الاحتلال خلال القرن التاسع عشر .

ولما كانت نتيجة الحركة الاستعمارية في القرن التاسع عشر هي اندلاع ثورات المقاومة العربية من أجل الحصول على الاستقلال ، فإن نتيجة استشراء الفساد السياسي لدى الأنظمة العربية التابعة للغرب بعد نهاية فترة الحرب الباردة كانت هي ثورات الربيع العربي ، وهي ثورات لا تختلف في روحها عن ثورات المقاومة ضد الاحتلال خلال القرن التاسع عشر إلا أنها واجهت فساد أنظمة منصبة أو مؤيدة من طرف الغرب المهيمن عليها . وكما تلت فترة جلاء الاحتلال العسكري الغربي عن البلاد العربية فترة التبعية الإيديولوجية له من خلال ظاهرة التحزب وما أحاط بها من صراعات سياسوية ، فإن فترة الثورة على الأنظمة الفاسدة بادرها الغرب بمؤامرات وظفت لها خيانات داخلية وإقليمية من أجل إفشال ثورات الربيع العربي ليستمر وضع التبعية الإيديولوجية مخافة أن تفضي ثورات الربيع العربي إلى استقلال الشخصية العربية عن التبعية الغربية من خلال اعتماد النموذج الحضاري الإسلامي الذي سبق للتاريخ أن عرفه وسجل ريادته للعالم خلال قرون .

ولهذا اشتد الحقد الغربي على تجارب الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية ، وطبخت المؤامرات المكشوفة ضدها مع الخيانات العربية المفضوحة من أجل إعادة وضع ما قبل انتفاضات الربيع العربي عن طريق توظيف الحكم العسكري الاستبدادي على سبيل المثال في مصر ، وعن طريق المحافظة على النظام البعثي الدموي في سوريا، وعن طريق تحريك الضفادع العلمانية في تونس ، وعن طريق النفخ في الصراعات السياسوية في المغرب …. إلى غير ذلك مما يطبخ لكل قطر عربي حسب ظروفه الخاصة . وهكذا صارت المجتمعات العربية بعد الربيع منقسمة على نفسها بسبب الصراعات السياسوية التي تركبها وتستغلها المؤامرات الخارجية والخيانات الداخلية والإقليمية . ويخيل للشعوب العربية المخدوعة أنها بالفعل تمارس حريتها السياسية ، والحقيقة أنها مستلبة و ضحايا من خلال أحزاب سياسية مأجورة تمارس المزايدات السياسوية من أجل أن تطبق الأجندات الخارجية بشكل فيه من التمويه واللف والدوران ما يصرف الأنظار عن حقيقة هذه المؤامرات الخارجية والخيانات الداخلية والإقليمية .

والغرب يحرص كل الحرص على ألا توجه جهود الشعوب العربية في الوطن العربي نحو التوحد حتى لا تعيد سيناريو الحركات التحررية وحركات المقاومة من أجل استرجاع ما لم يسترجع خلال الفترة السابقة من أراض عربية وعلى رأسها الأرض العربية الفلسطينية، وكذا استرجاع ما أعيد احتلاله من جديد كما هو الشأن بالنسبة للعراق . فالأحزاب العربية بعد الربيع العربي مشغولة بالمزايدات السياسوية عن القضية العربية المصيرية وتشغل بذلك الشعوب العربية وهي أيضا تؤجج الصراع بين فلول الأنظمة الزائلة وتلك التي لا زالت متشبثة ومتسلطة وبين القواعد العريضة للشعوب العربية الحالمة بورود وزهور ربيعها العربي الذي أجهزت عليه المؤامرات الخارجية من خلال توظيف الخيانات الداخلية والإقليمية . والأمة العربية اليوم في أمس الحاجة إلى قيادات تصحح انحراف توجهاتها السياسية لتوظف التوظيف الصحيح من أجل السعي الحثيث نحو استعادة الهوية العربية المفقودة وهي هوية إسلامية بالضرورة بسبب الاحتلال الغربي سابقا والتبعية الإيديولوجية للغرب حاليا. فهل ستنجب الأرحام العربية من يصحح مسار هذه الأمة في مثل هذا الظرف العصيب الذي بلغت فيه المؤامرات الخارجية أوج قوتها وتزامنت مع أوج قوة الخيانات الداخلية والإقليمية ؟؟؟

اترك تعليق

1 تعليق على "انشقاقات المجتمعات العربية على نفسها في ربيعها سببها مؤامرات خارجية وخيانات داخلية وإقليمية"

نبّهني عن
avatar
هشام الوجدى
ضيف

كلام صحىح

‫wpDiscuz