انحراف ثورات الربيع العربي عن مسارها من خلال تقديم الحكومات ذات المرجعية الإسلامية قرابين لنيران غضب الشعوب من فساد أنظمة مستبدة لعقود

157105 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: قبل اندلاع ثورات الربيع العربي الساخنة منها وغير الساخنة كانت الشعوب العربية بكل أطيافها الاجتماعية تتجرع مرارة طغيان أنظمة فاسدة جثمت على صدرها لعقود طويلة ، وأفضت بها إلى قعر عميق من التخلف على عدة مستويات . ولا يمكن أن تستثنى من هذه الأطياف سوى طيف العصابات التي كانت توظفها هذه الأنظمة الفاسدة ، والتي عرفت بمسمياتها بعد الربيع العربي من قبيل البلطجية والشبيحة …. ، فضلا عن أطياف ذات توجهات إيديولوجية متنكرة للهوية الإسلامية ، والتي كانت تقتات من فتات موائد الأنظمة الفاسدة ، وتتحين الفرص لتحقيق أهدافها وعلى رأس هذه الأهداف الإجهاز على كل ما له علاقة بدين الإسلام حقدا عليه وكراهية ونكاية فيمن ينتسب إليه .

ومن سوء طالع الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية أنها فازت في اللعبة الديمقراطية بعد ثورات الربيع العربي ، وعكس فوزها مدى رغبة الشعوب العربية في التمسك بهويتها الدينية ورهانها عليها للخلاص من التبعية لغيرها ، والتي جرت عليها كل أنواع المهانة . ومعلوم أن أعداء الإسلام المقنع منهم والسافر بذلوا قصارى جهودهم من أجل منع اتجاه شعوب الربيع العربي نحو الخيار الإسلامي الذي يعتبر مصدر قلق هؤلاء الأعداء ، وترتبت عن ذلك ثورات مضادة لثورات الربيع العربي من أجل التخلص من الطابع الإسلامي لهذه الثورات ، وكانت أول ثورة مضادة في مصر ، وهي التي تعتبر رائدة ثورات الربيع العربي . وسخر أعداء الإسلام المؤسسة العسكرية المصرية التي فقدت هويتها منذ معاهدة كامب دافيد التي حولت الجيش العربي المصري من جيش رباط و مواجهة إلى جيش ي خدمة الضباط المقاولين الذين باعوا ضمائرهم لأعداء الأمة ، وفرطوا في فلسطين القلب النابض للوطن العربي .

ولما كان النظام الفاسد في مصر قد طال مكثه وتجذرت مصادر دعمه في الداخل والخارج ، فإنه سرعان ما وجد ضالته في الأطياف التي كانت تقتات من فتات موائده ، فصنع منها ثورة مضادة معتمدا القوة والبطش ، ومستعملا جيشا طال عهده بالمهمة الأساسية لكل جيوش الدنيا ألا وهي حماية حمى الوطن ، فسخر لقمع الثورة الحقيقية عن طريق طبخ ثورة مضادة . وانتقلت عدوى الثورات المضادة إلى باقي دول الربيع العربي بشكل أو بآخر حسب ظروف البلاد العربية المختلفة . ودفعت أحداث سوريا نحو تأجيج نيران الثورات المضادة حيث كانت الشعوب العربية تترقب نجاح الثورة السورية إلا أن أعداء الإسلام فضلوا الاحتفاظ بالنظام السوري الدموي لأنه يخدم مصالح الكيان الصهيوني ، ولأن الثورة السورية أخذت من البداية طابعا إسلاميا واضحا خلاف باقي ثورات الربيع العربي ، لهذا تنكر لها أعداء الإسلام ، واتخذوا من الوضع في سوريا ورقة قمار من أجل المناورات السياسية بين القوى العالمية ذات المصالح المتقاطعة في المنطقة العربية على حساب الإسلام الذي يحارب بلا هوادة .

وكانت نتيجة الثورات المضادة سواء في مصر أو في باقي بلاد الربيع العربي على اختلاف أشكالها هي وجود ضحايا وهم عبارة عن قرابين لتأكلها نيران غضب الشعوب العربية من فساد أنظمة مستبدة لعقود طويلة . فمن المعلوم أن الأنظمة الفاسدة التي زالت أو التي لا زالت ساعة زوالها لم تحن بعد قد أوصلت البلاد العربية إلى درجة من الفساد غير مسبوقة على عدة أصعدة وفي شتى المجالات ، وهو ما جعل الحكومات ذات المرجعية الإسلامية ترث إرثا ثقيلا قوامه الفساد الفظيع . وأمام هذا الوضع ونظرا لطول معاناة الشعوب العربية من فساد الأنظمة الفاسدة ، فقد نفد صبرها ، واستعجلت الخلاص من الفساد ، وهو ما استغله الذين يحركون الثورات المضادة لثورات الربيع العربي لتأليب الشعوب العربية الناقمة على الفساد ضد هذه الحكومات الإسلامية من أجل نزع الثقة منها ومن الإسلام عامة كخيار يواجه أعداءه المتربصين به .

ومن الأساليب المتبعة بكثير من الخبث والمكر محاولة اختزال ثورات الربيع العربي في ثورات خبز ومناصب شغل علما بأن الخبز ومناصب الشغل عبارة عن نتائج مترتبة عن فساد الأنظمة التي قضت والتي لا زالت تنتظر وما بدلت من فسادها . والذين يحاولون مخادعة الشعوب العربية من خلال اختزال ثورات ربيعها في المطالبة بالخبز أو الشغل إنما يستنقصون من شأنها ، ويستكثرون عليها أن تكون في مستوى غيرها من شعوب العالم التي لا ترضى أن تكون ثوراتها قاصرة على البطون دون الأمجاد . والذين يركبون اليوم أوضاع الفساد المترتبة عن حكم الأنظمة الفاسدة ، ويخادعون الشعوب من خلال تحريضها على حكومات الربيع العربي الإسلامية المتهمة بالعجز عن محاربة الفساد والقضاء عليه قضاء مبرما إنما يتسترون بذلك على عقدة خسارة ثقة الشعوب مع اندلاع ثورات ربيعها حيث راهنت هذه الشعوب على التوجه الإسلامي في الحكم بعدما يئست من توجهات ليبرالية وعلمانية كانت متعايشة مع الأنظمة الفاسدة ، وكانت توفر لها الظروف المناسبة للاستبداد والطغيان مستغلة التدخلات الأجنبية المعادية عداء صريحا بل مكشوفا لكل توجه إسلامي في ظل ظروف محاربة ما يسمى الإرهاب الإسلامي من أجل حمل أتباع الإسلام على البراءة منه خشية الوقوع في شراك تهمة الإرهاب التي صارت تهمة ترتزق بها الدول المعادية للإسلام ، وترتزق بها أيضا معها الأنظمة العربية الفاسدة ، والأحزاب الليبرالية والعلمانية التي تجد ضالتها في اتهام الإسلام من أجل إقصائه ليخلو لها الجو ، وتتخلص من منافسته .

ولا نستغرب ظاهرة الرغبة في اتخاذ هذه الأحزاب قرابين من أحزاب إسلامية تقدم لنيران غضب الشعوب العربية ، وهو غضب كان سببه فساد الأنظمة ، فسار بفعل جيوب مقاومة هذه الأنظمة الفاسدة غضبا ضد الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية التي هي عبارة عن رهان اختارته شعوب الربيع العربي بمحض إرادتها ، ولم تكره عليه ، وكأن جيوب مقاومة الأنظمة الفاسدة تريد تشكيك هذه الشعوب في رهانها واتهماها بسوء هذا الرهان وسوء الاختيار أو بسوء رشدها ووعيها لأن أعداء الإسلام في الخارج يريدون رهانا آخر ، وهم الذين ساندوا رهان الأنظمة الفاسدة لعقود ، ولا زالوا يفضلون نفس الرهان حتى استكمال مشاريعهم التوسعية وعلى رأسها مشروع تهويد فلسطين ومقدساتها ، وهو مشروع خبيث يتوجس من الحكومات ذات المرجعية الإسلامية التي تعتبر القضية الفلسطينية قضية عقيدة قبل أن تكون قضية أرض وسياسة . ولقد قدم الرئيس المصري الشرعي محمد مرسي قربانا لأنه أراد أن يعيد القضية الفلسطينية إلى مسارها الصحيح بعد عقود من انحراف مسارها في ظل النظام الفاسد المنهار ، والذي عاد من جديد ليخدم المشروع الصهيوني بلون جديد . ولهذا لا نستغرب أن يتهم هذا الرئيس الشرعي بتهمة صهيونية المنطلق ألا وهي تهمة التخابر مع حركة المقاومة الإسلامية حماس ، وهو ما يعني الوقوف ضد مشروع التهويد والصهينة الذي خطط له في عواصم غربية حاقدة على الإسلام الحقد الأسود بمكر وخبث من خلال خرائط طرق عبر عنها بمشروع الشرق الأوسط الجديد ، وهو شرق أوسط بكيان صهيوني قوي يستعبد الكيانات العربية الضعيفة التي تشتغل جيوشها وشرطتها بقمع الأمة العربية عوض التوجه نحو تحرير الأرض المحتلة . والمؤسف أن توجد شرائح من الشعوب العربية التي تقصر همتها عن إدراك المؤامرات الصهيونية والغربية ،فتجعل غايتها من ثورات الربيع العربي رغيف الخبز ومنصب الشغل ، وتنسى الأهم وهو الواجب الديني نحو الأرض المقدسة التي ينجسها العدو الصهيوني . وإذا ما تفرجت هذه الشرائح من الشعوب العربية المخدوعة اليوم على التوجهات الإسلامية وهي تقدم قرابين لنيران غضبها بسبب الخبز والمناصب ، فإنها ستواجه في المستقبل الهوان الذي لا عزة بعده أبدا ، وستندم شديد الندم ولات حين مندم .

اترك تعليق

1 تعليق على "انحراف ثورات الربيع العربي عن مسارها من خلال تقديم الحكومات ذات المرجعية الإسلامية قرابين لنيران غضب الشعوب من فساد أنظمة مستبدة لعقود"

نبّهني عن
avatar
بنيونس
ضيف

اراك تستصعر الخبز و الشغل وتفضل عليهما ما تسميه مجدا .انت واهم يا شرقي ؛ ان هذه المقاربة التي تعتمدها مرفوضة من طرف اي حامل لشهادة عليا يتصارع مع بنكيران

ولا يسعني إلا ان استحضر مثلا بالريفية، معناه” الجوع و العبادة لا يجتمعان”

‫wpDiscuz