انتفاضة وجدة .. من الشرق بدأت ثورة الملك والشعب

64418 مشاهدة

وجدة: محمد أحمد عدة/ وجدة البوابة: وجدة في 18 غشت 2013، كانت مدينة وجدة تتابع في تربص المؤامرة المدبرة على السلطان محمد بن يوسف، وعندما تأكد الخبر، خرج سكانها في مظاهرات لا تنتهي منذ 16 غشت، أطلق فيها الرصاص، وعم القمع الفرنسي شوارع المدينة، واستعمل الفرنسيون وسائل القتل والتعذيب الأكثر شراسة، وأبان الأهالي عن فدائية كبرى في سبيل الوطن.

“موتوا” هذه هي الكلمة التي صرخ بها رجل الأمن الفرنسي، وهو يسمع طرقات المقاومين المغاربة في حبس ضيق بمدينة وجدة، في أحدى ليالي غشت من سنة 1953، كانوا أربعة عشر رجلا وضعتهم الإدارة الاستعمارية مكدسين، حتى ماتوا اختناقا.. وكان هذا جزءا من تصريحه لهيئة المحكمة العسكرية، التي نصبتها فرنسا عقب أحداث وجدة.

خبر اعتزام الحماية نزع السلطان من على عرشه، انتشر بمدينة وجدة، تلاه حدث زيارة الباشا الكلاوي “الرجل الذي باع نفسه لفرنسا”، ونزوله بالمدينة القديمة، إذ قدم إلى وجدة من مراكش في موكب يحاكي موكب السلطان، أمنته فرنسا، وأمنت حمايته في إقامته بالمدينة التي رفضت كل استفزاز لهويتها، وأشعلت ثورة كانت بداية نهاية الاحتلال.

وجهان لفرنسا المستعمرة

وفي السادس عشر من غشت 1953 خرجت وجدة عن بكرة أبيها، ولم تجد فرنسا سوى إطلاق الرصاص على المتظاهرين، وكما تشير إلى ذلك وثائق المندوبية السامية لقدماء المقاومين، أطلقت السلطات الفرنسية ما يزيد عن ستة آلاف رصاصة على المتظاهرين، ثم تطور الأمر إلى استعمال الرشاشات الثقيلة فقتل في ساعات المئات من المغاربة في عملية سميت آنذاك، بـ”قنص الفئران”، وصرح شهود أمام المحكمة الكولونيالية، أن الجثث حملت بواسطة شاحنات الأزبال، ودفنت في حفرة جماعية مخصصة لنفايات المجزرة البلدية، لكن القضاء الاستعماري لم يقر إلا بـ 25 قتيلا، وحوكم الآخرون بتهمة العصيان.

لكن مأساة المخنوقين، لم تنكشف إلا على يد مناضلين ومحامين فرنسيين، كان من بينهم رجل اسمه شارل لوكران، الذي رفع صوته بالمحكمة مطالبا بالكشف عن حقيقة الأربعة عشر رجلا الذين وضعوا في غرفة من خمسة أمتار مربعة، وماتوا مختنقين، فساد هرج كبير في المحكمة، وقال معمرون يجب أن يعدم لوكران، وانتشر الخبر بسرعة بفضل المراسلين، الذين كانوا يقومون بتغطية المحاكمة، وكتبت “لوموند” تعليقا على تلك المحاكمة، ” لقد صرح علانية أثناء إحدى الجلسات، أن خمسة وأربعين شخصا سجنوا أثناء بحث الشرطة في حجرة ضيقة طوال أكثر من أربع وعشرين ساعة، وأن أربعة عشر منهم ماتوا، ولم يكن هؤلاء الرجال حينئذ من المتهمين، وإذا صح ذلك فلا يقبل إلا أن يحال مرتكبو هذه الأعمال على العدالة، فإذا لم يفعل ذلك.. فقد يكون في ذلك خيانة للعدالة واستهتار بها”.

وكان تهديد المحامي النزيه لوكران بالتصفية الجسدية عندما فجر مسألة السجناء المخنوقين، من القضايا التي توازت مع حدث المحاكمة، إذ طارده عدد من المعمرين وحاصروا فندقTERMINUS ، وطالبوا برأسه واتهموه بخيانة فرنسا، وقد قدر “الحاج أعمار” أحد الوجديين الذين شهدوا ذلك اليوم بأنهم كانوا حوالي 2000 فرنسي معمر، وهو يروي لـ”مجلة هسبريس” أحداث ذلك المساء، قائلا” أنشدوا السلام الوطني الفرنسي، وصرخوا أخرجوا لنا الخائن، ثم هموا باقتحام الفندق، فقاومهم رجال الأمن، ثم أعادوا الكرة من الأبواب المختلفة للفندق، ولم يخل الأمر من تحريض بعض البوليس والدرك الفرنسي والإيحاء للجموع الغاضبة من المعمرين باقتحام الفندق، أو تتبعه إلى محطة القطار في حالة مغادرته للفندق”. وما كان من المحامي لوكران إلا أن بعث رسالة إلى الرئيس الفرنسي “فانسان اوريول” ، من جملة ما جاء فيها،” وبمجرد ما وصلت إلى الفندق ودخلت غرفتي، حدث ضجيج في الساحة الواسعة أمام المحطة، وأمام الفندق، وبدأ الصياح إذ كانوا يقولون: ليقتل السفاح الخائن، إلى المشنقة.. أما البلاغ الذي أصدره السيد المراقب المدني كوريكون وصرح فيه بأن المظاهرة بقيت هادئة، فهو بلاغ يصطبغ بالوقاحة لعدم موافقته للواقع، إذ كان التهديد بالموت صريحا، وقد تكرر في عنف”..” ثم أضاف المحامي الفرنسي، ” تلك هي الظروف التي انتهت فيها بالنسبة إلي محاكمة المحكمة العسكرية بوجدة، ويبدو جليا لي أن إقامة هذه المحاكمة في مدينة وجدة يعتبر خطأ فادحا.. خلافا لما يوصي به القانون، باستدعاء المحكمة في مثل هذه الحالات لمحاكمة المتهمين في الأمكنة التي مازالت فيها العواطف هائجة مائجة، سيما إذا أضرمت هذه العواطف التي أثارتها حملات من الكذب والاستهتار بالقانون، وأن منظمي هذه الحملات يتجاهلون حقوق الإنسان وواجبات الدفاع”.

مقاومة برؤوس متعددة

عندما وصل خبر تنصيب بن عرفة سلطانا في مراكش، وصادف ذلك وجود عدد من كبار المقاومين في سجون الاستعمار، تحرك شباب المقاومة ورجال الخلايا التي عهد إليها بأسرار النضال. المؤرخ والكاتب العربي الصقلي، يحكي عن هذه الفترة” أخذ المسؤولون عن الخلايا الوطنية يستشير بعضهم بعضا من مدينة إلى أخرى.. بواسطة الهاتف وباستعمال كلمات خفية، وأكدت مدينة الرباط الخبر القادم من مراكش. وكان ينبغي معرفة الرقم الصالح، إنه 52-60 الذي تصدر عنه التعليمات من أجل الشروع في العمل على نطاق واسع.. وفي الساعة الثانية عشرة من يوم 16 غشت ترأس تاجر أحذية اسمه عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (عبد الله الزجلي)، وعمره 34 سنة اجتماعا صغيرا تقرر أثناءه تنظيم مظاهرات لتحدي قوات الاحتلال على الساعة السادسة مساء.

كان الاتفاق على أن يتم الاجتماع في طريق سيدي إدريس، فتقرر إحراق مركز توليد الحرارة، وعهد بذلك إلى نجاري وحرفيي المدينة، وخلقت جماعات للإسعاف، وفرق لمقاومة القمع يستعمل فيها حافلات تغتصب من العدو، وأسندت مهمة تخريب السكة الحديدية إلى عمال القطارات، كما تم خرق خزانات البنزين، وتكلف فلاحو المنطقة بإزالة المعسكر الفرنسي الذي أنشئ في مركز سيدي يحيى. كما تمت مداهمة الجنود في مراكزهم، وسيما بمركز القيادة العسكرية بسيدي زيان للاستيلاء على ما يوجد بها من عتاد حربي.

وفي ظرف بضع دقائق أسفرت الثورة عن عشرات القتلى، ومائة جريح، وقد عمدت السلطات الفرنسية إلى النقص من عدد الضحايا المغاربة، لكن محامين نزهاء من أمثال الأستاذ لوكران، فندوا إحصائيات الاستعمار واستدلوا أثناء الترافع على أن أكثر من ألف قتيل سقط برصاص فرنسا في أحداث وجدة.

مباشرة بعد هذا اليوم المشهود قامت سلطات الإقامة العامة والاحتلال باتهام الأمير مولاي الحسن، آنذاك بأنه العقل المدبر الروحي لانتفاضة وجدة، وأن تتربص به لمحاكمته غيابيا. وفي هذا الصدد يقول رحمة الله عليه : “… وصار ما صار، وأراد الله أن يكون اسمي شخصيا مقرونا بتلك الأحداث التي جرت في وجدة، الشيء الذي جعلني أحال غيابيا على المحكمة العسكرية ونحن في المنفى… “.

أشعلت وجدة الشرارة، وبقي ذلك عالقا في ذهن الملك المنفي وولي عهده آنذاك الحسن الثاني حتى قال، “.. وكانت وجدة في آخر المطاف يوم 16 غشت 1953 أول مدينة أعطت انطلاقة ثورة الملك والشعب، ذلك الشعب المغربي بكامله الذي كان يحس بأن المأساة قد اقتربت، وأن الصراع قد وصل إلى أقصاه، وأن المسالة سوف تنتهي ولا بد أن تنتهي إما بنفي الملك أو بتراجع فرنسا… “.

بين صاحب الجلالة وصاحبة الجلالة

في أكتوبر 1950، وأثناء قيام السلطان محمد بن يوسف بزيارة لفرنسا، كانت الصحف الفرنسية تمجد الصداقة بين المغرب وفرنسا. بعبارات الاحترام بعد أن وشحه الجنرال دوكول بوسام رفيق التحرير.

ورغم ذلك، فإن بعض الصحف الفضائحية مثل فرانس سوار France-Soir ، لم يلفت انتباهها من الزيارة السلطانية إلا ما تعلق بالحياة الخاصة للعاهل، وبمعتقداته الدينية، وبتقاليده وعاداته في الملبس والمأكل…وتم ذلك في أسلوب هزلي كان الغرض منه تسلية القراء أكثر من إثارة حفيظتهم ضد ضيف فرنسا.

وفي دجنبر 1952، بعد أن شهدت الدار البيضاء أحداثا دامية، كتبت الصحافة الفرنسية عن محمد الخامس ناعتة إياه بـ”سلطان الكريان سنطرال”.

وروجت صحف أخرى أخبارا مفادها أن “كوماندو” يستعد للانطلاق من مصر بواسطة مروحية، بغرض مساعدة الأمير مولاي الحسن على الهروب من كورسيكا حتى يؤسس حكومة مغربية في المنفى.

انتفاضة وجدة .. من الشرق بدأت ثورة الملك والشعب
انتفاضة وجدة .. من الشرق بدأت ثورة الملك والشعب

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz