اليوم الوطني للإعلام – تقييم لواقع الصحافة الجهوية بوجدة: تراكم كمي على حساب الكيف ومعيقات تحد من تطور الجادة منها

31079 مشاهدة

وجدة البوابة : سميرة البوشاوني-ميلود بوعمامة : يعود تاريخ الصحافة الجهوية بمدينة وجدة إلى فترة السبعينيات من القرن الماضي، وكانت البداية مع جريدة “المغرب الشرقي” التي أصدرها المرحوم عبد الرحمان حجيرة، لكن الانطلاقة الحقيقية تعود إلى حوالي 23 سنة، حيث ظهرت جرائد واختفت أخرى ولم تصمد منها سوى بضع جرائد لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، ومع ظهور صراعات داخل أطقم تحرير هذه الجرائد، تناسلت هذه الأخيرة فأفرزت عناوين جديدة لم تلبث أن توقفت عن الصدور وأصبحت مع مضي الوقت إما موسمية “إلى حين ميسرة” أو حولت مسارها نحو الشبكة العنكبوتية فأضحت جرائد إلكترونية.الصحافة الجهوية بوجدة تنوع كمي…
منذ سنوات التسعينات إلى الآن شهدت الساحة الإعلامية بمدينة وجدة ميلاد أكثر من 27 عنوانا لجرائد محلية وجهوية، منها الأسبوعية والنصف شهرية والشهرية، الشيء الذي جعلها تحتل المرتبة الأولى وطنيا من حيث الإعلام الجهوي، وقد تميزت بعض هذه الجرائد بالجدية والمسؤولية وتمكنت بالرغم من العوائق والإكراهات المادية والمعنوية من الصمود والاستمرار في إصدار أعدادها بشكل منتظم، ساعدها في ذلك نسبة القراء الذين تمكنت من كسبهم نتيجة مواضيع القرب التي كانت تعالجها لدرجة اعتبرها البعض لسان حالهم ووسيلة تمرير همومهم وانشغالاتهم إلى الجهات المسؤولة.وتعتبر جريدة “الشرق” من الجرائد الجهوية الأولى بمدينة وجدة التي حافظت على انتظام صدورها، تأسست سنة 1992 وتمكنت من الصمود في وجه الإكراهات والظروف الصعبة، كما تمكنت آنذاك بإمكانيات ضعيفة وعزيمة قوية لطاقم شاب كفء وطموح من تحقيق النجاح في ظرف قياسي، ولقيت تجاوبا كبيرا من القراء بعد تكسيرها لعدد من الطابوهات ومواكبتها للقضايا والأحداث المحلية، شأنها في ذلك شأن بعض الجرائد التي صدرت بعدها ك”الحياة المغربية” و”الحدود” و”الحدث الشرقي”…دور الإعلام الجهوي في التنميةلا أحد يمكنه أن ينكر الدور الذي يلعبه الإعلام الجهوي والمحلي في التنمية الشاملة للجهات، خاصة على مستويات عدة من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية وغيرها، وقد أثبتت الصحافة الجهوية بالجهة الشرقية دورها الفعال في إيصال صوت الجهة خارج مدارها الجغرافي، وكان لها الفضل في إيلاء نوع من الاهتمام والعناية بهذه الجهة التي عانت كثيرا من التهميش والإقصاء، كما أصبح لها موقع إعلامي على الشبكة العنكبوتية يشكل مرجعا لمن يرغب في الاطلاع على بعض مما تشهده الجهة الشرقية من أحداث ومنجزات.وعلى الرغم من هذه النقط الحسنة التي تحسب للإعلام الجهوي والمحلي على وجه الخصوص، إلا أن هذا لا يمنع من الإشارة إلى الإقصاء الذي يطال الإعلام الجهوي في مجموعة من المجالات، من بينها حرمان ممثلي الصحافة الجهوية المكتوبة من المشاركة في الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة، وذلك لأن اللجنة المنظمة تشترط التوفر على بطاقة الصحافة المهنية، وهذا امتياز لا يحظى به الصحفي الجهوي إلا قلة قليلة، زيادة على حرمان بعض ممثلي هذه الصحافة من حقهم في الأخبار والوصول إلى المعلومة من طرف السلطات المحلية والمصالح الخارجية لعدد من الإدارات العمومية…معيقات نالت من تطور الصحافة الجهويةإن ارتباط الجرائد الجهوية بمحوري الرباط والدار البيضاء من ناحية الطباعة والجانب التقني، وغياب الدعم الحكومي، باستثناء جريدة “الشرق” التي حصلت على رقم اللجنة الثنائية الذي يسمح لها بالحصول على الدعم الحكومي، واحتكار مؤسسات إعلامية بعينها لسوق الإشهار، أسباب انعكست سلبا على سيرورة الجرائد الجهوية والمحلية بوجدة وجعلتها مع مرور السنين تصارع من أجل البقاء، كما أثر غياب التكوين واختلاف المصالح والتوجهات بين مديري هذه الجرائد على الأداء الإعلامي والصحفي على العموم، وبينما حافظت بعضها على مقرات عملها وعلى صدورها المنتظم فقدت عمود فقرها المتمثل في هيئة التحرير، الشيء الذي جعلها تقع في هفوات كثيرة وتعتمد على قرصنة المقالات الجهوية من الجرائد الوطنية ونشرها بدون إحالة على المرجع، ونشر المحاضر الأمنية و”مانشيتات” مثيرة لا علاقة لها بجوهر المقال الداخلي… وبالرغم من ذلك تبقى أحسن حالا من جرائد أخرى موسمية يعتمد أصحابها في إصدارها على ما يجود به أحد المسؤولين أو أكثر فتجدها تستحضر منجزاته، الواقعية والخيالية، وتفيض فيه مدحا وتملقا مكشوفا، إضافة إلى إحراج بعض المنتخبين ورجال الأعمال في المناسبات الدينية والوطنية، وذلك بنشر إعلانات التهاني بأسمائهم لابتزاز مبالغ مالية مهمة منهم، وهو الأمر الذي ساهم في توسيع الهوة بين القارئ والصحافة الجهوية، وجعله يفقد الثقة في بعض ممثليها ويعتبرهم مجرد سماسرة ومتطفلين على مهنة لها أخلاقيات تستوجب الاحترام.وبالرغم من وجود “الجمعية المغربية للصحافة الجهوية” وفرع النقابة الوطنية للصحافة المغربية بوجدة، الإطاران اللذان يفترض فيهما تنسيق العمل الصحفي بالمدينة والجهة، والضغط من أجل تفعيل توصيات المناظرة الوطنية الأولى للإعلام والاتصال المنعقدة عام 1993 بمدينة الرباط في شقها المتعلق بالصحافة الجهوية، فلازالت الصحافة الجهوية بوجدة تتخبط في مجموعة من المشاكل تحد من تطورها وتؤدي إلى انحرافها عن سكة المهنية والموضوعية…حتى لا ننساهم.. أسماء وجدية في الذاكرة الإعلامية* عبد النبي بوتشيش: يعد رحمه الله من الرعيل الأول في الصحافة الجهوية والمحلية بوجدة، حيث أسس بمعية زملائه بداية السبعينيات من القرن الماضي أول جريدة محلية كانت تسمى آنذاك “المغرب الشرقي” وضمت طاقما صحفيا متميزا، منهم من انتقل إلى دار البقاء ومنهم من لايزال يكابد ظروف الحياة وظروف مهنة المتاعب بثبات وإصرار بالرغم من الإكراهات الراهنة، وهو أول شخص يشغل مهمة مراسل بالجهة الشرقية حيث كان مراسلا لجريدة “الرأي”، وكانت مقالاته الرياضية تثير العديد من القراء وأحيانا تغضب بعض المسؤولين الذين كانوا يشرفون على تسيير دواليب النوادي والفرق الرياضية بوجدة والجهة الشرقية ككل، وقد جايله كل من محمد حماد الزروقي (العلم)، محمد لوصيفي (لومتان)، يحيى الكوراري وقاسم جدايني (إذاعة وجدة الجهوية)، محمد الساهل (جريدة المغرب)، ومحمد كحيحل (ليبراسيون)..* يحيى الكوراري: بتذكر الإعلامي الراحل “سي يحيى” نتذكر عزمه وإيمانه الأكيد في إدخال الفرحة على العائلات المغربية، صاحب برنامج “تهاني وأماني” على أمواج إذاعة وجدة الجهوية الذي كان يوقف الحركة أسبوعيا داخل الآلاف من البيوت من داخل وخارج أرض الوطن لمدة تزيد عن العشر سنوات، وبرنامج “بالأحضان يا وطني” الذي كان أكثر شعبية في المغرب والخارج ولقي نجاحا كبيرا لأنه كان وراءه رجل وطني عاشق ولهان في حب وطنه ترك بصماته أثيريا في كل شبر من التراب الوطني، وكان رحمه الله دائم الترديد “فلا تزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى” و”الكلمة الطيبة صدقة”. بإذاعة وجدة الجهوية كانت البداية سنة 1967 وبإذاعة وجدة كانت المعاناة والنهاية سنة 1997، ثلاثون سنة من العطاء والجد والمثابرة، ثلاثون سنة قضاها المرحوم يحيى الكوراري وراء الميكروفون بمحطتي وجدة القديمة والجديدة، عانق خلالها كل معاناة المواطن المغربي بالداخل والخارج وكان أمله دائما وأبدا أن يبدد الألم بالأمل.* بدر الدين ادخيسي: كان حضوره رحمه الله متميزا بين زملائه الصحافيين والمراسلين في المنصات الشرفية للقلم والرأي داخل المستطيلات المعشوشبة المكشوفة والمغطاة، نقل بالقلم والصورة أجواء وأفراح عاشتها فرق المنطقة الشرقية على مستوى الرياضات الجماعية والفردية وهو أحد الأقلام الواعدة التي زاوجت بين اللغتين العربية والفرنسية وأحيانا الروسية كمترجم لرياضيين أجانب (روس) زاروا المغرب أو الجهة الشرقية، عمل بجريدتي “البيان” و”بيان اليوم”، ويعد من المراسلين الصحفيين الأوائل، كتب في جميع الأجناس الصحفية وفي مختلف المواضيع، لكن الرياضة كانت شغله الشاغل، خاصة مقالاته التحليلية في رياضة الفن النبيل، الذي تقلد من خلالها مهام عديدة منها رئيس عصبة المغرب الشرقي للملاكمة عدة مرات، ثم “طبيب الحلبة” على المستوى الجهوي والوطني والعربي والإفريقي.* ورياشي الهواري: غيبه الموت في سن مبكرة خلال مرحلة من العطاء والمثابرة والجدية في العمل الصحافي الجهوي، وهو المولوع بالملاعب والفضاءات الرياضية المحلية والجهوية، ويحلل معانيه وأهدافه بكل احترافية وموضوعية من خلال مقالات تصب في العمق، وكانت مقالاته تستوفي جميع شروط العمل الصحفي الجاد والهادف بشهادة زملائه ومن جايله داخل مقر جريدة “الشرق” الأسبوعية، التي عمل بها كمشرف على الصفحات الرياضية مدة طويلة حتى وافته المنية.* عمر بنهرى: عن سن 44 سنة رحل عمر بنهارى رئيس المحطة الجهوية للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة بوجدة، التحق بالإذاعة والتلفزة المغربية سنة 1996، ثم شغل منصب رئيس خلية السمعي البصري بمصلحة الاتصال بالقوات الجوية الملكية، ثم رئيس تحرير قسم الأخبار بالتلفزة المغربية، وبعد ذلك التحق بمحطة وجدة ليشغل منصب المدير، وفي نفس الوقت مراسلا للتلفزة المغربية “القناة الأولى” من وجدة والجهة الشرقية، فكان نعم الرجل في التواصل مع كل مكونات المجتمع المدني بوجدة والجهة…* محمد بنعمارة: ارتبط اسم الراحل محمد بنعمارة بالشعر الصوفي وبإذاعة وجدة الجهوية، وكانت حدائقه بالإذاعة تحتضن قصائده ودواوينه وقصائد كل المولعين بالشعر، “حدائق الشعر” البرنامج الأدبي الذي وصل صداه إلى المشرق العربي بفضل الشاعر والإعلامي محمد بنعمارة، ويعد أحد قيدومي إذاعة وجدة الجهوية وأحد الأقلام التي سطع نجمها في العالم العربي، اشتغل كإعلامي بمحطة وجدة زهاء ربع قرن حاور مطرب الأجيال محمد عبد الوهاب وكبار الشعراء العرب، أسس جريدة “المشهد الشرقي” لكن مع الإكراهات التي واجهته بخصوص مصاريف الطبع والمرض حالت دون استمرارية هذا المنبر.* صحافيون ودعوا في صمت: كثيرة هي الأسماء الإعلامية والصحفية التي صنعت الحدث باختلاف أنواعه بمدينة وجدة، وراكمت إبداعات صحفية بالقلم وحسب مشاربها ووسائلها الإعلامية، وبالتالي غادرتنا إلى دار البقاء في صمت ودون سابق إعلام ومن بينهم: جمال بلقاسمي (الإذاعة الجهوية بوجدة) محمد زروق (مدير سابق لإذاعة وجدة الجهوية)، ميلود الهامل (الوفاء الوطني) والشاب الشيخ مبطيل (مدير نشر جريدة الشرق المغربية)…

اليوم الوطني للإعلام - تقييم لواقع الصحافة الجهوية بوجدة: تراكم كمي على حساب الكيف ومعيقات تحد من تطور الجادة منها
اليوم الوطني للإعلام - تقييم لواقع الصحافة الجهوية بوجدة: تراكم كمي على حساب الكيف ومعيقات تحد من تطور الجادة منها

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz