اليوم العالمي للمدرس مناسبة لمصارحة الذات والانتصاف والإنصاف

114416 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة في 7 اكتوبر 2013، تختلف سنويا أشكال الاحتفال باليوم العالمي للمدرس حسب اختلاف إيديولوجيات دول العالم . ولا تعنينا أساليب احتفال غيرنا بهذه المناسب إلا إذا كان القصد هو إجراء مقارنة بيننا وبين هذا الغير لمعرفة موقعنا داخل هذا العالم الذي صار قرية صغيرة باعتبار طرق التواصل الحديثة بين أقطاره . ومما أثار انتباهي تخصيص إعلامنا الرسمي لدقيقة أو دقيقتين لهذه المناسبة خلال نشرة أخبار، والتي تختزل بعض المناسبات اختزالا في حين تسهب إسهابا في تغطية مناسبات أخرى . وعلى كل حال لم يكن حظ المدرس في نشرة الأخبار بمناسبة اليوم العالمي للمدرسي كحظ الفرس الذي يخصص له أسبوع كامل ، بل قد صار هذه السنة حديث أيام طويلة . ولا نستبعد أن يخصص للفرس شهر أو شهور ، ويقلص اليوم العالمي للمدرس إلى دقيقة أو دقيقتين . واليوم العالمي للمدرس اختزلته التلفزة المغربية في روبرتاج عابر عن مدرسة في القطاع القروي صورت لها لقطات في القسم وأخرى في بيتها للكشف عن سوء أوضاعها . وهنا يتساءل المرء هل أرادت التلفزة المغربية التعبير عن سوء وضع المدرس المغربي عموما أم عن سوء وضع المدرس في القطاع القروي ؟ وهل كان الروبرتاج جامعا مانعا كافيا للتعبير عن وضعية المدرس ، وفي حجم مناسبة دولية ؟ وكان من المفروض أن يكون اليوم العالمي يوم عطلة وهو أضعف الإيمان من أجل تمكين المدرسين من التجمع في مهرجانات خطابية وتظاهرات تستعرض أحوالهم كما هو حال اليوم العالمي للشغل . وقد يقول قائل إن المدرسين يخرجون في اليوم العالم للشغل ،وأقول ليس التدريس شغلا فهو فوق الشغل وهو أشرف من الشغل ، ولا يشرفه أن ينعت بالشغل لأنه أشرف ما في الدنيا باعتبار الثقافة الإسلامية التي من شعاراتها : ” خيركم من تعلم العلم وعلمه ” ، ” والدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا عالم أو متعلم ” وشرف التدريس لا يعني بالضرورة بخس الشغل الذي له شرفه أيضا بل لا بد من مراعاة فضل مهمة التدريس خصوصا وأنه مصدر إمداد العديد من مراكز الشغل بالموارد البشرية بعد تعليمها . وفي اعتقادي أن اليوم العالمي للمدرس يجب أن يكون مناسبة مصارحة الذات والانتصاف والإنصاف بالنسبة للمدرس قبل غيره . ومن باب مصارحة الذات ألا يتنكر المدرس عندنا من مسؤوليته عن تردي المنظومة التربوية المغربية ، وينحي باللائمة على غيره ، كما أنه من باب الانتصاف والإنصاف ألا يحمل وحده وزر تردي هذه المنظومة . فالمدرسون ليسوا سواسية من حيث حضور أو غياب الضمير المهني، فمنهم من يبذل كل ما في وسعه من أجل الرفع من مستوى جودة المنظومة التربوية ، ومنهم من لا يحرك ساكنا من أجلها بل يساهم بشكل أو بآخر في تخريب هذه المنظومة . ولا يمكن أن نحمل جميع المدرسين أخطاء الذين يتسببون في خراب المنظومة التربوية ، كما أنه لا يمكن أن ينسب ما تحقق من نجاح هذه المنظومة للجميع. فقد نجد مدرسا قد طوحت به الظروف في الفيافي ومع ذلك لم يستسلم لليأس ، ولم يعطل ضميره المهني ، وهو نموذج في التضحية في ظروف عمل مزرية . كما أننا قد نجد مدرسا آخر بيته على بعد أمتار من مقر عمله ، وهو كثير الشكوى والتذمر ، ولا ضمير مهني له ، وهو أو مخرب للمنظومة التربوية . ولا أقصد بالمثالين تعميما بل مجرد تمثيل لا يستطيع أحد أن ينكره والشاهد عليه واقع لا يمكن أن يكذب . فطالما طالب المدرسون المطوح بهم في المناطق النائية بإنصاف مادي ومعنوي ، وهم يستحقون تعويضا عن رباطهم بعيدا عن مدنهم وقراهم الأصلية . وإن تعويضا يخصص لهم من شأنه أن يشعرهم بكرامة مجروحة حيث يتقاضون ما يتقاضى غيرهم مع كثير مشقة وعناء وظروف عيش قاسية ، وهذا ظلم لا يمكن أن يقبل . فما معنى أن يعين المدرس في منطقة نائية يصل إليها عبر كل وسائل النقل بما فيها الدواب والسير على الأقدام ، ويسكن في سكن مهين ، ويطعم طعام الأثيم ، ويدرس في فصول كأنها مرابط البهائم ، وذلك بنفس الأجر الذي يتقاضاه غيره في ظروف مختلفة مسكنا ومطعما ومركبا ومقر عمل ؟؟؟ فهلا حرصت الوزارة على تمييز المدرس المحروم من ظروف العمل المناسبة بتمييز في الأجر عن غيره ممن يعمل في ظروف مناسبة تشجيعا له و ليصبر على التحمل والتضحية ؟ أليس من الانتصاف والإنصاف أن يكون المدرسون سواسية كأسنان المشط أمام وزارتهم من حيث تكافؤ فرص العمل وظروفه ،وذلك بتعويض مادي لمن بعد مقر عمله وساء سكنه ، وساء عيشه لينفق من هذا التعويض على نفسه ، ويلحق بمن هم أحسن منه حالا في وضعيته الاجتماعية وحالته النفسية؟ ومن مصارحة الذات ألا يأخذ المدرس الذي يعمل في ظروف قاسية المتعلمين بجريرة الوزارة فيقصر في حقهم ولا يبلغ رسالته المقدسة كما بلغها الرسل والأنبياء في ظروف قاسية وصفها القرآن الكريم . فكم من مدرس من الذين طوحت بهم الظروف في شبه مناف بعيدة ،انصرف إلى إعداد الشواهد ليس رغبة في العلم وإنما فرارا من تلك المنافي عن طريق تغيير إطاره الذي يخول له الانتقال من سلك تعليمي قدره المحتوم المناطق النائية إلى سلك آخر محظوظ إلى حد ما ويوجد بمناطق مقبولة إلى حد ما أقول هذا حتى لا أغضب الذين خلصتهم شواهدهم العلمية من جحيم وأدخلتهم جحيما آخر من نوع جديد ،ورب جحيم أسوأ من جحيم .فمن قصر في حق المتعلمين فانقلوا من مستوى إلى آخر وهم لا يستطيعون رسم أسمائهم العائلية والشخصية حتى لا أقول كتابتها كما يثبت واقع الحال وحاز شهادة علمية عليا إنما حاز في الحقيقة شهادة عار إذ لا يعقل أن يحوز شهادة عليا ومن درسهم لا يميزون كوعا من بوع . وعليه إن كان قد حاز الشواهد على حساب أداء الواجب أن يكفر عن ذنبه بالجد والاجتهاد عندما ترقى من سلك إلى آخر، وألا يواصل جريمة الإخلال بالواجب عسى الله أن يكفر عنه ما كان منه من تقصير . ومن الانتصاف والإنصاف أن تراجع الوزارة مساطر ما يسمى الحركة الانتقالية وألا تحكم على المدرسين بالتعيين المؤبد في مناطق معينة كما هو واقع الحال حيث يتقاعد العديد منهم بل ويموتون ، وهم يحلمون بالانتقال وقد أعياهم التحرك اليومي بين مقر سكناهم ومقر عملهم . ومن الانصاف ألا تنقل الوزارة مجموعة منهم بقرار خارج لعبة الحركة الانتقالية كما كان الحال في مواسم دراسية سابقة ثم تلغي هذا القرار بعد استفادة شريحة منه دون غيرها ، وهذا لعمري منتهى الظلم . ومن الإنصاف ألا تشتغل شريحة من المدرسين بحصص مخفضة ، وفي ظروف عمل مناسبة إن لم نقل جيدة ، في حين تعمل شريحة أخرى بحصص كاملة وفي ظروف عمل جد سيئة . ومن الإنصاف أن ينقل الفائض إلى حيث يوجد الخصاص داخل النيابة الواحدة عوض تشغيل مدرسين في غير اختصاصهم بذريعة تعذر نقلهم علما بأن النقل الذي يكون ممكنا من أماكن إلى أخرى يتعذر في حالة العكس ، وهو مهزلة مثيرة للسخرية وظلم صارخ . ومن الإنصاف أن يشتغل المستفيدون من ظروف عمل مناسبة بحصص كاملة ، في حين تخفف حصص الذين يشتغلون في ظروف صعبة وسيئة من أجل ضمان مبدإ تكافؤ الفرص بين جميع المدرسين . ومن الانتصاف أن يعترف المدرسون فيما بينهم بالظلم النازل بزملائهم من حيث ظروف العمل ، ويقبلوا بمصارحة الذات ، وبتعميم مبدإ تكافؤ الفرص من خلال التنازل عما ليس لهم بحق من قبيل حصص العمل المخفضة في ظروف عادية ، ومن قبيل القبول بتعويض المتضررين بتعويضات عن ظروف العمل القاسية وعدم المطالبة بها في ظروف عادية . و إن الاحتفال باليوم العالمي للمدرس ليس مجرد مناسبة تمر مرور الكرام بل هي مناسبة لمصارحة الذات والانتصاف والإنصاف . والله نسأل أن ينصف المدرسين من كل ظلم نالهم ، وأن يبصرهم بظلم بعضهم البعض وبظلم الناشئة البريئة التي لا يمكن أن تتحمل وزر الوزارة لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى في شرع الله عز وجل .

اليوم العالمي للمدرس مناسبة لمصارحة الذات والانتصاف والإنصاف
اليوم العالمي للمدرس مناسبة لمصارحة الذات والانتصاف والإنصاف

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz