الياس حموتي – الخطأ القاتل

87075 مشاهدة

ليلة القدر وفي القدر تقدر اقدارنا وتبنا حياتنا او تهدم، ليلة بألف شهر، تنسى الاوجاع، وتؤصل فيه الأوصال وتبنى في المحبة، وتغفر فيه الزلات، وتمحى بها الخطايا وتفرج فيه الكربات.

لقد ارتأيت في هذه الليلة وبعد فراق كبير بيني وبين الكتابة ، والسبب في ذاك ترهل الذات، وقهر الوقت واتباع الشهوات وما ابرء نفسي من الغفلات ، ان اقوم ببحث يحقق لي الاستقرار لأخطاء اقترفتها او لمشاكل عشتها ولأجد لنفسي سبيل رشد ومنقذ، لقد حاولت من خلال هذا العبط الصغير والذي اطلقت عليه اسم الخطأ القاتل، ان أبرز المنعرجات الكفيلة بقتل الروح في العلاقة بالأخر او الاخرين، والتعبير عنه بالدليل النصي ان أداة القتل في الخطأ موجودة ولكن الله جعل الاستغفار باعث للحياة وهي الحالة الوحيدة في هذا الكون التي ترجع الروح فيها وتحيا فيه مصداقا لقول الله تعالى :

           فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِين َ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا 

صدق الله العظيم

لقد فصل الدكتور سلمان العودة في مقاله “هذا هو الخطأ” الامور التالية :

الخطأ هو أمر مخالف لما يجب أن يكون، فلا بأس أن نعرّفه بالنقيض، أو بالضدّ فنقول: الخطأ ضدّ الصواب، بمعنى: أن يفعل الإنسان أو يقول ما لا يصلح له أو يقوله أو يفعله

ففي معيار الشرع يجسم الخطأ بجريمة وذلك حين يقول الله تعالى :

وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا

وقد يُطلق الخطأ على ما هو ضدّ العمد.

علت هذا الأمر خطأً، يعني من غير تقصّد، وهذا ورد في موضوع القتل ذاته في القرآن الكريم في قوله: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا } [النساء:92]، كأن يكون أراد أن يصيد طيراً فأصاب إنساناً، فقد يُسمّى خطأً ما هو ضدّ التعمّد؛ لغفلة أو نسيان من غير نيّة ولا إرادة.

والخطيئة شيء أشنع من الخطأ، والإنسان ربما أراد الحقّ فأخطأه، أما الخطيئة فهي كونه أراد الباطل فأصابه.

وقد تُطلق على الخطأ الكبير الشنيع من كبائر الذنوب، وعظائم الموبقات؛ ولذلك يقول إخوة يوسف: { يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُبنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } [يوسف:97]، ولم يقولوا مخطئين؛ لأنهم كانوا تعمّدوا هذا الفعل، وأدركوا أن فِعلتهم فِعلة عظيمة، فاجتمع جانبا التغليظ: القصد، والشدّة.

والخطأ جزء من الطبيعة البشريّة وقد خُلق الإنسان خلقاً لا يتمالك كما في صحيح مسلم والإنسان بشر وليس ملَكاً، حتى الأنبياء في دائرة البشرية { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } [الأنعام:9]؛ ولذا فالأخطاء قد تكون نعمة من الله، وقد يجني المرء بسببها من الفوائد ما لا يحتسب، فهي نعمة إذا قادتنا إلى الصّواب، وإذا أحسّنا التعامل معها

حتى خطأ المعصية يكون نعمة إذا حمل الإنسان على التوبة والإنابة والانكسار، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: « عَجَباً لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ » رواه مسلم.

هذا في مصائب الدنيا، وهو جارٍ في مصائب الدين إذا تاب العبد منها وأناب ورجع إلى الله -عز وجل- فتكون خيراً له، فيكون العبد بعد التوبة أفضل منه قبل الذنب، كما قيل عن آدم وداود عليهما السلام

الخطأ بقضاء وبقدر، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى الإيمان بهذا المعنى، « وَإِنْ أَصَابَكَ شيء فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ » رواه مسلم وأحمد عن أبي هريرة.

على الإنسان ألاّ يلتفت إلى الوراء، وإنما ينظر إلى الأمام، ويدرك أنه كما أن الخطأ قَدَرٌ فالصواب قَدَرٌ، المعصية قدر، والتوبة قدر أيضاً، الهدم قدر، والبناء والتعمير قدر كذلك، الشر قدر، والخير قدر، بل النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ”

يقول الله جل وعلا: { مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } [النساء:79]، وقد نبّهنا الله إلى مقاومة الخطأ والشر، فالترهيب والتخويف تحذير من ركوب المعصية والترغيب والوعد بالرضوان والجنة دعوة إلى التوبة وفتح لأبوابها، « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مسيء النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مسيء اللَّيْلِ » رواه مسلم والنسائي.

المصائب التي تصيب الإنسان حتى الهمّ والغمّ والشوكة يُشاكها وغيرها مما يكفّر الله بها عنه من خطاياه.

الثواب والعقاب هي أحد أوجه الحافز، لكن حين تتحدث عن الخطأ فذِكْر العقاب هو أقرب؛ لأن العقاب للرّدع

الحدود الشرعيّة والعقوبات الدنيويّة المقدّرة في الكتاب والسنة هي زواجر عن الوقوع في حمى الله سبحانه وتعالى « أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ »، لكن الثواب هو نوع من الجائزة والعطاء؛ لحفز الإنسان على فعل الخير وعلى الإنجا.

فالخطأ يُعالج بالتهديد بالعقوبة حتى يمتنع عنه الإنسان.

من أراد الحياة في أبهج صورها وأبها حُللِها عليه بغسل قلبه بالعفو وعفّره بالمغفرة، قام رجل يسبُّ أبا بكر الصديق ويقول: والله لأسبنَّك سباً يدخل معك قبرك، فقال أبو بكر: بل يدخل معك قبرك أنت، وسبَّ رجلٌ الإمام الشعبي فقال الشعبي: إن كنتَ كاذباً فغفر الله لك، وإن كنتَ صادقاً فغفر الله لي، إن تحويل القلب إلى حيّات للضغينة وعقارب للحقد وأفاعي للحسد أعظم دليل على ضعف الإيمان وضحالة المروءة وسوء التقدير للأمور.

يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : “إذا أوقف العباد نادى منادٍ: ليقم من أجره على اللَّه وليدخل الجنة، قيل: من ذا الذي أجره على اللَّه؟ قال: العافون عن الناس”.

ليس بالإمكان أن نقول أن العفو جميل في كل الموارد وعامة المواضيع وسائر شؤون العباد والبلاد، وعلى ضوء ذلك يقال ليس هناك عفو غير جميل، بل الصحيح أنه يوجد عفو قبيح حذّرنا منه الإسلام ولا يعتبر من الفضائل بل هو من الرذائل والذي لا بد من معرفته أنه ما هو الضابط الذي على ضوئه يصبح العفو جميلاً أو قبيحاً والجواب أن العفو بأصله جميل إلا ما ورد النهي عنه والتنبيه منه، والأمر الذي يعتبر قاعدة في المقام هو ما كان فيه العفو عنصر مساعدة على الإصلاح والبناء سواء من ناحية فردية أو جماعية من حيث كونه مقرباً إلى اللَّه سبحانه ومعاوناً على التزام خط الاستقامة فهو مطلوب ومرغوب وأما ما يشكل عنصر مساعدة على الانحراف وتشجيع على تكرار الاعتداء وانتهاك الحقوق لأنه كلما عفا صاحب الحق كرّر المعفو عنه الجرم مرة أخرى وهكذا فهو غير مرغوب ولا مطلوب بل ويقبح في مثل هذه المواطن. إلى حد يوجب استنكار الآخرين.

ومثال العفو الجميل ما روي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لرجل شكى إليه خدمه: “اعف عنهم تستصلح به قلوبهم” فقال: يا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إنهم يتفاوتون في سوء الأدب. فقال: “اعف عنهم” ففعل.

لا حب من دون سماح،و لا حب من دون مغفرة، فبدون سماح و مغفرة هكذا اصل الرسول الكريم في قوله “اعف عنهم تستصلح به قلوبهم “,لكن لا يمكن أبدا لحياة الأحبة ان تخلو من المشاكل، سواء تعلق الأمر بمشاكل كبيرة أو صغيرة، و هنا يأتي دور السماح في الحب، فمهما كانت المشكلة كبيرة فالحب قادر على تصغير المشكلة و تقليصها بعد ان يحاول احد الطرفين نسيان الأمر و الشفاعة بالأشياء الأخرى الجميلة التي فعلها في سبيله والذكريات الجميلة التي عاشاها معا.

هكذا جمعنا معا خلاصة تجمع بين تبرير الخطأ وعظيم اجر المتسامح ولا ننس قول الشاعر حين قال:

بأدْنَى ابْتِسَامٍ مِنْكَ تحيَا القَرَائِحُ

وَتَقوَى من الجسْمِ الضّعيفِ الجَوارحُ

وَمَن ذا الذي يَقضِي حقُوقَكَ كلّها

وَمَن ذا الذي يُرْضي سوَى من تُسامحُ

وَقَدْ تَقبَلُ العُذْرَ الخَفيُّ تكرَّماً

فَما بالُ عُذْري واقِفاً وَهوَ وَاضحُ

وَإنّ مُحالاً إذْ بكَ العَيشُ أنْ أُرَى

وَجِسمُكَ مُعتَلٌّ وجِسميَ صالحُ

وَما كانَ تَرْكُ الشّعرِ إلاّ لأنّهُ

تُقَصّرُ عَن وَصْفِ الأميرِ المَدائحُ

ويقول اخر :

فهبني مسيئا كالذي قلت ظالما

فعفوا جميلا كي يكون لك الفضل

فإن لم أكن للعفو منك لسوء ما

أتيت به أهلا فأنت له اهل

وأنهي باحسن ما قد قيل :

فإن كنت تبغي بالعقاب تشفيا فلا تزهدن عند التجاوز في الأجر

 

والسلام

الياس حموتي

اترك تعليق

1 تعليق على "الياس حموتي – الخطأ القاتل"

نبّهني عن
avatar
abdelbar hammouti
ضيف

machalh 3lik chere cosin kif dima mhamrnna wajhnna

‫wpDiscuz