الوفا.. ارحل

29866 مشاهدة

أخبار اليوم المغربية – توفيقبوعشرين/ وجدة البوابة: للوزير الاستقلالي، محمد الوفا، الذي أخطأ طريقه إلى جامع الفنا في مراكش ودخل إلى وزارة التعليم في الرباط على متن عربة حزب الاستقلال، نقول: لقد حان الوقت لترحل عن الوزارة وترجع إلى بيتك حتى لا تخلف وراءك ضحايا جددا.

لما عُين الوفا وزيرا للتعليم كتب السوسيولوجي محمد الناجي قائلا: «منذ مدة قتل حزب الاستقلال المدرسة العمومية في المغرب على يد العراقي، والآن جاء محمد الوفا ليدفن هذه المدرسة»، ولم يخب تكهن المثقف بشأن السياسي.أمس تظاهر أمام وزارة الوفا الآلاف من نساء ورجال التعليم، ورفعوا شعارات تنادي برحيل الوزير الذي راكم في أقل من سنة أخطاء وخطايا كثيرة، وكل هذا بسبب لسانه الطويل الذي امتد إلى مشاعر طفلة صغيرة في مراكش ليجرحها عندما باغتها، وهو في زيارة للمدرسة قبل أشهر وأمام أصدقائها الأطفال، وقال لها: «ماذا تفعلين هنا؟ أنت لا ينقصك إلا الزواج»! عوض أن يشجع الطفلة على الدراسة وعلى التحصيل، اختار أن يجعل منها مادة للسخرية!لو كنا في بلاد ربع ديمقراطية لقدم الوزير استقالته أو لأقاله رئيس الحكومة، لكن في المغرب هناك ثقافة سياسية رديئة تتسامح مع تجاوزات السياسيين، وتغض الطرف عن انحرافات السلطة لأن منطق التحالفات السياسية وحسابات الائتلافات تجعل الحكومات رهينة في يد وزراء مثل الوفا، الذي أدخل إلى القاموس السياسي الوزاري عبارات مثل: «المدير وصاحبتو»، و«أوباما باباه معندوش مدارس بحال المغرب» و«بوشعكاكة»، «والله حتى انطيرو»… علاوة على مقلب «مرشح سيدنا» للأمانة العامة لحزب الاستقلال، الذي فشل في آخر لحظة بفضل دهاء حميد شباط.من أين يأتي مثل هؤلاء الوزراء إلى كراسي المسؤولية؟ وكيف يعبرون المصفاة التي تمر منها النخبة عادة قبل الوصول إلى الوزارة؟ وما هي المعايير التي تحكمت في اختيار الحزب لمن يمثله في الوزارة؟ وما هي المحددات التي قبل بها رئيس الحكومة وزيرا مثل الوفا في فريقه؟ وما هي الأبحاث والآراء التي عرضت على الملك لتعيين مثل الوفا في منصب حساس مثل هذا؟رحلة الاستوزار في المغرب غير مبنية دائماً على أسس ومعايير من الكفاءة والخبرة والمسار النضالي والسياسي والمستوى التعليمي والقدرة على الإدارة والتسيير. في كثير من الأحيان تبرز معايير أخرى في عملية الاستوزار.. معايير عائلية وقبلية وشخصية، ومادامت الأحزاب السياسية أضحت جلها حافلات لوصول أعضائها إلى المناصب والامتيازات والكراسي، فإن الاستوزار صار عملية سهلة. يكفي أن يعتمد الحزب على كتيبة من الأعيان يدخل بها إلى الانتخابات.. كتيبة تستعمل المال والجاه ونفوذ السلطة للوصول إلى أصوات الناس، ثم عندما يحصل الحزب على عدد من المقاعد في البرلمان يبدأ عملية التفاوض على عدد المقاعد في الحكومة دون الحديث عن برنامج ولا عن إيديولوجيا ولا عن خط سياسي. ولما يحصل الحزب على حصته في الحكومة يشرع زعيمه، خارج أية ضوابط تنظيمية أو مسطرة قانونية، في وضع الأسماء التي يقترحها للاستوزار، وهنا تشتغل المؤامرات والحسابات والعلاقات العائلية ودرجة القرب أو البعد من السلطة وحتى الأموال (أعرف وزراء دفعوا ملايين الدراهم ليصبحوا أعضاء في الحكومة، ومنهم من نجح، ومنهم من فشل فوعدوه بالاستوزار في فترة قريبة).كيف تجري الأمور؟ عشية وضع قوائم الوزارة في قائمة اللائحة يضع الزعيم اسمه، ثم اسم واحد من عائلته أو المقربين منه، ثم بعض الأطر، سواء من داخل الحزب أو حتى من خارجه، لذر الرماد في العيون، ثم أسماء الأصوات المزعجة، والتي إن بقيت خارج السرب الحكومي فإنها ستفسد الحفلة على الزعيم، ثم الأسماء التي تتوفر على نفوذ تنظيمي في الحزب.لم يحدث إلا نادرا أن رفض مناضل في الحزب أن يكون وزيرا، أو اشترط واحد من كوادر الحزب أن يتولى وزارة بعينها، وألا يأخذ أية وزارة تعرض عليه كما فعل عادل الدويري في حكومة الفاسي، حيث اشترط المالية أو لا شيء. القاعدة أن أعضاء الحزب يبدؤون في التنافس على الوزارات الكبيرة، ثم ينتهون بقبول أية وزارة يستطيعون الوصول إليها. أما حكاية البرنامج فلا أحد يسأل عنها.مع حكومة بنكيران وقع تقدم نسبي، حيث حضرت بعض المعايير العقلانية في اختيار بعض الوزراء، لكن القاعدة القديمة التي ترى في الوزارة غنيمة وامتيازا استمرت، وهي التي جاءت بوزير مثل الوفا الذي سيلقن المغاربة دروسا في الابتذال السياسي لن ينسوها أبدا.

الوفا.. ارحل
الوفا.. ارحل

توفيق بوعشرين – مدير النشر ل”أخبار اليوم المغربية”

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz