الوعي السياسي من الخطاب إلى الممارسة

115481 مشاهدة

وجدة البوابة: عبد الحفيظ زياني/قطعت الحركة السياسية في بلادنا أشواطا، بدء من مرحلة التأسيس لخطاب فعال إلى ممارسة السلطة الفعلية، وأهم ما ميزها خلال المدة التي تلت التأسيس، ابتعادها عن القضايا الحقيقية، وانشغالها بالسلطة على حساب الخطاب، مما أسهم بالقسط الوافر في غياب وانعدام الوعي السياسي الضروري لقيادة الفترة الحاسمة وبناء نواة فاعلة وقادرة على تسيير المرحلة، فبات الوعي السياسي رهين أقلية تنعت بالنخبة .

بقطع النظر، فعلى مستوى الخطاب، تتحكم ثلاث عوامل في بلورته : مرسل، مستقبل، محتوى، فالجهة التي ترسل الرسالة أو المحتوى هي نفسها التي تمارس السلطة وتعمل على تسيير المؤسسات سواء التشريعية أو التنفيذية، أما المستقبل فيمثل الجهة التي تتلقى الخطاب أو الرسالة .

تتضح جليا الدلالة الرمزية للخطاب ذو الأبعاد التواصلية، و التي تجعل من اللغة الأداة والرابط بين السياسة والواقع، لكون الخطاب يهتم بمجمل قضايا الشعب، فالمشهد السياسي يساهم واسعا في تداول ونشر الحقائق و الأفكار مما يجعل من لغة خطاباته تمثيلا رمزيا ثقافيا و اجتماعيا، فلغة السياسي تتجه في أغلب الأحيان نحو التأثير والتأثر .

إن تموقع تجربة دول العالم الثالث، على اعتبار كونها حديثة العهد بالممارسة الديمقراطية ومبادئها، فإن خطابها السياسي يختلف تماما عن البلدان الأخرى التي عاشت تجارب مختلفة، و لو على مستوى التنظير، أسست لخطاب مختلف ولغة سياسية مختلفة تماما .

وإذا كانت الممارسة تبدأ من اللغة كمرحلة أولى، لاعتبارها صلة وصل بين الوعي السياسي   و الواقع، فلابد من التأكيد على أنها تتطلب الكثير من الوعي الفكري للأفراد والجماعات على مستوى الانسجام و التقبل للأخر، مما يأهلهم إلى الارتقاء بدواتهم، الشيء الذي يفرض على الجميع الانخراط، ولو على مستوى حرية اختيار التوجه أو اللون، شريطة أن يكون المناخ العام تطبعه الديمقراطية والاستقرار السياسي المفروضان ضمن أولويات التعاطي مع القضايا المجتمعية .

إن ما يجعل الشروط الملاءمة للممارسة السياسية السليمة تنعدم، هو أزمة الثقة التي لها مبررات موضوعية و مقنعة فرضت العزلة على شرائح عريضة من أبناء الشعب، فبات المشهد السياسي حكرا على فئات جعلت منه مجالا نخبويا بامتياز، بعيدا كل البعد عن جوهر القضايا الحقيقية للشارع لانقطاع حبل الوريد، أو بلغة أصح الشرخ الناتج بين قيادات الهيئات السياسية و قواعدها، فنتج عن كل هذه المسببات وضعية الفراغ الذي ينعت عادة بالنفور .

سواء على مستوى الخطاب أو الممارسة، فإن العبء بات أكبر على النخب السياسية التي يفترض فيها أن تكون في مستوى التطلعات التي تأهلها لسد الفراغ، أو بمعنى أصح إعادة الثقة الضائعة، حيث أن الأزمة الحقيقية هي أزمة ثقة، تتعلق بالخطاب السياسي قبل الممارسة، رغم اختلاف هذا الخطاب أو داك حسب وضعية المجتمعات، ودرجة وعيها ونضجها السياسي، مدى قابلية تلقيه و تقبله . 

يبدو أن التناقض والتباعد بين الخطاب والممارسة داخل الأحزاب السياسية ، كمؤشر هدم، أفرز وضعية الأزمة، وفرض الحصار على فئات كثيرة من أبناء الشعب أصبحت تعيش عزلة نتجت عنها أزمة الثقة التي  ظلت تهدد الوعي السياسي بالانهيار نتيجة غياب شرط الصدق الذي بات عملة نادرة .   

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz