الوازع الديني هو السر وراء انتشار ثقافة الإحسان في حاضرة زيري بن عطية وأحوازها

14068 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 23 شتنبر 2012، لقد كان حفل تأبين أحد المحسنين الذين التحقوا بالرفيق الأعلى  رحمه الله تعالى بمركز الدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية بوجدة  فرصة للتفكير في انتشار ثقافة الإحسان بالمدينة وما حولها من أحواز ، وفي السر وراء هذا الانتشار . فمن المعلوم أن الجهة الشرقية من هذا الوطن عرفت ما يسمى  صحوة دينية  على غرار الصحوة الدينية الوطنية  مع بداية الثمانينات  بعد سنوات عجاف من المد العلماني الذي يعزى إلى صراع قطبي ما يسمى الحرب الباردة. ولما كان النظام المغربي  متموقعا في خانة المعسكر الغربي لأسباب سياسية ، فقد  فضلت النخب المثقفة المعارضة له  أن تتموقع في خانة المعسكر السوفياتي ،الشيء الذي ساهم في انتشار الفكرالمادي العلماني الذي  كانت هذه النخب المثقفة تبذل قصارى جهودها لتسويقه وترويجه على أوسع نطاق ،مستغلة موقف طبقات الشعب من وضعية ما يسمى سنوات الرصاص السياسية والاقتصادية والاجتماعية . وكان الإسلام هو الضحية الأولى في صراع هذه النخب مع النظام الذي كان يعتبر الوصاية على الدين من مقوماته واختصاصاته التي لا يقبل من ينازعه فيها ، وهي بمثابة خط  أحمر لا يمكن السماح باجتيازه . وأمام هذا الوضع لم  تجد  النخب المتدينة بدا من  محاولة تحييد الإسلام من هذا الصراع الدائر بين النخب المثقفة اليسارية أو العلمانية  والنظام عن طريق ما سمي الصحوة الإسلامية التي توجس منها النظام والنخب المثقفة اليسارية على حد سواء ، الشيء الذي قرب المسافة بينهما خصوصا بعد انتهاء الحرب الباردة بتفكك المعسكر السوفياتي الذي كان يتبنى  النخب المثقفة اليسارية ويدعمها ماديا ومعنويا . وساهمت  ظروف نهاية الحرب الباردة فيما يمكن تسميته زواج مصلحة بين النخب المثقفة اليسارية  عبر أحزابها وبين النظام حيث  سمح هذا الأخير لهذه النخب بالمشاركة في حكم البلاد ، الشيء الذي يعني محاولة إدماج أو تطويع هذه النخب المعارضة ،والتي صارت في وضعية يتم بعد انهيار المعسكر الذي كان يتبناها ، ورأت أنه من مصلحتها أن تقبل ما كانت ترفضه من قبل وهو قبول عروض النظام  لها بالمشاركة في تدبير شؤون البلاد بعد خطوة قبول دور المعارضة البرلمانية لفترة طويلة في زمن حكم  ما يسمى أحزاب النظام . ونفس الظروف،  وهي ظروف نهاية الحرب الباردة ساهمت في تنامي ظاهرة الصحوة الإسلامية التي قادتها النخب المثقفة الإسلامية، فجعلت هذه الصحوة تأخذ مسارين : الأول مسار المعارضة ، والثاني مسار الانخراط في خدمة الوطن ، ولا زال هذا التصنيف قائما  إلى اليوم . ومع نهاية الحرب الباردة اختار المعسكر الأمريكي والغربي أن يواصل حربه الساخنة مع  كيانات وتنظيمات إسلامية على خلفية انحيازه الكامل إلى جانب الكيان الصهيوني. وخلقت  ظروف الحرب الساخنة مع هذه الكيانات والتنظيمات الإسلامية  وضعا جديدا حيث انقسمت الصحوة الإسلامية على نفسها ، فاختار البعض خوض هذه الحرب مع المعسكر الأمريكي والغربي ، ومع الأنظمة الموالية له أو التعاطف مع من  يخوضها ، بينما اختار البعض الآخر النأي بنفسه عنها والانشغال بالمشاريع الحضارية الإسلامية الهادفة عوض المغامرة بالحرب  الساخنة مع  المشروع الحضاري الغربي  الذي يريد الهيمنة على العالم بما فيه العالم العربي الإسلامي . ومن سوء حظ هذه الصحوة الإسلامية أن  الذين يعارضونها  سواء النظام أو النخب  المثقفة اليسارية  والعلمانية لا يميزون بين  من اختار الصدام  الساخن مع الغرب وحلفائه ، وبين من اختار الاهتمام بمشروعه الحضاري بعيدا عن هذا الصدام الذي لا طائل من ورائه حسب قناعته .  ولقد ظلت النخب المثقفة اليسارية  تضع أطراف الصحوة الإسلامية في بوتقة واحدة ، ولم تدخر جهدا حين آل إليها أمر التدبير في تحريض النظام على كل أطراف هذه الصحوة دون تمييز خصوصا في أوج الحرب الأمريكية  والأطلسية على ما سمي الإرهاب الإسلامي . ولقد سجل التاريخ  أنواعا من الوشايات الفاضحة و المغرضة للنخب المثقفة اليسارية والعلمانية  التي  اغتنمت الظرف للنيل من النخب المثقفة الإسلامية مع تنامي  مد الصحوة الإسلامية ، والتي باتت تهددها فيما يخص اللعبة السياسية على وجه التحديد . وبعد انفراج الضغط الأمريكي والأطلسي على الأنظمة العربية والإسلامية الموالية له في حربه ضد  ما يسمى الإرهاب بدأ النظام عندنا يتخلص من  الهواجس التي كانت تنتابه من أطراف الصحوة الإسلامية دون تمييز بينها  ، وبدأ يميز بين صحوة إسلامية تهدف إلى تحقيق مشروعها الحضاري بطرق سلمية وعبر قواعد اللعبة السياسية ، وبين  صحوة أخرى تراهن على تحقيق مشروعها عن طريق الصراع والصدام معه ومع الغرب على حد سواء. وتنفست الصحوة المراهنة على السلم الصعداء عندما استعادت ثقة النظام فيها. ومع حلول ظرف  ما يسمى الربيع العربي كانت المفاجأة الكبرى هي رهان الشعوب العربية على الصحوة الإسلامية الشيء  الذي أذهل الغرب والأنظمة العربية الموالية له، والتي انهار بعضها في زمن قياسي . ولم يجد الغرب بدا من قبول الأمر الواقع الذي  جاء بالصحوة الإسلامية إلى مراكز صنع القرار ، وهو خيار الشعوب . واضطر الغرب إلى مراجعة موقفه السابق من الصحوة الإسلامية، وصار يتحدث عن  صحوة يقبلها وأخرى يحاربها. ومن سوء حظ الغرب  أن  الصحوة التي راهنت عليها الشعوب العربية  كانت هي الصحوة التي تعتمد  أسلوب السلم في تحقيق مشروعها الحضاري  ، وهو ما يقلق الغرب كثيرا ، ويدفعه لخلق الذرائع من أجل  جر الصحوة المسالمة لتوريطها في  خانة الصحوة المحاربة . ومسلسل الإساءة الأخير إلى مشاعر المسلمين  نموذج لهذه الذرائع من أجل خلط الحابل  بالنابل لتبرير تعميم الحرب على الصحوة بما فيها المسالمة. ولم يدخر الغرب عن طريق طوابيره الخامسة المبثوثة في الوطن العربي والتي تمثلها فلول  النخب المثقفة العلمانية ، و هي فلول كانت سمن على عسل مع الأنظمة الفاسدة من أجل إفشال المشروع الحضاري للصحوة الإسلامية المراهنة على السلم  وعلى قبول اللعبة السياسية . ولهذا يكثر الحديث  اليوم عن التشكيك في أداء الصحوة المسالمة ،بل  التشكيك في  صدقها واتهامها باستغلال الدين سياسيا . واختارت هذه الفلول العلمانية أقسى  المعايير لتقييم أداء  الصحوة المسالمة  في زمن ضيق جدا بغرض الطعن في مصداقيتها وكفاءتها التي لا يمكن أن تظهر في ظرف وجيز قياسا مع التجربة التركية على سبيل المثال. ومن الموضوعية أن نذكر حقيقة لا يمكن أن ينكرها منكر ، وهي أنه يوجد ضمن الصحوة المسالمة من يقف على بعد  مسافة من الممارسة السياسية ، وهو يراهن على الممارسة الثقافية والفكرية والاجتماعية . وهذا التوجه هو الذي نجح في استقطاب شرائح مختلفة من الشعب التي انخرطت في مشاريعه بدافع الوازع الديني ليس غير . فالمحسنون الذين اختاروا الالتفاف حول هذا التوجه  إنما  فعلوا ذلك لنجاحه في إقناعهم بوجاهته  وسداد رأيه يه أ، وقد لمسوا  هذه الوجاهة فيما يعود على الأمة بالخير الملموس . فتوجه الصحوة المسالمة والمراهنة على المشروع الحضاري الإسلامي  انفتح  بنفس الدرجة على دور العبادة وعلى كل مؤسسات المجتمع المدني . وبداية مشاريعه بتشييد دور العبادة كان موضوع انتقاد من عدة جهات ، ولم تتبين وجاهة هذا القرار إلا بعد مرور زمن حيث لعبت دور العبادة ، والمؤسسات التابعة لها دورا أساسيا في انتشار الصحوة والوعي الديني ، وكان الوازع الديني بسبب انتشار هذه الدور، وهذه المؤسسات هو السبب الرئيسي في انتشار الأعمال الخيرية على أوسع نطاق . ولأول مرة ينجح توجه الصحوة المسالمة نحو الفكر والثقافة والاجتماع بعيدا عن السياسة في اكتساب ثقة الناس ، كما أنه نحج في التقريب والجمع بين فئات اجتماعية لم  تكن تجتمع من قبل أوحتى تتعارف فيما بينها ، وهكذا  توسعت شريحة ما يعرف بالمحسنين على اختلاف فئاتهم من أصحاب المقاولات والتجار والفلاحين  والأطباء والصيادلة ، ورجال التربية ، والمفكرين والمثقفين  ، وكل الفئات الاجتماعية . وتنوعت مظاهر الإحسان وتراوحت ما بين إنفاق  الأموال الطائلة  وإنفاق قطرة دم  وما بينهما من أنواع الإنفاق المختلفة المادية والمعنوية . ففي مدينة زيري بن عطية أصبحت ثقافة الإحسان ثقافة مهيمنة بسبب الوازع الديني الذي تمكن من قلوب الناس . ولقد كانت مناسبة تأبين أحد المحسنين فرصة  للكشف عن حجم هذه الثقافة البانية ، ذلك أن هذا المحسن تغمده الله عز وجل بواسع رحمته، والذي اختار طريقة الإحسان الصامتة درءا لكل ما يفسد الإحسان شمل إحسانه عدة قطاعات تراوحت ما بين  دور العبادة ومؤسساتها التي تمدها بالكوادر الدينية المؤهلة ، وبين دور التربية والعلم والفكر، ودور الأعمال الاجتماعية التي  ترعى الفئات الضعيفة والمعوزة . ويعكس حجم المحسنين درجة الوازع الديني لديهم ، ذلك أنه كلما  زادت درجة هذا الوازع إلا و تنوعت مظاهر الإحسان وتعددت وشملت العديد من القطاعات الحيوية. فالوازع الديني هو الذي جعل  بعض المثقفين  يتنازلون عن  مكتباتهم الخاصة الوازنة لفائدة المشاريع العلمية والفكرية. والوازع الديني هو الذي جعل المقاولين والتجار يتنافسون في تشييد دور العبادة ومدارسها  وفي تشيد المراكز التي تأوي ذوي الحاجات الخاصة ، وفي دعم المؤسسات التربوية ، ومختلف المؤسسات الاجتماعية . والوازع الديني في هذه المدينة هو الذي جعلها أول مدينة في المغرب تمد كل مدنه بترياق الحياة وهو الدم من خلال  شيوع ثقافة التبرع بالدم. والوازع الديني هو الذي جعل المواطنين العاديين ينافسون  كبار المحسنين من مقاولين وتجار  في التبرع لفائدة بناء دور العبادة إذ لا تنقطع عملية التبرع بالدم على مدار السنة  ،والتي تسبق أو تلي عبادة الصلاة  في المساجد . وعلى نهج المحسن الذي تم تأبينه يمضي العديد من المحسنين في إحسانهم بصمت ، وكثير منهم يحرصون على هذا الصمت صيانة لإحسانهم من كل ما  يسيء إليه . ولو قدر لهذا الإحسان أن يذاع في الناس لعرف  حجمه الحقيقي ، وحجم الوازع الديني الذي يحركه . ولقد صار المواطنون في مدينة وجدة وأحوازها  وبدافع الوازع الديني منخرطين في ثقافة الإحسان بامتياز ، وهو أمر يدعو إلى الافتخار بهذه الثقافة البانية التي تفضل الفعل والإجراء على الشعار  والدعاية  التي تركب لأغراض لا علاقة لها بالوازع الديني . ومن المؤكد أن ينبري أصحاب  النقد المجاني  لهذا الثقافة من أجل التشكيك فيها  طمعا في  استئصالها لمنع شيوع الإحسان والخير في الناس . وأفضل رد على هذا النقد المجاني هو مضاعفة الخير والإحسان سرا وعلانية كما أوصى بذلك شرعنا لتصير ثقافة الإحسان كما كانت زمن النبوة والخلافة الراشدة ، والعصور الإسلامية الذهبية . وأعتقد أن مرحلة الخجل والحرج من  الكتابة عن ثقافة الإحسان قد ولت، وآن الأوان  ليحدث الناس بها  ، ويتنافس الكتاب والشعراء في تناولها كما فعل  السلف . فكم من قصائد  لولاها لما عرفت ثقافة الإحسان الأصيلة في المجتمعات الإسلامية  ، وكم من كتابات  لولاها لما وصلنا ما كان عليه السلف من إحسان يعكس ما كانوا عليه من تدين صحيح  يؤكد عظمة الإسلام كدين أهداه الله عز وجل للبشرية قاطبة من أجل سعادة الدارين.

الوازع الديني هو السر وراء انتشار ثقافة الإحسان في حاضرة زيري بن عطية وأحوازها
الوازع الديني هو السر وراء انتشار ثقافة الإحسان في حاضرة زيري بن عطية وأحوازها

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz