الهجرة سنة إلهية جارية في الخلق إلى قيام الساعة كلما شاع فيهم الهرج

18933 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 18 نونبر 2012، مما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : “العبادة  في الهرج كهجرة إلي”

وبمناسبة ذكرى هجرته سنتخذ من قوله هذا أرضية من أجل الانطلاق نحو تفعيل إجرائي لسنة الهجرة الإلهية الجارية في الخلق إلى قيام الساعة  كلما شاع فيهم الهرج. من المعلوم أن الغاية من  وجود الخلق هو العبادة ، مصداقا لقوله تعالى: ((وما خلقت الجن والإنسان إلا ليعبدون )) وحقيقة عبادة الخلق للخالق سبحانه هي طاعته ، وطاعته إنما هي الانضباط لقوانين الفطرة التي فطر الخلق عليها . والانضباط لقوانين الفطرة  يعني  تحقيق الوجود الصحيح والسليم للخلق . وكل مخالفة لقوانين الفطرة يعتبر إفسادا لها مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ” أو كما قال عليه الصلاة والسلام السلام . فبموجب هذا الحديث الشريف  تعتبر الفطرة هي الوضع الصحيح والسليم للخلق  ، ويعتبر التهويد والتنصير والتمجيس وكل ما كان على غرار ذلك انحرافا عن الوضع الصحيح والسليم  . والتاريخ البشري عبارة عن صراع بين الوضع الصحيح والسليم للخلق ، والذي تمثله الفطرة التي فطر الله عز وجل الناس عليها  ، وبين الوضع المنحرف الذي  يأخذ أشكالا متعددة بمسميات مختلفة ،ولكن هدفها واحد، وهو انحراف أو فساد الفطرة . وسنة الله عز وجل في خلقه أنه كلما فسدت الفطرة البشرية في عصر  من العصور أو في مصر من الأمصار إلا  وقيض لها من يصلحها من رسله وأنبيائه الكرام صلواته وسلامه عليهم أجمعين . وكانت رسالاته سبحانه للبشرية عبارة عن مشاريع إصلاح لفطرتهم ، التي فطروا عليها والتي كان يلحقها الانحراف  بين الحين والآخر . وكانت مشاريع إصلاح الفطرة البشرية ،وهي الرسالات الإلهية  للبشرية محكومة بالزمان والمكان عبر العصور، الشيء الذي جعل الرسالات السابقة عن الرسالة الخاتمة التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم محلية بينما  تميزت آخر رسالة بالعالمية دون سواها  . ومن المعلوم أن  فساد الفطرة البشرية عبارة عن هرج ، والهرج في اللغة العربية  إنما هو الاختلاط  والفتنة والقتل ، ومنه  الهرج في الحديث  وهو كثرته وتخليطه  والإفاضة فيه ، ومنه التهريج  وهو المزاح وما يضحك منه . فالفطرة عندما تختل ضوابطها فيختلط فيها الصحيح السالم بالمنحرف بفعل المكتسب الفاسد الذي هو فعل البشر المفسد للطبيعي الصالح الذي هو صنع الله عز وجل  تكون النتيجة هي الهرج بما يعنيه من اختلاط بين  فعل البشر المفسد وصنع الخالق سبحانه السوي ، ومن فتن  مترتبة عن ذلك ، ومن نتائج مترتبة عن هذه الفتن من شيوع للقتل المادي والمعنوي على حد سواء . و لقد كانت الرسالات السماوية المتتالية تنزل كلما  ساد  هذا الهرج في عصر من العصور أو في مصر من الأمصار . والرسالات السماوية تتضمن علاج  وضعية الهرج من خلال تجديد  صلة الخلق  بالفطرة عن طريق العبادة وهي طاعة الخالق سبحانه من خلال التزام ضوابط الفطرة التي فطر الخلق عليها والمتضمنة في شرعه . ومعلوم أن آخر رسالة سماوية ،وهي رسالة الإسلام التي حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العالم أجمع جاءت لمواجهة  كل هرج محتمل من زمن بعثته إلى قيام الساعة . ولقد كانت هجرته صلى الله عليه وسلم عبارة عن رد فعل ضد هرج المجتمع المكي  كنموذج،والذي عرف  اختلالا في الفطرة من خلال كل أنواع الفاسد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي….  من حروب عصبية ، وشيوع للقتل ، ووأد للبنات ، وأنواع الأنكحة الفاسدة من بغاء، واستبضاع ، ومقت ، وشغار، وربا وظلم  … إلى غير ذلك من فساد الفطرة . وهجرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم من مكة التي  فيها الهرج إلى المدينة التي كانت منطلق مواجهة الهرج من خلال  عبادة الله عز وجل وطاعته التي هي  عبارة عن استعادة لسلامة الفطرة الفاسدة هي سنة الله عز وجل في الخلق  فيما بعد هجرة الرسول  لمواجهة كل هرج يكون في كل عصر ومصر إلى قيام الساعة . فكل من عبد الله عز وجل وأطاعه ،وهو ما يعني العودة إلى الفطرة التي فطره الله عليها إنما هو مهاجر إلى رسول الله صلى كما جاء في الأثر : ” العبادة في الهرج كهجرة إلي ” . ومعلوم أن الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هي عودة إلى الفطرة . ولقد أكد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ” أن ما يسد مسد هجرته هو الجهاد والنية التي توافق  نية هجرته ، وهي اتخاذ الأسباب لعبادة وطاعة الله عز وجل من أجل تصحيح كل انحراف محتمل للفطرة .

وإذا ما عدنا إلى هرج زمننا هذا  نجده في أهدافه لا يختلف عن هرج الأزمنة السابقة ، وهي  إفساد الفطرة البشرية ،علما بأن الفطرة تعني النظام ، والهرج يعني الفوضى . ولهذا لا بد من اعتماد الدواء الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو عبادة الله عز وجل وطاعته لمواجهة الهرج أي مواجهة الفوضى بالنظام  . وهرجنا اليوم عبارة عن اختلال  واضح في الفطرة التي فطر الله الناس عليها . فعلى مستوى الاجتماع  ظهرت فينا  الدعوات إلى انحراف الفطرة في جانب العلاقات الاجتماعية من قبيل الدعوة إلى ما يسمى حرية الجنس ، والدعوة إلى الشذوذ الجنسي ، وفي جانب المعاملات الاقتصادية من قبيل انتشار المؤسسات الربوية ، وكل المعاملات الجائرة من احتكار وتدليس وغش وتزوير…، وفي المعاملات السياسية من قبيل انتشار الظلم و الفساد الحزبي واستغلال المناصب من أجل المصالح ، وفي  الجوانب الثقافية من قبيل الترويج لدعوات   طائفية وعصبية تتعصب للهجات على حساب لغة القرآن التي هي الوسيلة إلى العبادة والطاعة ، والعودة إلى الفطرة ، وهو تعصب يروم الحيولة دون وصول الناس إلى العبادة  والطاعة وإلى الفطرة  من خلال إبعادهم عن اللغة التي تصلهم بمصدر العبادة والطاعة …. إلى غير ذلك من الهرج الصارخ الواضح الذي لا غبار عليه في كل المجالات . وخلاصة القول  أن دعوات هدامة وعلى رأسها العلمانية تعمل جاهدة على تسويق الهرج ، وهو إحداث الفوضى العارمة في الفطرة البشرية السليمة  ،والتمكين له تحت شعارات خادعة وبراقة ومضللة ظاهرها صلاح وباطنها فساد وإفساد . وبمناسبة ذكرى الهجرة يجدر بالأمة الإسلامية ، والأمة المغربية جزء منها أن  تتشرب معنى الهجرة، وهي  العودة  إلى العبادة والطاعة التي هي عودة إلى الفطرة السليمة  أو عودة إلى النظام  بعد الهرج الذي هو فساد الفطرة وهو عبارة عن فوضى عارمة يقع فيها القتل الحقيقي والمجازي  ،وهو عبارة  عن إزهاق للأرواح ، وإزهاق القيم الإنسانية السليمة والسوية كذلك  . فهل  ستكون الأمة الإسلامية في مستوى تمثل هذه المناسبة ، وفي مستوى ممارسة الهجرة الإجرائية، وليس الهجرة الصورية التي لا تتجاوز الاحتفال الصوري والشكلي  من خلال توديع عام مر على الهجرة ،واستقبال عام جديد منها ، ودار لقمان على حالها من الهرج المتناسل  تناسل  الورم الخبيث بإيقاع غير مسبوق  نظرا لاستفحال  دعوات ومنابر الهرج ؟ وهل يوجد استعداد عند الأمة الإسلامية من أجل العودة إلى فطرتها ، وتخليص هذه الفطرة من شوائب الفعل البشري  الفاسد والمفسد لها .

الهجرة سنة إلهية جارية في الخلق  إلى قيام الساعة كلما شاع  فيهم الهرج
الهجرة سنة إلهية جارية في الخلق إلى قيام الساعة كلما شاع فيهم الهرج

اترك تعليق

1 تعليق على "الهجرة سنة إلهية جارية في الخلق إلى قيام الساعة كلما شاع فيهم الهرج"

نبّهني عن
avatar
mohamed
ضيف
وفي المعاملات السياسية من قبيل انتشار الظلم و الفساد الحزبي واستغلال المناصب من أجل المصالح ، وفي الجوانب الثقافية من قبيل الترويج لدعوات طائفية وعصبية تتعصب للهجات على حساب لغة القرآن التي هي الوسيلة إلى العبادة والطاعة ، والعودة إلى الفطرة ، وهو تعصب يروم الحيولة دون وصول الناس إلى العبادة والطاعة وإلى الفطرة من خلال إبعادهم عن اللغة التي تصلهم بمصدر العبادة والطاعة …. إلى غير ذلك من الهرج الصارخ الواضح الذي لا غبار عليه في كل المجالاوفي المعاملات السياسية من قبيل انتشار الظلم و الفساد الحزبي واستغلال المناصب من أجل المصالح ، وفي الجوانب الثقافية من قبيل الترويج… قراءة المزيد ..
‫wpDiscuz