النقد مشروع والبخس ممنوع وشتان بينهما

12357 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 9 نونبر 2012، كثيرا ما يلتبس النقد عند كثير من الناس بالبخس ، مع أن النقد  يتعلق  بالتمييز بين الصحيح والزائف من كل شيء ، بينما البخس هو النقص من كل شيء . والبعض يمارسون البخس وفي اعتقادهم أنهم يمارسون النقد وكثير ما هم . ومن الناحية الشرعية  يعتبر النقد مشروعا ، بينما يعتبر البخس ممنوعا . فالنقد في ديننا الإسلامي مطلوب ، وهو من صميم العبادة لقول الله تعالى : (( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه )) . فالشاهد ناقد بامتياز إذ لا يمكنه أن يشهد دون أن يميز الصحيح من الزائف في الشهادة المطلوبة منه ، وهذا هو فعل الناقد. فإذا طلب من الشاهد أن يشهد على أمر ما ،فهو يصرح بما صح مما عاينه ، فإن ادعى مدع عكس ما صح أو حاول تزييفه ،فهو يتصدى له  بالنقد أي يذكر ما صح ويرد الزائف . والبخس في ديننا ممنوع ، وهذا أيضا من صميم العبادة لقوله تعالى : (( ولا تبخسوا الناس أشياءهم )) . فالباخس ظالم بامتياز لأنه ينقص من الأشياء سواء كانت مادية  أم معنوية . فإذا ما عرض عليه أمر ما أو تعرض له هو من تلقاء نفسه   لم يقض فيه  كما يجب من خلال ذكر  ما صح منه ، بل ينقص منه. وهكذا يقع التمييز بين النقد الذي هو تمييز بين صحيح وزائف ، وبين البخس الذي هو تزييف عن طريق النقص والظلم . والله تعالى في مجال المعاملات المادية نهى عن البخس في قوله تعالى : ((  وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا )) فالمطلوب في المعاملة  المادية هو أن يقر الذي عليه حق مادي بما عليه خوفا من ربه واتقاء له  دون أن يبخس أو ينقص من هذا الحق شيئا .           وينطبق نفس الحكم على المعاملات المعنوية بحيث يجب على من عليه حق مهما كان أن  يقر به دون أن يبخس منه شيئا . فمن الحق الواجب الإقرار به  هو الاعتراف للغير بما له دون بخس . فكما أن المدين يجب عليه في شرع الله عز وجل أن يقر للدائن بما له دون أن ينقص منه أو يبخس منه شيئا ، فكذلك  الحال في كل المعاملات  سواء كانت مادية أم معنوية . فالناس عندما يقومون بأعمالهم على اختلاف أنواعها وفق مسؤولياتهم يقدمون أشياء مادية أو معنوية تلمس بشكل أو بآخر ، ولا يحق لمن  يتناول أعمالهم بالحديث  أن يبخسهم شيئا منها . فمن حق الناس أن ينتقدوا أعمال بعضهم البعض ،وذلك من خلال  التمييز بين ما صح من أعمالهم وما لم يصح ، ولكن لا يقبل منهم أبدا أن يبخسوا بعضهم بعضا  شيئا مما قدموا من أعمال . ومع شديد الأسى والأسف والحسرة أن ثقافتنا المنحرفة عن  مسار ديننا  الحنيف تجعل الكثير منا  يمارس البخس باسم النقد  أو كذلك يخيل إليه  أو كذلك يعتقد  عن وعي وقصد أو دون وعي وقصد . وآية البخس الدالة عليه أننا نشطب من سجل بعضنا كل ما فيه من حسنات ، ولا نرى إلا السيئات ، وهو أمر شكا منه الشاعر الحكيم بقوله :

أيذهب يوم واحد إن أسأته //// بصالح أيامي وحسن بلائيا

فعادة الناس أن  يستهويهم البخس ،فيقفون عند السيئة ويسلطون عليها الضوء الكاشف دون وضعها ضمن سياق من الحسنات  تقلل من شدة الضوء المسلط عليها . فعلى سبيل المثال  لا الحصر يبخس رئيس الحكومة عندنا أبشع البخس عند الكثير من أهل البخس بحيث يعتبر عندهم مجرد مسيء لا حسنة له . ولا يمارس من يبخسه النقد بالمعنى الصحيح على ما  أنجزه أو ما ينجزه بحيث يجلى الصحيح مما أنجز من الزائف ، وكل ما يوجد هو  بخسه  أو الاستنقاص من شأن ما ينجز . فالناقد  حقا من ذكر الحسناته والسيئات بدافع الكشف عن الصحيح والزائف، كما يفعل الصيرافي الذي يفحص القطع النقدية لمعرفة صحيحها من زائفها . أما الباخس فهو من يذكر السيئات دون الحسنات لأنه هدفه هو البخس والنقص . ومعلوم أن صرف النظر عن الحسنات عبارة عن بخس في حد ذاته  لأنه ينقص من الأعمال التي  هي عبارة عن حسنات وسيئات . وما قيل عن رئيس الحكومة يقال عن كل مسؤول  مهما كانت مسؤوليته ، فإذا ما  اقتصر الناس على ذكر هفواته دون الإشارة إلى إنجازاته فهم أهل بخس ، أما إذا زاوجوا بين  ذكر الإنجازات والهفوات فهم أهل نقد ، وشتان بين  نقد وبخس . ومن البخس الأشد عيبا  ، وكل البخس عيب ، أن يعيب الباخس على غيره ما لا يستطيعه ، ولسان مقاله : ” لو كنت مكانه لفعلت كذا وكذا ”  وما هو بفاعل  وما ينبغي له وما يستطيع ، وإنما يزين له ذلك بخسه . وما لا زالت أذكره  دائما و باستمرار أننا كنا ذات يوم نتابع مقابلة في كرة القدم ، فحصل للاعب ألماني مشهور  أن ضيع  هدفا كان محققا بضربة مقص  فاشلة  ، فقال أحد المتفرجين  مقسما : ” والله لو كنت مكانه لسجلت الهدف بيسر وسهولة بنفس الضربة  ” ، فبادره أحد العقلاء  هازئا : ” لو وجدت في مثل وضعيته ـ وكانت وضعية صعبة  للغاية ـ  لما حركت قدما أصلا لا بضربة مقص ولا بضربة منجل ، ولسكن منك المتحرك ” .وبهذه السهولة يدعي أهل البخس أنهم يجيدون دائما  ما يقوم به  غيرهم ممن يشملهم البخس ، لمجرد أنهم دائما ينقصون مما يقدمه غيرهم . وعندما يعرض عليهم غيرهم ما قام به ،ويقص عليهم ما يلقاه من مشقة وتعب  بسبب ذلك  يقللون من أتعابه ومشقته ، لأنهم  يمارسون البخس على كل شيء حتى على المجهودات والمشقات  والأتعاب . وإن الذين  يبخسون النتائج لا شك أنهم يبخسون كل ما يسبقها من متاعب . ولا يدرك المتاعب إلا من عرف حق النتائج واعترف بها . وأهل البخس يحسمون الأمر الجلل بجرة قلم كما يقال ، وهي أبخس ما يوجد .  وأخيرا على من ابتلي بأهل البخس ألا يعير كلامهم أهمية تماما كما لا ينقص نباح الكلاب ـ وهو نوع من البخس التافه  ـ من هالة القمر ليلة البدر شيئا .

النقد مشروع  والبخس ممنوع  وشتان بينهما
النقد مشروع والبخس ممنوع وشتان بينهما

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz