الناسخ والمنسوخ في صناعة الجيل الممسوخ

22342 مشاهدة

وجدة / طاقي محمد: يذكر المفكر علي شريعاتي في إحدى كتاباته قصة اصطياد القرود في أدغال إفريقيا حيث كان يأتي بنو البشر ببراميل مليئة بالسوائل، ويؤتى قبالها ببراميل فارغة ثم يقوم الصيادون بحركات وكأنهم يضعون أيديهم على البراميل ثم يمسحون على وجوههم وأعينهم، فيقلدهم القردة ويفعلون مثل ما يفعله بني البشر، فيقع للقرود الطمس على أعينهم الملطخة بتلك السوائل، وفي الأخير يتم حجزهم في صناديق الصيد…، مفاد هذه القصة شبيهة بما يجري لكثير من المجتمعات خصوصا الأجيال الشابة التي وقعت في مصيدة التقليد، أي هذه الأجيال التي تقلد كل ما يفعله الغرب من خلال تقمص تلك القيم الوافدة عليه، فما وقع لهذه القرود المسكينة الغبية نفسه حدث ويحدث للأجيال العربية والمسلمة، حيث تملأ أعينها ثقافة فاسدة وقيم هجينة طمست العيون، فلا هي كالغرب ولا هي أجيال حافظت على أصالتها…، لأن الغرب استطاع أن يضعها في أقفاصه ثم يدخلها حدائق الاستحمار الفكري والثقافي..
فقصة القرود شبيهة أن تكون مدخل ضروري لفهم المنظومة القيمية المتعلقة بهذا الجيل وثقافته، فهنا لابد من طرح نماذج وأمثلة مستوحاة من الواقع لفهم الواقع، واستنباط يقتضي أن يكون على شاكلة مفاتيح منهجية لاستيعاب الظاهرة هذا من جهة، ومن جهة أخرى يساعدنا مستقبلا من طرح حلول وبدائل تصنع ثقافة مقاومة وممانعة اتجاه الغزو الثقافي الماسخ.المثال الأول: الملابس التي تصنعها شركات الموضة للذكور وللإناث على السواء خير دليل يبرز سميائية الشباب، خاصة في إخضاع المرأة لأن تكون أداة للإغراء واستفزاز كل ما هو غريزي يثير حفيظة شهوة الجنس، يتجلى في ملابس تظهر مفاتن الجسد وجغرافية أماكن الإثارة.

الناسخ والمنسوخ في صناعة الجيل الممسوخ
الناسخ والمنسوخ في صناعة الجيل الممسوخ

أما بالنسبة للذكور فتلك التسريحات التي تستهجن تفكير الإنسان، مثل تسريحة الديك، وكذا السراويل المشوهة..، ضف على هذا وذاك تلك القلادات والسلاسل المعلقة في أيدي وأعناق الشباب التي لا تليق بالإنسان وإنما الأصل أن تكون أداة قيد لكائن ينبح، شرف الله قدر الجميع.المثال الثاني: تلبية الغرائز الكامنة في الإنسان مسألة ضرورية من أجل استمراره ككائن يحتاج التغذية والجنس..، لكن تقزيمه في وظيفة واحدة على المستوى البيولوجي من نداءات الجسد المتمحورة في ما بين التغذية والجنس، لهو خطير جدا بأن يتم خندقة الأبعاد الوجودية للإنسان في وظيفة الاستهلاك وتلبية كل ما هو غريزي صرف دون الالتفات للوظيفة الثقافية كمكون يؤثر ويتأثر، ومراعاة المقصد الوجودي لتقوية الجانب الوجداني وغيره، بمعنى آخر فالجيل المسلم والعربي يعيش في عوالم الاستهلاك حتى الثمالة إلا من رحم ربك، هذا البعد الذي يفرض على هذه الأجيال أن تكون طاحونة بامتياز، تحطب كل ما يرسله الآخر من إنتاج دون أن ينتج هذا الجيل بدوره شيئا يذكر.المثال الثالث: يبدو أن الاهتمام الثقافي لدى الأجيال الحاضرة مرتبط بمسائل ترفيهية أكثر مما هو تثقيفي، أي كل ما يدخل في مسمى الإلهاء واللعب، وكل ما يشجع الميول على الغناء والموسيقى والكرة والملاهي…، أقل ما يمكن القول عنه هو إبعاد ممنهج عن أولويات وجود هذا الإنسان وقضاياه المصيرية التي تحدد حقيقة عيشه الكريم والمحترم دون تقييد أو ممارسة حجر على اختياراته العاطفية والفكرية، ودون تنميطه بقوالب سبق صناعتها في مختبرات الإعلام والموضة.. لذلك هذا الجيل الحالي واقع في مفهوم ألا معنى وعدم وضوح الرؤيا وضبابية الحياة وغوغائية الوجود.لهذا لا ننكر أن صناعة الغرب ومخططاته قد استطاعت صناعة جيل موسيقي وجيل يعشق الكرة وجيل آخر همه الجنس كما هو حاصل في انتشار بعض أنواع الشذوذ الجنسي.للأسف الأجيال التافهة والفارغة تبحث دائما عن المتعة التافهة، وهذا هو الجيل الممسوخ الذي مسخت أخلاقه وقيمه، فلا هو إنسان غربي مبصر ولا هو إنسان على أصله وحاله، بل هو مجرد مقلد وقع له العمى مثل ما وقع للقرود المقلدة السابقة الذكر.إن ما يقع لهذا الجيل هو ما وقع للنعجة دولي من استنساخ، بيد أن هذا الجيل في بلادنا ناسخ للأفكار والقيم الغربية فانتقل من مرحلة النسخ إلى مرحلة المسخ، الذي يسبب حقيقة تفريغ للمحتوى وكل ما له قيمة ذات نفع، مقابل ملئه بالصغائر والتوافه وكل ما له علاقة بالمتعة النسبية التي تزول بزوالها.والهجين أن يكون هذا المسخ عن دراية ومعرفة كما قد تشرحه قصة أحد الشباب الذي استوقف فتاة تلبس ملابس جد مثيرة، فقال لها : أن لباسك هذا فاتن ومثير للغريزة بالنسبة لنا كشباب، وأنه مخل بالحياء العام، فردت عليه الفتاة بقولها ألم تقرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن غض البصر، فكان من هذا الشاب إلا أن بهت فألجم لسانه عن الكلام…، إن هذا النموذج يعبر عن قمة المسخ الحاصل والغوغائية الواعية في ثقافة هذا الجيل، وكأننا في “حديقة الإنسان” كما أطلق عليها بعض المفكرين، ولاشك أن هذا المسخ هو استكانة للغول العولمي ذي البعد الواحد في التفكير والعيش..وهذا ما يميز هذا الجيل الممسوخ في سرعة انسلاخه، ورضوخه لدواعي الجهل والفراغ مثل ما يصيب مرض ضغط الدم سرعة الغضب والتعصب.وعليه لا أجد أفضل ما قد قيل قديما من حكمة رائعة: ” إذا لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل”انتهى

اترك تعليق

1 تعليق على "الناسخ والمنسوخ في صناعة الجيل الممسوخ"

نبّهني عن
avatar
younes
ضيف

l’islam est notre avenir et pour avoir notre humanité nous devons réfléchir au autre monde a ce qui nous attendre

‫wpDiscuz