الموثق الأستاذ خليل متحد بوجدة: مهنة التوثيق العصري في الآونة الأخيرة هو القانون الجديد 09-32: إشكالات ومقاربات

83176 مشاهدة

الأستاذ خليل متحد – وجدة البوابة: وجدة في 11 نونبر 2012، إنه لمن دواعي السرور والفخر أن أقدم هذا العرض بهذه الندوة العلمية أمام هذه الثلة من رجال العلم وأسرة القضاء. إن مهنة التوثيق قد سجلت انخراطها التام في ورش إصلاح العدالة وتفاعلت معه بكل مواطنة في إطار  مقاربات تشاركية مع وزارة  العدل. وما هذا اللقاء إلا نموذجا معبرا عن هذا الانفتاح والتوافق. إن أهم ما يميز مهنة التوثيق العصري في الآونة الأخيرة هو القانون الجديد 09- 32 المنضم لهذه المهنة والذي صدر بعد انتظار طويل دام حوالي 8 عقود.  هذا القانون، وكما يعلم الجميع سيدخل حيز التنفيذ في 22 من الشهر الجاري وقد تضمن مقتضيات جديدة لا يسمح الزمن المخصص لهذه المداخلة التحليلية وليست الأكاديمية بجرد كل مستجداته. ونقتصر على بعضها كالمادة الأولى التي عَرفَّت التوثيق أنه مهنة حرة تمارس وفق الشروط و حسب الاختصاصات المقررة في هذا القانون، رغم أنها أسقطت تعريف الموثق الذي تعرفه أغلب القوانين على أنه ضابط عمومي يمارس مهامه بصفة حرة و تحت رقابة القضاء كما عرفته دول أخرى على أنه موظف عمومي كما هو الحال في القانون المغربي الحالي. و تجدر الإشارة أن الموثق يعتبر مستشارا ماليا وجنائيا وقانونيا، بل ذهب القرار عدد 4195 الصادر عن محكمة النقض بتاريخ 12/10/2010 أبعد من ذلك حيث لم يحدد مهمة الموثق عند حد إضفاء الصبغة الرسمية بل أمينا وحريصا ومستشارا للزبناء. وخلافا لباقي المهن الحرة فإن التعيين في هذه المهنة يكون بناء على قرار لرئيس الحكومة باقتراح من وزير العدل بعد إبداء اللجنة المكلفة بالتعيينات و الامتحانات رأيها في الموضوع، هذه اللجنة تتكون من وزير العدل أو من يمثله بصفته رئيسا و الوزير المكلف بقطاع المالية أو من يمثله  و رئيس أول لمحكمة استئناف أو نائبه و وكيل عام للملك لدى محكمة استئناف أو نائبه و قاضي بالإدارة المركزية من الدرجة الأولى  بصفته مقررا و رئيس المجلس الوطني للموثقين.

        وقد تضمن القانون الجديد مستجدات أخرى مرتبطة بالتعيين ذلك أن الموثق فيما سبق كان يعين بمقتضى ظهير ملكي شريف، أما اليوم فإن الموثق أصبح يعين من طريف رئيس الحكومة بقرار إداري. وشمل القانون الجديد مستجدات من حيث تأديب الموثقين إذ نصت المادة 65 على مراقبة مزدوجة يكلف بها كل من الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف التي يتواجد بدائرة نفوذها مكتب الموثق و الوزارة المكلفة بالمالية وذلك فيما يخص المحاسبة المالية و الودائع و القيم التي يتولى حساباتها الموثق أو فيما يخص صحة عقودهم و عملياتهم و احترامهم للقانون و يحضر أطوار المراقبة رئيس المجلس الجهوي أو من ينوب عنه.

  وأحدث بموجب هذا القانون صندوق لضمان الموثقين المتعلق بتنظيم المهنة و هو يهدف إلى ضمان أداء المبالغ المحكوم بها لفائدة الأطراف  أو التعويض في حالة انعدام التأمين و عدم كفاية المبالغ المؤداة من طرف شركة التأمين، إذ يعتبر هذا القانون إلى حد كبير حماية لمهنة التوثيق ذاتها و ذلك بنصه على حالات التنافي و وضعه شروطا جديدة للانخراط  كتحديد السن الأعلى و الأدنى و استثناء المحكوم عليهم ببعض الجنايات أو الجنح و لو مع رد الاعتبار و جعل الولوج إلى المهنة متوقفا على اجتياز مباراة و نص على إحداث معهد للتكوين و إقرار نظام خاص للتمرين يتضمن مجموعة من الاختبارات ثم الامتحان المهني إضافة إلى وضع مدونة القيم و السلوك التي يخضع لها لزوما كل الموثقين و النص على العقوبة الجنائية ضد كل من انتحل صفة موثق. وعلى الموثق أن يتأكد من هوية الأطراف و صفتهم من أجل حماية أصحاب الحقوق الأصليين و قطع الطريق أمام المتلاعبين. وفي نفس السياق يجب على الموثق إسداء النصح للأطراف و يوضح لهم الأبعاد و الآثار التي قد تترتب عن عقودهم في حالة جهل هؤلاء للغة التي حرر بها العقد فمن حقهم الاستعانة بترجمان محلف و الموثق ملزم بالسر المهني في كل ما يتعلق بعقود و تصريحات الأطراف, و عليه أن يضع المبالغ المودعة لديه فور تسلمها بصندوق الإيداع و التدبير و لا يحق له أن يتقاضى أكثر من أتعابه المشروعة. وقد مكن هذا القانون الموثقين من إبرام عقود المشاركة في الوسائل اللازمة لممارسة المهنة و إدارة و تسيير المكتب وفق نموذج موحد يضعه المجلس الوطني. وتمت حماية الموثق كذلك ضد الأغيار في الفقرة الأولى من الفصل 92 من هذا القانون بتمتيعه أثناء مزاولة مهامه بالحماية التي تنص عليها مقتضيات الفصلين 263 و 267 من مجموعة القانون الجنائي. ورغم كل هذه المكتسبات فإن هذا القانون لم يشف غليل الموثقين بالمغرب حيث كان بالإمكان تحقيق المزيد, لكن الظروف التي عرفتها مهنة التوثيق خلال المسار التشريعي لهذا النص و التي تميزت أساسا بتوالي الشكايات و الاعتقالات و المحاكمات التي طالت بعض الموثقين و هم قلة مقارنة مع عدد الموثقين بالمغرب. هذه الظروف أضعفت الموقع التفاوضي للغرفة الوطنية للتوثيق العصري الممثل الشرعي الوطني في إطار القانون القديم في مواجهة الحكومة و المشرعين, حيث اقترحت الغرفة تعديلات مهمة لكن لم تلقى التجاوب الكافي لوجود لوبيات قوية مضادة لطموح الموثقين.

علاوة على ذلك, تجب الإشارة إلى الفصل 37  من هذا القانون الذي اعتبره كل الموثقين فصلا خطيرا من كون الموثق يتحقق تحت مسؤوليته من هوية الأطراف و صفتهم و أهليتهم للتصرف و مطابقة الوثائق المدلى بها إليه للقانون.

فكيف يمكن للموثق التحقق من الأهلية و المطابقة ؟ و أين هي حماية الموثق الذي لا يتوفر على الوسائل اللازمة للتحقق في الوثائق المدلى بها إليه خصوصا مع ما يعرفه عالم التزوير من إبداع و تطوير؟ و أين هي حماية الموثق من مواجهة مقتضيات المادة 27 التي تحمله المسؤولية عن تصريحات و بيانات احتمالية كان بإمكانه العلم بها أو معرفة مخالفتها للحقيقة؟ ثم أين هي حماية الموثق من مقتضيات المادة 34 التي تمنع إبرام عقود تنصب على أموال غير قابلة للتفويت أو أن تفويتها يتوقف على إجراءات غير مستوفاة دون تقييد هذه العقود بالنهاية؟ مما يفهم من ظاهره أن بعض الوعود بالبيع أو بعض التفويتات المعلقة على شروط واقفة لم تعد تجد لها مكانا في مهنة التوثيق.

وقد احتلت المادة 8 من هذا القانون حيزا كبيرا من الجدال بين الموثقين الذين رفضوا كلهم الشروط التفضيلية لولوج بعض الفئات مهنة التوثيق وهم المحامون, أساتذة التعليم العالي, الحاملون للدكتوراه في القانون و القضاة من الدرجة الأولى و المحافظون على الأملاك العقارية و رؤساء أقسام التسجيل بعد تقديم الجميع استقالتهم و على أن لا يتعدى سنهم 55 سنة, إذ أجمع الموثقون في لقاءاتهم رفضهم لهذه الفئات و لهذا الامتياز غير المبرر تكريسا لمساواة و الاستحقاق و الكفاءة و مناهضة الامتيازات. وفي إطار الورش الكبير للحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة وفي هذا الصدد اقترح ما يلي:

– تقديم ملتمس عاجل إلى وزارة العدل أو الهيأة العليا من أجل تصحيح الوضع ورفع الحيف بتعديل هذه المادة والإقرار بمبدأ المعاملة بالمثل بين مهنة التوثيق وباقي المهن المعينة بالاستثناء وبالولوج التفضيلي.

ـ تنظيم لقاءات وندوات بين المجالس الجهوية ومحاكم الاستئناف للتقارب أكثر ولتفادي الأخطاء التي ارتكبها الموثقون أثناء مزاولتهم لمهامهم والوقوف على جميع الإشكالات لهذه المهنة وذلك حماية للموثق وضمانا لحقوق المتعاقدين حتى نساهم في تطوير واستقرار المعاملات. ومن أجل هذا وذلك الأمر يتطلب قراءة سليمة لهذا القانون ضمانا للتطبيق الأنجع والسليم له.

ـ كما نقترح إجراء تكوين للموثقين و قضاة النيابة العامة و الرئاسة و إصدار دليل عملي للتوثيق العصري حتى نتمكن من توحيد مساطر المتابعات وذلك بتعاون مع المجالس الجهوية و محاكم الاستئناف.

ـ إضافة إلى ذلك نقترح تدريس مادة التوثيق بالمسار الدراسي والتكويني للقاضي حتى يتعرف على أصول مهنة التوثيق وقوانينها ومراسيمها التطبيقية والتربص بضعة أيام بمكاتب الموثقين حتى يكون انسجام مكاتب التوثيق مع القضاء ومع النصوص والعمل القضائي.

ولا يفوتني أن أكد على الهاجس الذي يشغل الموثقين وهو المسؤولية الجنائية التي يتعرضون لها أثناء القيام بمهامه خصوصا مع وجود نصوص غامضة تنظم مهنة التوثيق حيث اعتبره جلهم بمثابة قانون جنائي جديد كالمادة 27: « يتحمل الموثق مسؤولية كل ما يضمنه في العقود والمحررات من تصريحات وبيانات يعلم مخالفتها للحقيقة أو كان بإمكانه معرفتها أو العلم بها », أو المادة 29: » إذا امتنع الموثق عن القيام بواجبه بدون سبب مشروع تحمل مسؤولية الضرر المترتب عن هذا الامتناع ».

وفي هذا الصدد نطالب جميع الهيئات القضائية من نيابة عامة ورئاسة وقضاة التحقيق من إعطاء الفرصة للهيئات الممثلة للموثقين أو من خبرائهم لإبداء الرأي  في الشكايات ضد الموثقين حتى تتبع هذه الشكايات مسارها الحقيقي و القانوني لأن الفيصل بين البراءة أو المسؤولية التأديبية أو المسؤولية الجنائية فيصل صغير جدا, وهذا يشوش على عمل الموثق والسير العادي لمكتبه.

مداخلة الأستاذ خليل متحد موثق بوجدة ورئيس الغرفة الجهوية للتوثيق العصري للمنطقة الشرقية في ندوة 8 نونبر 2012.

الموثق الأستاذ خليل متحد بوجدة: مهنة التوثيق العصري في الآونة الأخيرة هو القانون الجديد 09-32: إشكالات ومقاربات
الموثق الأستاذ خليل متحد بوجدة: مهنة التوثيق العصري في الآونة الأخيرة هو القانون الجديد 09-32: إشكالات ومقاربات

التوثيق العصري بالمغرب pdf

اترك تعليق

1 تعليق على "الموثق الأستاذ خليل متحد بوجدة: مهنة التوثيق العصري في الآونة الأخيرة هو القانون الجديد 09-32: إشكالات ومقاربات"

نبّهني عن
avatar
سماعيل
ضيف

سلام الله عليكم هل الأخطاء اللتي ترتكب في الوثائق مثلا اسم المشتري غير صحيح أي رقم البطاقة الوطنية. أريد جوابا جزاكم الله خيرا . وهل ستتم عملية البيع

‫wpDiscuz