المواطن المغربي لن ينخرط في الشأن العام ما لم يستعد إيمانه الذي منه حب الوطن

10850 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 7 غشت 2012، كالعادة استوقفني مقال الأستاذ الفاضل رمضان مصباح الإدريسي المنشور على موقع هسبريس والمتعلق  بما سماه : ” مخزنة المواطن المغربي بالمفهوم الإيجابي لا بالمفهوم القدحي ” . ولقد وضع الأستاذ رمضان يده على العلة التي تنخر جسم هذا الوطن ،وهي علة فتور حب الوطن  لدى المواطنين  أو ضعف  وطنيتهم من خلال إعراضهم عن الانخراط في الشأن العام ، وتعطيلهم  للمصلحة العامة . ومن أجل  توضيح مفهوم “مخزنة المواطن ” ضرب الأستاذ رمضان مثالا من تاريخنا الحديث حيث  أراد المستعمر الفرنسي استبدال السلطان الشرعي محمد بن يوسف رحمه الله  بسلطان صوري هو ابن عرفة ظنا منه أن  وجود سلطان مهما كان يعني وجود المخزن  الذي يخضع له الشعب ،إلا أن الشعب المغربي صار كله مخزنا ، وسفه مفهوم المخزن عند المستعمر لما صار كله سلطانا منفيا .

وعبارة ” مخزنة المواطن ” التي استعملها  الأستاذ مصباح   على وزن ” عسكرة ” يعني بها  حمل المواطن على حب وطنه من خلال  تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ومن خلال  الانخراط في الشأن العام. وأنا أتفق مع الأستاذ الإدريسي في قصده وغايته ولا يخامرني أدنى شك في نيته وصدق وطنيته، ولكنني أختلف معه في اصطلاحه، لأنه ليس من السهل أن يتخلص كثير من القراء من ظلال الجانب القدحي لمفهوم المخزن الرائج فينا، إذ قد يظن البعض أن دعوة السيد مصباح هي محاولة تسخير الشعب للسلطة مع أن قصده أبعد ما يكون عن ذلك، وهو لا يعني سوى قدح شرارة حب الوطن في المواطنين.

وأعتقد أن الذي  أثر على  كثير من المواطنين المغاربة وجعلهم  يقصرون في حب وطنهم هو  نظرتهم القدحية إلى مفهوم المخزن. فالمخزن عند المغاربة هو الدولة  التي تحكم البلاد وتضع يدها على سلطة القوة وهي الغلبة وسلطة المال وهي الاقتصاد، لهذا  ينظرون إلى المخزن نظرة عداء أو على أقل تقدير نظرة ريبة وشك  في أنه يخدم حقا المصلحة العامة . وربما كانت ممارسات المخزن السلبية في  بعض فترات تاريخنا الحديث هي  السبب في فتور وطنية المواطنين وفتور حبهم لوطنهم. وقبل  أن أخوض في غمار حب الوطن والوطنية لا بد من وقفة عند مفهوم المخزن. فالكلمة في اللغة العربية  من فعل خزن إذا ادخر، وربما أطلقت على الكتمان أيضا حيث يقال خزن السر إذا كتمه، ومن نفس المادة اللغوية فعل أخزن إذا استغنى بعد فقر، والمخزن موضع الخزن، والخازن هو الذي يتولى حفظ المال وإنفاقه لدى أمير أو سلطان أو دولة. وربما توسع استعمال المخزن فصار يعني حفظ المال والأمن والسلم وكل ما يجب حفظه من ممتلكات ومرافق الوطن.

والوطن  بالمناسبة هو منزل إقامة الإنسان سواء ولد فيه أم لم يولد، والمواطنون هم الذين يجمعهم وطن واحد ، ويوطنون أنفسهم لخدمته  وتتوطن أنفسهم على ذلك ويواطن بعضهم بعضا على ذلك. والمخزن يطلق عندنا على الهيئات العسكرية وشبه العسكرية وحتى المدنية.

فالشرطة وهم أعوان الولاة مخزن ،وقد سموا شرطة لأنهم  يشهرون أنفسهم بعلامات يعرفون بها، وكلمة شرطة تطلق في الأصل على أول كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت. والدرك ـ بتسكين الراء وتحريكها ـ عندنا مخزن أيضا وهي قوة عسكرية يعهد إليها بالمحافظة على الأمن وهي المقابل لكلمة  “جندرمه ” وهذه الكلمة في الفارسية  فيها  معنى اللباس والرداء  وهو ” جندر ” واللاصقة  : “مه ” التي  تعني  الكبير، فربما عرف أيضا الدرك بلباسه كالشرطة.

واشتهر عندنا  باسم المخزن  قوة  شبه عسكرية تساعد الشرطة والدرك ولها لباسها الخاص. وقد يطلق المخزن على الجمرك والكلمة فارسية أيضا ” كمرك ” وهي جهاز شبه عسكري يتولى جبي المال والمكوس. و الجيش أو العسكر  أيضا عندنا مخزن، ولفظة عسكر فارسية أيضا  : ” لشكر ”  وتطلق على الجيش  المؤلف من 12 ألف جندي.

وقد تطلق لفظة مخزن على كل أنواع الإدارة التي تتعاطى مع شأن من الشؤون العامة في الوطن. ومعلوم أن الأفراد الذين يمثلون المخزن مواطنون قبل كل شيء  يتقاضون أجورا على ما يقدمونه من خدمة للوطن، ولكنهم ملزمون بالوطنية وهي حب الوطن، ولا يجب أن  يخلطوا بين واجب الوطنية، وواجب الخدمة المؤدى عنه.

و حب الوطن أو الوطنية لا يتعلمه المواطن من  انخراطه الحقيقي  في جهاز المخزن ـ  وأركز على  لفظة حقيقي حتى لا تلتبس مع الانخراط المجازي في هذا الجهاز الذي قصده الأستاذ رمضان ـ وإنما هو نتيجة اعتقاد وإيمان، لأن حب الوطن من الإيمان، والإيمان بضع وسبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق كما ينص على ذلك الحديث النبوي الشريف.

ومخزنة المواطن الذي لا يشتغل في المخزن أصلا كما اقترح السيد مصباح، وهو يقصد انخراطه في خدمة وطنه  قناعة واعتقادا والتزاما حلم صعب المنال، لأن المشتغل حقيقة في جهاز المخزن يتقاضى أجرا مقابل الخدمة، بينما  المواطن العادي الذي تتم مخزنته يطلب منه تقديم خدمة لوطنه دون أجر، وبدافع حبه لهذا الوطن.

وقد يوجد من المنخرطين في العمل المخزني من يتوفرون على حب للوطن  فيجمعون بين الخدمة التي يتقاضون عليها أجرا وبين الخدمة التي يسدونها لوطنهم بدافع حبه ليس غير. كما أنه يوجد من غير المخرطين في العمل المخزني  من يحبون وطنهم ويخدمونه  بصدق  وإخلاص، كما أنه يوجد من هؤلاء وهؤلاء من لا يخدم وطنه لأنه لا تربطه به محبة لضعف إيمانه الذي منه حب الوطن.

ومن الأمثلة على ذلك العصابات التي تخرب ممتلكات الوطن كعصابات سرقة الأسلاك الكهربائية، وعصابات تخريب السكك الحديدية، وعصابات أخرى  تخرب كل مرافق البلاد، وهؤلاء من غير المنخرطين في العمل المخزني، أما من المخرطين في العمل  المخزني، فتوجد أيضا عصابات تخرب الوطن عن طريق الرشوة العلنية جهارا نهارا وسرا وعلانية، وحتى عن طريق  تخريب المرافق العامة للوطن.

فالمخربون  لمرافق الوطن سواء كانوا من المنتمين للمخزن أو غير المنتمين  يفتقرون إلى شيء اسمه الإيمان ، وفي الأثر”لا  إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له “. علما بأن الإيمان إنما يقاس بالعمل الصالح إذ  يقترن  في الغالب ذكر الإيمان في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بالعمل الصالح. وكما أن أدنى شعب الإيمان التي هي بضع وسبعون شعبة إماطة الأذى عن الطريق، وهو عمل صالح، فإن  تخريب ممتلكات الوطن  ومرافقه وهو عمل طالح دليل على انتفاء الإيمان قياسا على قاعدة: ” لا يزني الزاني حين يزني ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ” فكذلك لا يخرب مرافق وممتلكات الوطن  حين يفعل المخرب وهو مؤمن . فما  يحتاجه المواطن المغربي هو  مراجعة إيمانه  من خلال مقياس الإجراء والتطبيق  بحيث يرتبط إيمانه جدليا بالعمل الذي يعود على الوطن بالنفع.

فما كل من ادعى الوطنية وحب الوطن صادق في ادعائه حتى يصدق عمله،  ذلك ما دام الإيمان  ليس بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.

إننا نعاين في كل القطاعات والآفاق في هذا الوطن المسكين آثار التخريب المادي والمعنوي، الشيء الذي يعكس  ضعف الإيمان أو انتفاءه أصلا من قلوب المسؤولين عن هذا التخريب من صنفي الموطنين المخزن وغير المخزن. فالمواطن الذي يتسبب في تخريب مادي  لممتلكات الوطن لا وطنية له ولا يقبل منه ادعاء حب الوطن، إذ لو كان صادقا في حبه لوطنه لما تسبب في خرابه. وكذلك المواطن الذي يتسبب في تخريب معنوي لوطنه من قبيل  الغش في أداء الواجب، أو التملص منه لا وطنية له ولا يقبل منه ادعاء حب الوطن أيضا.

ولا يكفي أن تصدر عن المواطنين  بعض  ردود الأفعال العاطفية في مناسبات معينة من قبيل فوز الفريق  الوطني لكرة القدم في مباراة من المباريات  حيث  يخرج الشعب مبتهجا به لنقول إن ذلك مؤشر على وجود الوطنية وحب الوطن فقد يقع  تخريب ممتلكات الوطن في خضم الانفعالات العاطفية  في مثل هذه المناسبات، الشيء الذي يجعلها مجرد انفعالات صورية لا تعكس حقيقة  محبة الوطن. وأنا  أثير موضوع الوطنية في هذا المقال، وقد قدح زنادي مقال الأستاذ الفاضل رمضان مصباح  كالعادة أشعر بالمرارة حين تنعدم وطنية أبطالنا في الألعاب الأولمبية فيخونون وطنهم من خلال تناول المنشطات، وربما كان ذلك بإيعاز من الوزارة الوصية على الشأن الرياضي التي أرادت أن تغطى على فشلها من خلال التغرير بهؤلاء الأبطال المبطلين للحصول على نتائج مزورة إذا ما صحت بطبيعة الحال مقولة البطل سعيد عويطة التي تناقلتها وسائل الإعلام. فمن الإساءة إلى الوطن تلطيخ سمعته في ملتقى دولي أولمبي عوض رفع رايته عاليا في سماء هذا الملتقى أمام شعوب المعمور.

ومن ضعف الإيمان وقلة حب الوطنية وفتور الوطنية أو انعدامها أن يذهب أبطالنا  إلى مثل هذا الملتقى دون تحضير جيد، فيجني غيرنا الميداليات  ويرفعون أعلامهم وترفع أناشيدهم الوطنية ، ونتباكى نحن على فشلنا في كل الرياضات مع أن الوطن  لم يبخل  على أبطالنا  بشيء. فسيان عندي العصابات التي تسرق أسلاك الكهرباء، وقطع السكك الحديدية ، و أغطية  المجاري  الفولاذية، أو تدمر مختلف ممتلكات الوطن، والأبطال الرياضيون الذين يتناولون المنشطات   بتشجيع من مسؤولين فاشلين، فالجميع يفتقر إلى الوطنية وحب الوطن، ومثلهم  المتعلمون  الذين يمارسون الغش  بكل أنواعه بما فيه آخر  اختراع  ضبطته الوزارة الوصية  على قطاع التعليم  بتشجيع من عديمي الضمائر  مهما كانت مهامهم في هذا القطاع . وحب الوطن  أو الوطنية ليست عبارة عن دروس نظرية  في مواد دراسية معينة ، بل هي  إجراء و ممارسة وسلوك يومي   يعكس  درجة هذه الوطنية . وما دام الشعب المغربي يعيش  بذهنية منفصمة  تجعل  المخزن مقابل الشعب ، فلن  يصح إيمانه ولا حبه للوطن ، لهذا لا بد من أن  يزول هذا الانفصام  فيجتمع المخزن والشعب معا على حب صادق لهذا الوطن  ، فلا المخزن يجوز له أن يرى في الوطن مجرد بقرة حلوب ومصالح خاصة ، ولا الشعب  يجاري هذا التصور ، فينتقم من وطنه من خلال تخريبه التخريب المادي والمعنوي نكاية في  انحراف المخزن . أسفي  الشديد على وطن مسكين  إذا ما اجتمع عليه مخزن  لا يخدم إلا مصالحه الخاصة ، وشعب ناقم من هذا المخزن  ومنتقم  من وطنه  عن طريق تخريبه . وهو الوطن السفينة وقد علاها المخزن  وأصاب أسفلها الشعب ، فمنع  المخزن الشعب  من الماء  ، فعمد  الشعب  إلى إحداث ثقب في  أسفل السفينة لجلب الماء ، فصار الغرق  يتهدد الجميع  لأنهم لم يحبوا سفينتهم الحب الحقيقي  ، ولو أحبوها حقيقة   لأخذ بعضهم بيد بعض  ولنجوا جميعا . وأملنا كبير في أن المخزن والشعب  معا سيتداركون وطنهم السفينة قبل غرقها  ، وإن يعلم الله في قلوبهم خيرا يؤتهم خيرا.

المواطن المغربي لن ينخرط في الشأن العام ما لم يستعد إيمانه الذي منه حب الوطن
المواطن المغربي لن ينخرط في الشأن العام ما لم يستعد إيمانه الذي منه حب الوطن

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz