المهرجانات و الاشكال التنموية التواصلية

9838 مشاهدة

وجدة البوابة – عبد النور – لقد انخرط المغرب ملكا و شعبا و مؤسسات في فتح أوراش إصلاحية كبرى بعد عقود من التخلف و الركود، تشمل قطاعات التعليم و الصحة و البنيات التحتية، و النهوض بشؤون المرأة، و القضاء على التهميش و كافة أشكال الإقصاء الاجتماعي، سواء تعلق الأمر بالعالم القروي أو الحضري.، من خلال المبادرة الوطنية للتنمية.

كما سعى المغرب إلى طي صفحة انتهاكات حقوق الإنسان و جبر الضرر للمتضررين.

إن هذه الإصلاحات تؤكد على مدى الدينامية و الحركية التي يعرفها المشهد السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي…

لكن و في مقابل هذه الأوراش و الإصلاحات الكبرى، تبرز إلى السطح بعض الاختلالات التي تعرقل هذه المسيرة التنموية، لعل من أبرزها سياسة المهرجانات.

و في ظل النقاش الدائر حول دفاتر التحملات للقطب الاعلامي العمومي، وجب فتح نقاش اخر مواز حول جدوى هذه المهرجانات و حول القيمة المضافة التي تقدمها للمغاربة.

إن الكم الهائل من المهرجانات التي تنظمها وزارة الثقافة و الولايات و الأقاليم المغربية في كافة أرجاء التراب الوطني يحتاج إلى وقفة للنظر في أهدافها و غاياتها و علاقتها بالتنمية و التواصل و حوار الثقافات.

إن الدولة حينما تقدم على إنجاز مشروع ما يتطلب تخطيطا و تسطيرا للأهداف و أهم شيء ينبغي تحقيقه: المنفعة العامة.

ولنا أن نتساءل عن المخطط الذي تضعه جهاز الدولة للمهرجانات السنوية، ما هي أهدافها؟ ما القيمة التواصلية و المنفعة التنموية التي تقدمها هذه المهرجانات؟ لماذا التركيز على السينما و الغناء؟

تلك أسئلة سأجيب عنها خلال هذا العرض عبر محورين، محور نتعرف من خلاله على مفاهيم التواصل و المهرجانات و التنمية، و محور يتناول سياسة المهرجانات بالدراسة و النقد.

المحور الأول: التواصل و التنمية والمهرجانات الدلالة

1- التواصل

إن الله حين خلق ادم خلق معه حواء و كان من بين أهم المقاصد الإمتاع و المؤانسة، و شرط تحقيق المقصدين أن يتواصلا مع بعضهما، و قد قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى:« يا ادم اسكن أنت و زوجك الجنة». الآية 35 من سورة البقرة، نقلا عن مجموعة من الصحابة كابن عباس و ابن مسعود: أخرج إبليس من الجنة و أسكن ادم الجنة، فكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليه… وقال: لم خلقت؟ قالت لتسكن إلي.1

و الشاهد أنه كان يمشي وحشا و قول حواء لتسكن إلي، فالوحشة ضد الأنس و تأتي بمعنى الخلوة، و الوحدة و الانعزال، و كذلك كان ادم عليه السلام، فخلق الله تعالى حواء لتفك عزلته و لتؤنسه، عبر التواصل معها، و يعتبر النواة الأولى للتواصل بين البشرية.

و إذا انتقلنا إلى مستوى آخر يمكن القول أن التواصل هو مجموعة من الجسور التي يوظفها الإنسان، للوصول إلى الآخر بغية تحقيق مجموعة من المآرب و المقاصد التي تعود بالنفع على الطرفين. 2

فالتواصل يقتضي وجود طرفين أو عدة أطراف، تصلهما مجموعة من الجسور، و هم يسعون إلى تحقيق أهداف و مقاصد تعود عليهم بالنفع، و هو أهم شرط في التواصل.

و ليس المقصود بنفعية التواصل جانبه المادي فقط، بل يتعداه إلى الجانب المعنوي أي التواصل الإنساني، و التبادل الثقافي، و التعارف و ذلك هو المقصد الذي دعا الإسلام إلى  تحقيقه و بلوغه من خلال التواصل، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثَى وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَ قَبَائِلَ لِِِتَعَارَََفُواْ، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ.» الآية 13 سورة الحجرات.

2- التنمية

ورد لفظ التنمية في معجم لسان العرب بمعنى النماء، و نَمَى يَنْمِي نَمْيًا و نُمِيًّا و نَمَاءً زَادَ و كَثُرَ… و نَمَّيْتُهُ أَسْنَدْتُهُ و رَفَعْتُهُ و بَلَّغْتُهُ. 3

أما في الاصطلاح فيراد بالتنمية: « الطريق لتوسيع خيارات الفرد في اختيار الحياة الكريمة التي يريدها، فالتنمية تعادل توسيع خيارات و حريات و إمكانيات الأفراد في مجالات الحياة المختلفة.» 4

فالرفاهية و فرص العمل و التعليم و الاستمتاع بأوقات الفراغ… تشكل في مجموعها غايات التنمية و أهدافها، و لا يمكن أن نغفل مكونا مهما من مكونات التنمية، و يعتبر في نفس الوقت محركا لها، إنها حرية التعبير و ممارسة الديموقراطية، فأهم ما يعيق التنمية في البلدان العربية و المغرب من ضمنها، قمع الحريات و غياب المساءلة و المحاسبة.

إن وضع البرامج و الخطط التنموية يشكل حلقة مهمة من حلقات التنمية، كما أن التنفيذ له نفس الأهمية، و يبقى تقييم النتائج أبرز محطات أي مشروع تنموي، لأنه يشكل بداية انطلاقة مشاريع أخرى.

و إذا كان من ضمن أهداف تنظيم المهرجانات تشجيع السياحة الداخلية و الخارجية على حد السواء، و تحقيق مداخيل تنعش التنمية الاقتصادية في بلادنا، فالواجب أن نقف على مدى تحقق ذلك الهدف و نسائل المسؤولين عن المنفعة التي تجلبها هذه المهرجانات، و الحال أننا لا نلمس أي انتعاش للسياحة في ظل المبالغ الضخمة التي تصرف على المهرجانات.

3- المهرجانات

وردت كلمة مهرجان في التعريف اللغوي بمعنى « احتفال الاعتدال الخريفي، و هي كلمة فارسية مركبة من كلمتين: الأولى مهر، و من معانيها الشمس، و الثانية جان، و من معانيها الحياة أو الروح، و الاحتفال يقام احتفالا بحادث سعيد، أو إحياء لذكرى عزيزة كمهرجان الأزهار و مهرجان الشباب و مهرجان الجلاء». 5

و في قاموس Hachette و رد المهرجان بمعنى «التظاهرة الموسيقية أو السينمائية أو المسرحية … تنظم في موعد محدد.» 6

تعبر كلمة مهرجان عن معاني الضياء ( الشمس)، و الحياة و الروح، و إذا قمنا بتحليل الترابط بين الشمس و الحياة من جانب فلسفي تأملي، فإن الشمس بضيائها تبعث الحياة في الأشياء بعد أن غمرها الليل بظلمته، فكذلك المهرجان بطابعه الاحتفالي ينشر الفرحة و السرور في النفوس بعد أن ضاقت بها الدنيا بهمومها و صعابها.

و الاحتفال بالمهرجانات قديما ارتبط بالطبيعة و بكل شيء جميل. و قد كانت المهرجانات في المغرب حاضرة من خلال ما يعرف بالمواسم، حيث يلتقي سكان القبائل للاحتفال سنويا.

و لقد شهدت تقنيات و وسائل الاتصال، طفرة مهمة مع تطور وسائل الاتصال، و أصبح التفاعل بين الناس و تبادل الآراء و الأفكار ممكنا في ظل هذا التطور، كما أن مفهوم التقارب و التبادل الثقافي .

لكنها في المقابل لم تحقق حميمية في التواصل، فالتواصل يتم مع كائنات مجردة تفتقر إلى الوجود و الكيان المحسوس خاصة حينما يتعلق الأمر بالتواصل عبر الانترنت ،« فهو اتصال لا شخصاني إلى حد كبير حتى في الحالات التي يتم فيها تبادل الرسائل و الأفكار و الآراء بين أطراف مجهولين بعضهم لبعض». 7

في حين أن المهرجانات تمكن من التواصل المباشر بين الناس، و التعرف إلى ثقافة و فكر الآخر و معاينته عن كثب، إن المهرجانات تسهم في التبادل الثقافي بين الشعوب من جهة، و في الحفاظ على الموروث الثقافي من جهة أخرى.

 

المحور الثاني: سياسة المهرجانات الواقع و المأمول

دأب المغرب خلال السنوات الماضية على تنظيم مجموعة من المهرجانات و بشكل مكثف، و في فترات معينة من السنة، تنتمي لميادين مختلفة ثقافية و سينمائية و موسيقية.

تخاطب تلك المهرجانات مكونات مختلفة من المجتمع، فمنها ما يتوجه إلى النخبة كرجالات السينما، و أخرى تخاطب المسرحيين، و ثالثة تخاطب عشاق بعض الفنون الراقية، و السبب يرجع في ذلك إلى طبيعة المهرجان من حيث موضوعه .

1- غياب المضمون

إن تنظيم مهرجان ما يقتضي تحقيق غايات إما تواصلية، أو تنموية أو هما معا، و إذا تفحصنا المهرجانات التي تنظمها وزارة الثقافة أو الأقاليم و الجهات المختلفة من المملكة، من حيث المضمون و الأهداف المرجوة، فإننا سنقف على مجموعة من الانحرافات التي يضفي عليها منظموا تلك المهرجانات صفة الشرعية برفع شعارات من قبيل:

–         المغرب ملتقى الحضارات.

–         المجتمع المغربي مجتمع الحداثة و الديموقراطية.

–         المغرب بلد التسامح و تعايش الثقافات.

  نعم يعتبر المغرب ملتقى الحضارات، و بلد التسامح و التعايش، و التاريخ يشهد بذلك، فقد احتضن المغرب ديانات مختلفة كالمسيحية و اليهودية تحت راية و رعاية الإسلام، سواء في المغرب أو الأندلس.

 و لقد تعامل المسلمون المغاربة مع اليهود وفقا لأحكام الإسلام التي تضمن لهم حقوقا لم تكفلها لهم ديانة أو قوانين وضعية، فلقد عانى اليهود و المسلمون من اضطهاد المسيحيين و التاريخ يحكي أحداثا أليمة إثر سقوط غرناطة من التطهير العرقي و الديني، حتى إن اليهود هاجروا مع المسلمين إلى بلاد المغرب الذي استضافهم و رحب بهم.

لكن المغاربة حينما تعايشوا مع الآخر، لم يفقدوا هويتهم، و لم يتخلوا عن قيمهم، بل كانت هي الضامن لذلك التعايش و التسامح، و كان تواصلهم مع الآخر قائما على احترام خصوصيات المجتمع المغربي الإسلامي.

و الحال اليوم يختلف عن الأمس، ذلك أن المهرجانات صارت سلاحا ضد القيم و الهوية و الخصوصيات، و من يفقد هويته يذوب في هوية الآخر، فمعظم المهرجانات قد تحقق تواصلا، لكن أي تواصل؟ و بأي ثمن؟

أما اعتبار المغرب بلد الديموقراطية، فلا بد من تحديد معنى للديموقراطية، فإذا كانت تعني مجالا أوسع للحريات، فكل حرية لها ضوابط، و أما إذا كان المقصود أن المغاربة يقبلون تنظيم مثل هذه المهرجانات، و يستشهدون بالحضور الكبير للمغاربة، فإن المغرب يضم أكثر من ثلاثين مليونا، و تلك الفئة لا تعبر عن رأي عامة الناس. و أقترح إجراء استفتاء شعبي، ثم ننتظر النتيجة.

و رفع شعار الحداثة يطرح إشكالات عميقة من قبيل: ما الحداثة التي يقصدونها؟ هل الحداثة بمفهومها الغربي، التي تبيح كل شيء، حتى الشذوذ؟ أم المقصود بها الحداثة التي لا تتعارض مع القيم و الهوية؟

أعتقد أنه من الواجب أن نفتح نقاشا جديا حول هذا التوجه الحداثي التقدمي، و مدى تعارضه مع الثوابت و القيم.

إن مهرجانا كمهرجان موازين إيقاعات العالم الذي ينظم في عاصمة المملكة، أو مهرجان التسامح الذي ينظم بعاصمة سوس العالمة، أو مهرجان البولفار بالدار البيضاء… لتؤكد على أن التواصل قد فقد مضمونه، و كما رأينا في تعريف التواصل أنه مد للجسور بقصد تحقيق منفعة مشتركة، فإننا لا نلمس أي منفعة أو مد للجسور من خلال هذه المهرجانات.

و باستقرائنا للفنانين المدعوين لتلك المهرجانات، فالملاحظ في أغلبها التهافت المغربي الجنوني للمنظمين على البضاعة الشرقية و الغربية، و إهمال المخزون الفني الوطني الأصيل و العريق.

و من خلال متابعتي لمهرجانات كمهرجان التسامح المنظم بمدينة أكادير لسنة 2009، تبين أن المقدم من جنسية فرنسية مع مقدمة مغربية و التقديم باللغة الفرنسية، أما عن الفنانين فمن جنسيات عالمية مختلفة ( فرنسية أمثال Christophe Willem, ، و رواندية أمثال  Corneille، و كندية و لبنانية هيفاء وهبي في ملابس فاضحة و برقصات مثيرة…). و ليس حال مهرجان موازين بالرباط خلال السنوات الماضية و أيضا هذه السنة ببعيد عن مهرجان التسامح.

و حين سئل أحد المغنين عن المهرجان، قال إن رسالة المهرجان أن تكون الهوية متشظية Identité fragmentée ، أي هوية مجزأة مقسمة بين جنسيات العالم، و تمثل هذه الدعوة قلب العولمة الثقافية، و التي يعبر عنها المختصون بالكوزموبوليتاني المواطن العالمي. 8

فالقصد من تنظيم هذه المهرجانات الوصول إلى ما يطلق عليه باللاتوطين و يقصد به فقدان العلاقة الطبيعية بين الثقافة و الأقاليم الجغرافية و الاجتماعية، 9  أي جعل الحاضرين يفقدون هوياتهم المحلية، ليتخذوا بعد ذلك هوية عالمية (كوزموبوليتاني)، هوية الإنسان الغربي الأمريكي.

لنصل إلى الحتمية التاريخية التي روج لها فوكوياما نهاية التاريخ، و سيادة النموذج الليبرالي، حيث يقول: أما اليوم فنحن على العكس منهم ( يقصد من تنبأوا بمستقبل اشتراكي زاهر) نجد صعوبة في تخيل عالم أفضل بكثير من عالمنا، أو تخيل مستقبل ليس ديموقراطيا و رأسماليا في أساسه. 10

و أخطر ما في هذا المهرجان الحضور الهائل للشباب و الأطفال، بعشرات الآلاف، و لنتصور آثار هذا المهرجان و غيره على فكر و سلوك هؤلاء الشباب و الأطفال الذين يمثلون جيل المستقبل (كوزموبوليتانيين).

يمثل ما ذكرنا جانبا من الحرب على القيم و الهوية المغربية الأصيلة، و في جانب آخر ذي صلة بالجانب الأول، تحارب الأخلاق و الآداب العامة حربا بلا هوادة، من خلال مجموعة من الانحرافات التي تبرز في هذه المهرجانات تحت مرأى السلطات: الاختلاط و تعاطي الخمور و المخدرات و ممارسة الشذوذ الجنسي و الرقص الفاضح و التعري…

و النتيجة الحتمية أمة بلا أخلاق، و قد قال أحمد شوقي:

          إنما الأمم الأخلاق ما بقيـــت               فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبـــــــوا

2- المهرجانات و التنمية الزائفة

إن أهم التبريرات التي يحتج بها منظموا المهرجانات المغربية زعمهم بأن هذه الملتقيات تعمل على تشجيع السياحة عبر تزايد أعدادا السياح و الرواج الاقتصادي الذي تحدثه.

إن أقل ما يمكن أن يقال عن هذه الحجة أنها استغباء للمغاربة، والرد علي بطلانها يكون من عدة وجوه: إن تنظيم مثل هذه المهرجانات يتطلب تخصيص ميزانيات كبيرة، تتحملها وزارة الثقافة و وزارة السياحة و الولايات و الأقاليم و بعض الشركات الراعية، و تقدر هذه الميزانيات بالملايير، و تصرف في أغلبها على الفنانين و المغنين، إضافة إلى التبذير الذي يعرفه استهلاك الطاقة و الفاتورات التي تتحملها الجماعات و العمالات، التي تشكو من ضعف ميزانياتها.

و بتتبعنا للمهرجانات المنظمة، فإن الحضور في أغلبها يكون مجانيا، أي بدون مقابل، و المحصلة عدم وجود مداخيل، مما يدفعنا إلى الاستنتاج أن المهرجانات تعتبر بمثابة تبذير للمال العام.

إن الحديث عن التنمية يتأسس على تنمية الإنسان عقليا و سلوكيا و روحيا، حتى يكون انخراطه في مشاريع و مخططات التنمية فعالا، و سياسة المهرجانات التي تنهجها الدولة تتجه نحو تدمير عقل و سلوك و روح الإنسان المغربي.

إن تنظيم مهرجانات سينمائية أو مسرحية هو من العبث بحيث لا يحقق أي قيمة مضافة للتواصل أو التنمية، و الأسباب متعددة نذكر من بينها:

–             أن معظم الأفلام تمثل حربا على الثوابت الوطنية خاصة الدينية منها.

–             أن الجمهور المغربي لا يرتاد قاعات السينما و الشاهد على ذلك إغلاق العديد من القاعات أبوابها، في ظل القرصنة و منافسة وسائل الاتصال الحديثة( انترنت، فضائيات، CD, DVD).

–             أن السينما المغربية لا تستطيع منافسة الصناعة السينمائية الأجنبية خاصة الأمريكية و الفرنسية و الهندية التي تحتكر الأسواق العالمية.

–             أن اليد العاملة التي يمكن أن تشغلها الصناعة السينمائية لا تتجاوز المئات، كما أن الصفة التي تتميز بها و هي الموسمية لا توفر عملا قارا.

–             أن السينما المصرية بتجربتها و قوتها تعاني من الركود، إذا استثنينا الأفلام التجارية، و الجميع يعلم طبيعة الموضوعات التي تتناولها هذه الأفلام.

   و الخلاصة التي نخرج بها أن المراهنة على قطاع غير منتج، بل يعتبر عبئا في حد ذاته، رهان خاسر.

3- المأمول من المهرجانات

في ظل الخلاصة التي وصلنا إليها سابقا، ينبغي على المسؤولين إعادة النظر في سياسة المهرجانات من حيث الكم و النوع، و الطريقة التي تنظم بها.

أما من حيث الكم، فإن عددا كثيرا من المهرجانات يمكن عدم برمجتها للطابع التكراري الذي تتميز به من حيث المضمون، و الاكتفاء بتنظيم بعضها، فالمتتبع للمهرجانات السينمائية أو الموسيقية يلاحظ ما يمكن أن نسميه استنساخا للمهرجانات، فباستقراء مهرجانات الجدول الثاني في الملحقات، نجد مثلا أن المهرجانات السينمائية تتكرر بكثرة، و تتغير فقط المدينة (تطوان، مارتيل، مكناس..) أو التسميات، الفيلم القصير أو الطويل، الفيلم النسائي.

صنف اخر من المهرجانات تعتبر غير ذات معنى، مهرجان الجاز مثلا أو مهرجان الراي بمدينة وجدة، و مهرجان البولفار بالدار البيضاء، فكلها مهرجانات تعمل على تفكيك المجتمع قيميا و أخلاقيا و سلوكيا.

و من حيث النوع، يلاحظ ان مهرجانات كثيرة لا تخدم التنمية كما لا تحقق أي تواصل، فإذا كان الفنانون و الممثلون يأتون إلى المغرب بحمولتهم الثقافية و الفكرية و القيمية، و يعملون على نشرها في أوساط الشباب و الأطفال و النساء و الرجال، فإننا لا نلمس أي وجود لمفهوم التبادل الثقافي، فتأثيرهم أقوى من تأثيرنا، و الانطباع الذي يستقونه من سهراتهم و لقاءاتهم، أن المغاربة شعب يحب الفن و الفنانين.

و من خلال متابعتي لبعض المهرجانات كمهرجان التسامح، شاهدت كيف أن الأطفال و الفتيات يرددون أغاني المغنين من جنسيات مختلفة و هم يحفظونها عن ظهر قلب، و لو طلبت من أحدهم ترديد النشيد الوطني لاعتذر، لأنه لا يحفظه.

و هناك من يزعم أن المغاربة في حاجة إلى الترويح عن النفس، و الخروج من ضغوطات العمل اليومية، إن ساكنة الدول المتقدمة تقضي أوقات فراغها في مزيد من العمل و الجد، أو في ممارسة الرياضة و مطالعة الكتب، بينما نعود مواطنينا على مزيد من اللهو و اللامبالاة بالوقت.

أعتقد أن من واجب الشرفاء و الأمناء من هذا البلد أن تأخذهم الغيرة على ثقافتهم و هويتهم، و يهبوا لإيقاف هذا اللاتوطين و تذويب الشخصية المغربية الأصيلة تحت لهيب هذا التيار الجارف المسمى بالعولمة الذي يلج أبوابنا تحت عناوين الفن و السينما و التسامح…

 فإذا كانت وسائل الإعلام خاصة المرئية، و تحت سلطة و توجيه ثلة من الوصوليين، تعمل على تشظية هوية المواطن المغربي من خلال أفلام و مسلسلات مدبلجة، و من خلال خطاب إشهاري مائع، فإن المهرجانات تعمل على إكمال المهمة، بتذويب تلك الهوية و الانتقال إلى المواطن العالمي الكوزموبوليتاني، تحت حكم الولايات المتحدة الأمريكية.

فواجب علماء الاجتماع و الباحثين في علم النفس دراسة تأثير ظاهرة المهرجانات خاصة الموسيقية على الرأي العام و الاتجاهات و الميولات، والسلوكات و القيم… للوقوف على خطورتها على المجتمع و المواطن المغربي، كما أدعو جمعيات المجتمع المدني، باعتبارها عنصرا وازنا في الساحة المغربية، لتقترح بدائل لهذه المهرجانات تكون رافعة للتنمية.

نفس الدور منوط بالنخبة المثقفة الغيورة على الوطن أن تتحمل أوزاره، بفتح نقاش جدي حول جدوى و فائدة هذه المهرجانات، و اقتراح الحلول و طرح الأفكار التي تخدم تنمية العنصر البشري عقلا و سلوكا و وطنية…

إن العولمة تيار جارف و موازين القوى العالمية غير متكافئة، و النتيجة الاستجابة لضغوطات و سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، إن على مستوى الإصلاحات الاقتصادية أو المناهج التعليمية، أو على مستوى البرامج الثقافية.

و تعتبر بوابة الانفتاح الثقافي في شقه السلبي أخطر أسلحة العولمة، حيث تفتح الحصون و يدخل العدو دون مقاومة، كما وقع مع حصان طروادة.

و المغرب إذا لم يعمل على ضبط سياسة المهرجانات، سيجد نفسه خلال عقود فاقدا لهويته.

1.     إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تفسير القران العظيم، دار طيبة للنشر و التوزيع، ط الثانية 1420ه-1999م، ج الأول ص234.

2.     د.مصطفى سلوي، مقدمة عامة إلى مفهوم التواصل، المحاضرة الأولى، 2008، ص 2.

3.     محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، لسان العرب، دار صادر،ط الأولى، ج 15 ص 341.

4.     تقرير المعرفة العربي للعام 2009، مؤسسة محمد بن راشد ال مكتوم، ص8.

5.     د.إبراهيم أنيس و اخرون، المعجم الوسيط، الجزء الثاني، ط الثانية، بدون تاريخ نشر، ص 890.

6.     Dictionnaire Hachette, Hachette livre, Edition 2004, p.610/

7.     د.أحمد أبو زيد، المعرفة و صناعة المستقبل، كتاب العربي، الناشر وزارة الإعلام –مجلة العربي، يوليو 2005 ،ص 138.

8.     د. جون توملينسون،العولمة و الثقافة- تجربتنا الاجتماعية عبر الزمان و المكان، ترجمة د.إيهاب عبد الرحيم محمد، سلسلة عالم المعرفة عدد 354، أغسطس 2008، ص247.

9.     المرجع نفسه ، ص143

10.           فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ و خاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة و النشر، ط الأولى 1993. ص 57.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz