المشي في الأسواق خير من العزلة والانغلاق/ محمد السباعي

24008 مشاهدة

محمد السباعي/ وجدة البوابة: وجدة في 2 فبراير 2013، شبَه الأستاذ امحمد عالم المشهد السياسي المغربي اليوم بالسوق الأسبوعي التقليدي، حيث الكُل يعرض بضاعته، ويكثُر اللغط والضجيج، ويختلط الحابل بالنابل، ويطفو منطق الصراخ على منطق العقل… وقد كتب بالفرنسية في هذا سلسلة من المقالات النقدية الغنية بالدلالات و لو كانت مُبهمة أحيانا، مما جعلها أقرب إلى جنس الشعر أو الخاطرة من جنس المقالة الصحفية. و هي على بساطتها الظاهرة وشدة تركيزها، تلامس أهم مواضيع الساعة: جدوى المشاركة السياسية، أزمة الحضارة في الوطن العربي، غياب مشروع مجتمعي، قضية المرأة، قضية الحريات الفردية، تخبط المنظومة التربوية… ونظرا لمكانة الأستاذ المفتش عالم في قلوبنا نحن جيل أساتذة الثمانينات، فإنني ترددت كثيرا في التعقيب عليه، ولكنني الآن أستسمحه في التطفل و اقتحام “سوقه” وإبداء بعض الملاحظات قصد إثراء النقاش الجاد في القضايا الراهنة. وقد فضلت استعمال اللغة العربية حتى تكون “المُفاهمة” أكبر، و حتى نتقاسم الحديث في هذه الخواطر الجميلة مع السادة القراء الذين لا يتقنون لغة “الأسياد”. نتساءل في البداية لماذا تأخر أستاذنا عالم عن الكتابة إلى اليوم، وهو صاحب فكر وتجربة و خلق. و هذا العتاب موجه للعديد من أساتذتنا العازفين عن الكتابة والتأليف، والواقين في باب السوق، مترددين من الإدلاء بدلوهم و تسجيل مواقفهم من القضايا الوطنية أو المحلية، إما تهيبا من الضجيج أو خوفا من السقوط في شباك الوسطاء المُتطفلين أو الباعة المُطففين والخروج ببضاعة فاسدة أو ناقصة… و حين يتقدم بهم السن، يتنبهوا أن “القطار” فاتهم، وأن مَن دونهم علما وخلقا وتجربة قد سبقوهم إلى “سوق عكاظ” واعتلوا المنابر ووجهوا الرأي العام نحو الوجهة الخاطئة و تسللوا خلسة إلى مراكز القرار و وسَعوا  رقعة الفساد و طبَعوا النشء مع الرداءة… ونحن نعيش نفحات ذكرى المولد النبوي الشريف، لا بد من التذكير بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ياكل الطعام ويمشي في الأسواق، ويخالط الناس ويدعوهم إلى الهدي الذي جاء به. و قد تعجب كفار قريش لذلك، فنزل قوله تعالى: “وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً” (الفرقان آية (7). و لا شك أن المثقف أو العالم أو رجل التربية يحمل رسالة نبيلة عليه أن يبلغها، كما يفعل “الأسياد” الذين لا يملون من ترويج بضاعتهم والإساءة إلى بضاعتنا (هناك 10 آلاف موقع متخصص في الإساءة إلى الإسلام وحضارته !) ، و في هذا يقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أعوذ بالله من جلَد الكافر وعجز الثقة). فلا مفر من ولوج سوق الإعلام والمشاركة في معركة التدافع من أجل القيم التي نحملها، والصبر على الأذى وتحمل تبعات مواقفنا. و أي انعزال أو انسحاب بدعوى المقاطعة أو التعفف أو الخوف من الدنس أو بدافع الترفع عن الإسفاف والابتذال، لن يغير من الواقع شيئا. ولا مفر كذلك من اقتحام سوق “البوليتيك” والتدافع مع المشاريع المجتمعية التي نعتبرها متجاوزة أو محنطة أو لا عقلانية، والمشاركة لا تعني بالضرورة الانتماء الحزبي. و لن يتأت لنا ذلك بمجرد الوقوف عند باب السوق والتأفف من الفوضى العارمة، وإنما يتأتى بحسن عرض بضاعتنا، بالوضوح اللازم (خاطبوا الناس على قدر عقولهم)، وبالجرأة اللازمة في تسجيل الحضور و اتخاذ المواقف الحاسمة في الوقت المناسب. فبعد الثورة الرقمية وإقرار الدستور الجديد و القطع مع زمن الاختطاف و بعد ثورة الصناديق وسد المنافذ أمام تيار الاستئصال والتحكم، فُتح سوق حرية التعبير والرأي على مصراعيه، و لم تعد هناك في مغرب اليوم حاجة إلى التردد واللجوء إلى الجُمل الناقصة أو الطلاسم أو نقط الحذف… إن عددا من مثقفينا يظنون أن الحركة الإسلامية وصلت إلى تدبير الشأن العام في الوطن العربي بالصراخ أو بمجرد الذكاء/الدهاء، و الحقيقة أن رموز هذا التيار قاسوا القمع والاعتقال والإقصاء والنفي لعقود طويلة، وإذا تبوأ اليوم”عمي بن كيران” مركز الصدارة في المغرب، فلأنه انتزعها عن جدارة واستحقاق باختيار الوضوح مع الشعب منذ الوهلة الأولى. إن أنصار المشروع الإسلامي من دعاة (منتمين أو غير منتمين) ليسوا رهبانا يبيعون صكوك الغفران للعباد… بل هم حماة مشروع وأصحاب عقيدة راسخة ومنهج واضح: عموديا (ابتغاء مرضاة الله والدار الآخرة) و أفقيا (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله). فهي إذن تجارة لن تبور، ولا يصمد في “السوق” إلا أصحاب النفس الطويل. بضاعتهم مسك إن شاء الله ( فبائع المسك إما أن تبتاع منه أو تجد عنده ريحا طيبا)، ولو أخطئوا التقدير، في نظرنا، فإنهم مأجورون إن شاء الله، و لا يحق لنا محاكمة النوايا … إن إعادة الأمور إلى نصابها وإخراج هذه السوق من اللخبطة والفوضى مسؤولية الجميع وفي مقدمتهم المثقفون وصُناع الرأي. والبداية لن تكون إلا بالحسم في قضية الهوية والتصالح مع الذات الجماعية و مع التاريخ والجغرافيا. و قد لا يكون العيب في السوق ولكن فينا نحن المُتسوقون الذين نُصر على وضع نظارة الغير لقراءة الذات. و قد تكون هذه النظارة هي لغة الآخر التي لمَعت لنا حضارته وسوَدت في أعيننا حضارتنا. تلكم بعض الارتسامات التي أحببت تسجيلها على مقالات أستاذي امحمد عالم، ليس تعصبا ممقوتا لأي حزب، كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، ولا رغبة في تبادل المجاملات وهي من الأمور التي ينفر منها الرجل لشدة تواضعه، راجيا منه أن يستمر في الكتابة والعطاء لإتحافنا بالمزيد، إغناء للنقاش و تصويبا للعمل الحكومي (أو غير الحكومي) لما فيه مصلحة هذا الوطن الحبيب.

المشي في الأسواق خير من العزلة والانغلاق/ محمد السباعي
المشي في الأسواق خير من العزلة والانغلاق/ محمد السباعي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz