المسيرة الخضراء في ذكراها الخامسة والثلاثين: المنجز في أقاليمنا الجنوبية ؟ ورش كبير ونقلة تاريخية تستحق أن تروى

40468 مشاهدة

وجدة البوابة/ ثلاثة عقود بعد انطلاق المسيرة الخضراء المظفرة، وجه آخر في حياة مدن أقاليمنا الجنوبية، ومنعطف كبير سار بها في موكب التنمية والتغيير لم تكن لتشهده بهذه السرعة ولم يكن في حسبانها أن تصل إلى ماوصلت إليه من تغيير شامل هم كل الميادين والقطاعات بعدما تهيكلت وتمت مأسسة خطتها التنموية في إطار مخطط استراتيجي دقيق على غرار باقي الجهات والأقاليم المغربية، وإذ تعد مناطقنا وأقاليمنا الجنوبية بكل ماتكتنز من مقومات وثروات، فهي أيضا تكتسي الكثير من الحساسية وحالة من التفرد لارتباطها بالوحدة الوطنية ، فهي القضية الأولى والهم الكبير للمغاربة قاطبة قضية “الصحراء المغربية”، فإن كانت مسيرة النماء بتلكم المناطق قد عرف العديد من المتغيرات فهو في نفس الوقت لم يسلم من النواقص والهفوات واالفجوات في التسيير وحسن التدبير، وفي ذكرى كهته كانت فيه نقطة التحول والتغير نقف وقفة تأمل من خلال هته الورقة الخاصة ، نستحضر من خلاله الذكرى مالها وما عليها وإلى أين وصلت وأي مستقبل يتربص بها؟….

المسيرة الخضراء في  ذكراها الخامسة والثلاثين: المنجز في أقاليمنا الجنوبية ؟. ورش كبير ونقلة تاريخية تستحق أن تروى
المسيرة الخضراء في ذكراها الخامسة والثلاثين: المنجز في أقاليمنا الجنوبية ؟. ورش كبير ونقلة تاريخية تستحق أن تروى

من مسيرة التحرير إلى مسيرة النماء.

لم يكن الهدف الحقيقي من المسيرة الخضراء المظفرة استرجاع أقاليمنا الجنوبية وتأكيد أواصر الارتباط المثين بين الملك والشعب فحسب، بل رسم خطوات البناء والتشييد والهيكلة والتنظيم الذي من شأنه أن يسمو بمدن وقرى كانت إلى عهد قريب في عداد النسيان “تنمويا”، لا ينظر إليها إلا كمناطق جرداء خالية من أي مؤشر من مؤشرات الحياة العصرية، الذي يتيح أبسط الظروف الممكنة لحياة عيش كريمة تضمن السكن والصحة والتعليم وما لصق من مظاهر التحول التجاري والصناعي وما إلى ذلك.إنها مسيرة مازالت متواصلة ومتجددة، كانت بدايتها تستدعي القيام بمخططات استعجالية، لتدارك الخصاص الموروث عن الاستعمار الإسباني خصوصا فيما يتعلق بالجانب التجهيزي والجانب الاجتماعي، وقد وفقت الجهود المبذولة حينها في إحداث نوع من التحول بتوفير البنيات السكنية وكل ما يلزمها من حاجيات الربط بالماء وشبكة الكهرباء وشق الطرق وتوفير الشغل وتقريب الإدارة من المواطنين وإيجاد الأرضية اللازمة للاستثمار في مختلف المجالات وتوالت الخطط والبرامج التي وضعتها مؤسسات الدولة على كافة القطاعات في دينامية راهنت على الشمولية والاستمرارية، رفعت مؤشرات النمو وعكست العديد من المنجزات في وقت وجيز، منجزات شملت العديد من المنشآت الاجتماعية والثقافية والرياالمرافق إلى أضخمها قوة وتأثيرا على الصعيدين الوطني والمحلي وكذا الدولي، كموانئ ضية في فضاء صحراوي يتسم بإكراهاته الطبيعية والمناخية، ابتدأ من أبسط الداخلة والعيون، بوجدور وطرفاية.

لايمكن للزائر الذي يقصد مدن أقاليمنا الجنوبية إذن، إلا أن يبدي إعجابه الكبير ودهشته المثيرة صوب ما تحقق بها وتغير بها من منشآت وإنجازات، فهي التي كانت عبارة عن مناطق قاحلة تجوبها قوافل من الرحل من مختلف القبائل بحثا عن الكلأ والعشب بحكم تعاطيها لتربية الإبل والأغنام، هذه القبائل المسالمة التي برهنت عن مغربيتها ولم تترك الفرصة تضيع وكانت النتيجة إيجابية مقارنة مع من أرادوا الانفصال عن المغرب والارتماء في أحضان المخابرات الجزائرية الطامعة في منفذ عبور للمحيط الأطلسي على حساب الصحراويين المغرر بهم، أمـا الصحراويون الذين فضلوا التشبث بوطنهم المغرب فسايروا ركاب التنمية مند 34 سنة، حيث شهدت المنطقة عدة مشاريع تنموية في عدة مجالات ، كما استفادت القبائل الصحراوية من خيرات المغرب قصد رد الاعتبار لكل مواطن ينحدر من هذه المناطق، وبفضل المسيرة الخضراء تحولت الأقاليم الصحراوية إلى مدن تتوفر على كل المعايير المطلوبة بعدما غادرها المحتل سنة 1975 ولم يترك فيها أي شيء يذكر، ونهب من خيراتها وهمش ساكنتها وداس على الأخضر واليابس فيها .

المنجز بأقاليمنا الصحراوية.

ويعتبر ميناء العيون باعتباره أحد المنجزات التي تحققت في عهد الوحدة، الميناء الأول للصيد البحري، وأول ميناء لسمك السردين في إفريقيا، فيما تعد محطة تحلية مياه البحر بالعيون المنجز الرائد على الصعيد الإفريقي، ينجح في تغطية حاجيات المدينة والمراكز الحضرية بالماء الشروب اعتمادا على تقنية التحلية التي اعتمدها المكتب الوطني للماء الصالح للشرب، فأعطت نتائجها المثمرة في بيئة هي عنوان ندرة المياه.وفضلا عن هذه المحطة التي حققت نجاحا في أدوارها، أنجزت بباقي الأقاليم الجنوبية، عدة وحدات مماثلة لتحلية مياه البحر ومعالجة المياه، إضافة إلى مئات الكيلومترات من قنوات الجر وشبكات التزويد بالماء الشروب والخزانات المائية المرتفعة والمدفونة.وقد بلغت استثمارات المكتب الوطني للماء الصالح للشرب بجهة وادي الذهب الكويرة، أزيد من186 مليون درهم منها أزيد من106 مليون درهم في الفترة من1982 الى2005 فضلا عن التزايد المطرد لهته النسب عبر السنوات الأخيرة إلى الآن ، ويقدر مجموع الاستثمارات المنجزة في قطاع الماء الشروب بالعيون بأكثر من مليار درهم مكنت من إنجاز مشاريع ضخمة منها محطة التحلية التي يصل صبيبها الإجمالي إلى 13 ألف متر مكعب في اليوم..، إضافة إلى ذلك سطر المكتب برنامجا استثماريا تقدر كلفته بحوالي384 مليون درهم لتلبية الحاجيات المتزايدة من الماء الشروب، لساكنة المراكز الحضرية والقروية بإقليم العيون فضلا عن المساهمة في تمويل مشروع إنجاز قناة تحويل مياه سد الساقية الحمراء نحو الفرشة المائية لفم الواد بكلفة56 مليون درهما.كما سطر المكتب برنامجا استعجاليا، في قطاع التطهير السائل بالإقليم تصل كلفته إلى نحو410 مليون درهما، وعلى صعيد التزود بالكهرباء تم ربط الأقاليم الجنوبية بالشبكة الوطنية للكهرباء بواسطة خط ذي توتر جد عالي(225 كيلو فولت) طوله مئات الكيلومترات بعد أن كان توفير هذه المادة يؤمن انطلاقا من محطات تشتغل بالفيول والغازوال، وقد تم رصد استثمارات هامة بهذا القطاع لتأمين تزويد مدن ومراكز هذه الأقاليم بالكهرباء.ويصل عدد المحولات الكهربائية الخاصة بالأحياء والزبناء بالمدينة قرابة150 محولا وهو مؤشر ذال على الاستثمارات الهامة التي بذلت في قطاع الكهرباء الذي يتطلب أموالا هامة في مجال صيانة الشبكة ذات الجهد العالي(الأعمدة الكهربائية والعوازل) وتحسين جودة الخدمات المقدمة.ومن المؤشرات التي تبرز أهمية المجهود التنموي المبذول بالأقاليم الجنوبية ارتفاع نسبة التمدرس والبنيات التعليمية والتكوينية والرياضية والصحية أيضا، فمن بضع عشرات من التلاميذ إلى آلاف المتخرجين والتلاميذ والمتدربين الذين يجدون طريقهم إلى المؤسسات التعليمية والتكوينية في أعداد تتزايد سنة بعد أخرى، وفي القطاع الصحي نجد أن عدد السكان لكل سرير استشفائي بإقليم العيون قد تعزز بشكل ملموس ، وارتفع عدد الأطباء بالإقليم وفقا لإحصائيات رسمية من10 أطباء سنة1976 إلى 98 طبيبا سنة2007 على سبيل المثال ، وهو ما يجسد مدى التحول الذي عرفه القطاع الصحي بالأقاليم الجنوبية التي أنجزت بها عدد من المستشفيات والمستوصفات والمراكز الصحية، وتعززت كل هذه الإنجازات بمشاريع تحقق سواء في إطار برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، أومشاريع إعادة الهيكلة ، أو أوراش الأقاليم الجنوبية التي تتم في إطار البرامج الاقتصادية والاجتماعية المندمجة لتنمية هذه الأقاليم التي سطرتها وكالة الجنوب.وقد أضاف عمل وكالة تنمية أقاليم الجنوب وشركاؤها ضمن مجموعة من الاتفاقيات، دعما استراتيجيا آخر لخطة التنمية بأقاليم الجنوب..، ولكون المنطقة تمثل موقعا متميزا ضمن محيطها الجهوي وتتوفر على إمكانيات ومؤهلات هامة طبيعية واقتصادية وبشرية فقد أضحت فضاء مؤهلا للاستثمار مما يفتح أمام المنطقة آفاقا واعدة في مجال التنمية التي انطلقت مسيرتها مباشرة بعد حدث المسيرة الخضراء المظفرة.وقد قطعت هذه المسيرة التنموية أشواطا متقدمة وانتقلت من مرحلة توفير التجهيزات الأساسية الضرورية إلى عمليات واسعة لبناء مختلف المرافق والمؤسسات لتدخل إلى أوراش التأهيل الحضري للمدن والمراكز وتوفير الأرضية الملائمة لتنمية مستدامة ومندمجة.نواقص أمام عجلة التنمية.هته الجهود والإنجازات التي رصدتها لغة الأرقام بين مجال وآخر، لم تكن في غالبيتها موفقة وقادرة على احتواء كل متطلبات المنطقة و احتياجاتها فهي الأخرى ماتزال تعرف نوعا من الخلل، فرغم كون سكان المناطق الجنوبية، على إدراك تام بكل تلك الجهود والإنجازات التي حققها المغرب بالأقاليم منذ استرجاعها سنة 1975 ، ولا أحد يمكنه إنكارها، لكن في نفس الوقت لديه الكثير من المؤاخذات التي يوجهها لمن يتولون تسيير شؤون الأقاليم الصحراوية، وهذه “المؤاخذات ” تكمن في الأساس في عدم تفعيل المفهوم الجديد للسلطة، الذي دعا إليه صاحب الجلالة واعتمده منذ توليه الحكم ، فبالنظر إلى المتغيرات الأخيرة التي تشهدها أقاليمنا الجنوبية من توثرات واحتجاجات ، تعكس بالملموس استياء الساكنة المتضررة التي ضاقت درعا من سياسة التماطل والتسويف الممنهجة ضدها في الحصول على أبسط حقوقها فمازالت الحاجة والخصاص إلى عدد المستوصفات والجامعات، والمدارس والمراكز الثقافية والسكن اللائق. والمرافق والتجهيزات الرياضية وغيره..، موضحة أن الوضع الحالي تغنمه ثلة لوبيات استفادت من حرب الصحراء، وليس في صالحها تطبيق الديمقراطية المحلية لأن ذلك يقتضي الشفافية وإسناد المسؤوليات للرجل المناسب في المكان المناسب وفسح المجال لمختلف الفئات الشعبية ومنها الشباب والمرأة، للمشاركة في تسيير الشؤون المحلية واحترام إرادة الناخبين في اختيار من يمثلهم في المجالس المحلية والتشريعية بدل تزويرها، وبالتالي وضع حد للمشاكل التي يواجهها خاصة الشباب في الأقاليم الصحراوية، ومنها على الخصوص الهجرة السرية والبطالة، فالكثير من شباب الأقاليم الصحراوية يضطرون للسفر إلى مدن كأكادير ومراكش والرباط لتلقي تعليمهم الجامعي، بسبب عدم توفر أية جامعة في الصحراء.أما الحديث عن وكالة تنمية أقاليم الصحراء، التي أنشأت بقرار من الملك محمد السادس، فيبدو حديثا آخر ذو تشعبات وتساؤلات تخص حسن سيره وعطائه، بعدما حادت هته الأخيرة عن سكتها التي سطرت من أجلها فوضعت نفسها في قفص الاتهام ، حتى أن تواجد مقرها العام في الرباط بعيدا عن مدينة العيون بأكثر من ألف كيلومتر، يزكي هذا الطرح لدى جميع ساكنة الأقاليم الجنوبية، لأن تطور مدن المنطقة وتعزيزها بالبنيات التحتية المتقدمة يقتضي تقوية الاستثمار بها والمباشرة اليومية لورش مردوديتها والاتصال الدائم بالمعنيين بالأمر.فرغم النهضة الكبرى والنقلة النوعية التي ركبت صهوتها مناطق الأقاليم الصحراوية، تبقى الفجوة عميقة والثغرات بليغة بعدما وصلت إلى أحرج فتراتها ارتباكا وتوثرا، ولعل آخر صيحاتها ذلك النزوح الجماعي لمجموعة من ساكنة العيون على شكل كوكبة من المخيمات يزداد عددها يوما بعد آخر، وهو النزوح الذي وضع المسؤولين على تسيير الشأن المحلي هناك أمام المسؤولية ، بعدما طاب لهم التسويف و التماطل الذي انتهجوه في وجه مطالب الساكنة ذات الصبغة الاجتماعية، رغم الإيرادات المالية الضخمة المخصصة للجهة، إلا أن بوادر تحقيقها على أرض الواقع يبقى مبعدا يثير الأسى والحسرة، في الوقت الذي كان من المفروض فيه أن تغذو المناطق الجنوبية للملكة أنموذجا يقتذى به ومفخرة حقيقية في عالم التنمية الشاملة بكل مقاييسها الحضارية ومؤشرا اقتصاديا متوفقا يلفت الانتباه ويحظى بالإعجاب.وفي ذكرى غالية كهته، لابد من أن ترجع النفوس عن غيها وتشحنها بالحماس والوطنية اللازمين لإكرام ذكراها، وتعزيز مبتغاها الذي وضعت اللبنة الأولى فيه، وتفسح الطريق وتمد المشعل لأبنائها للاستمرار في مسيرتها الجوهرية مسيرة النماء والنهوض بالأوضاع العامة ليس فقط للأقاليم الجنوبية بل أيضا للمغرب قاطبة.

وجدة البوابة// اكادير/ فاطمة بوبكري

المسيرة الخضراء في  ذكراها الخامسة والثلاثين: المنجز في أقاليمنا الجنوبية ؟ ورش كبير ونقلة تاريخية تستحق أن تروى
المسيرة الخضراء في ذكراها الخامسة والثلاثين: المنجز في أقاليمنا الجنوبية ؟ ورش كبير ونقلة تاريخية تستحق أن تروى

المسيرة الخضراء في ذكراها الخامسة والثلاثين: المنجز في أقاليمنا الجنوبية ؟ ورش كبير ونقلة تاريخية تستحق أن تروى

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz