المسلمون في زمن الربيع العربي إذا لانوا أهينوا وإذا تشددوا أدينوا

182236 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة في 20 أكتوبر 2013، من المعلوم أن الإسلام يضبط سلوك معتنقيه ضبطا كاملا بحيث لا يتصرفون وهم يمارسون الحياة وفق أهوائهم الشخصية ، وإنما يخضعون لشرع الله عز وجل خضوعا تاما تعبر عنه كلمة إسلام التي تعني فيما تعنيه الاستسلام لشرع الخالق سبحانه. واللين والشدة في الإسلام يحكمها شرع الله عز وجل ، فلا شدة ولا لين إلا فيما أمر أو نهى الله عز وجل . وبموجب شرع الله عز وجل الذي ينهل من القرآن الكريم ومن سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم لا وجود لشدة أو غلظة إلا مع من تعمد محاربة الإسلام ، ولا وجود للين أو ذلة مع هذا المحارب المجاهر بالعداء. ونصوص القرآن الكريم والحديث الشريف في هذا الأمر واضحة وقطعية لا تقبل التأويل أو التخريج حيث يقول الله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة )) والمقاتلة عبارة عن مواجهة تتعدد وتختلف أساليبها وتتراوح ما بين قتال الفعال وقتال المقال ، كما يقول سبحانه وتعالى في وصف المسلمين : (( يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم )). فبموجب هذين النصين لا يشتد المسلمون ولا يذلون ولا يعزون إلا كما شرع الله عز وجل . والشدة والغلظة والعزة في الإسلام على الكافرين الذين يبغون على المسلمين ويظلمونهم كما هو حال الصهاينة المجرمين ، ومقابل ذلك من الواجب أن يكون اللين والذلة بين المسلمين . ولا يجب أن يخشى المسلم اللوم إذا ما اشتد وعز على الكافر المعتدي أولان وذل للمسلم ما لم يكن باغيا وإلا قوتل المسلم الباغي حتى يفيىء إلى أمر الله عز وجل ، فإن فعل وجب الصلح معه . وما حدث بعد ثورات الربيع العربي هو وقوع المسلمين في وضعية محرجة خصوصا بعد وصول أحزاب ذات مرجعية إسلامية إلى مراكز القرار . فمع وصول هذه الأحزاب المعروفة باعتدالها في ممارسة الإسلام ومع لينها لغيرها من الأحزاب بما فيها بعض الأحزاب التي تتنكر جهارا للإسلام تشتد إهانة هذه الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية على قدر لينها مع غيرها من أحزاب الخصوم حتى بلغ الأمر حد ظن الضعف بها بل الاستخفاف والاستهانة بها . ومن إهانة الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية اتهامها بالضعف وقلة الخبرة والمهنية حتى بلغ الأمر بالبعض مطالبة هذه الأحزاب بترك السياسية واللجوء إلى الانزواء في المساجد لممارسة العبادة فقط لأن الممارسة السياسية تقع خارج مجال الدين في اعتقادهم الباطل . ولقد كشف النقاب عن إهانة الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية من خلال ما حدث في مصر على سبيل المثال حيث بلغ التجاسر بوزير الدفاع الانقلاب على الرئيس المنتخب والشرعي لأنه لمس فيه اللين المطلوب شرعا،واستغل لينه واستخف واستهان به ، واعتقله ولفق له التهم ، ولا زال يخترع في أساليب الاستبداد والتسلط على طريقة المستبدين والطغاة ، وكان آخر ما لجأ إليه هو تدبير التفجيرات من أجل تبرير تمرير قانون منع التظاهرات التي فضحت خيانته وتجاسره على رئيسه وعلى الشرعية وعلى الديمقراطية . وأسلوب تدبير التفجيرات يتوخي منه الجنرال الانقلابي نقل حزب العدالة والحرية المصري من أسلوب الإهانة إلى أسلوب الإدانة ، وهو نفس الأسلوب الذي استعمله جنرالات الجزائر من قبل من أجل تبرير استبدادهم وتمريره على العوام والسذج . وفي تونس لا يزداد خصوم الحزب ذي المرجعية الإسلامية وهو حزب النهضة الذي اختار أسلوب اللين إلا تشددا حتى أن هؤلاء الخصوم بالغوا بل أسرفوا في إهانته ، وصار هذا الحزب السيء الحظ لا يخرج من نفق ينصبه له الخصوم إلا ويجد نفسه أمام أنفاق جديدة ،علما بأن الأحزاب المعارضة له ، وخاصة العلمانية منها تعرف في تونس بأحزاب نسبة صفر فاصلة من حيث درجة تمثيل الشعب ومع ذلك استأسدت على حزب النهضة صاحب نسبة التمثيل العالية للشعب التونسي . ويحاول خصوم حزب النهضة التونسي حتى لا نقول أعداءه ـ وإن كان نعت الأعداء واردا أيضا بحكم شدة حقد هؤلاء الخصوم عليه ـ جعل المسلمين في تونس بين أسلوب الإهانة وأسلوب الإدانة . فهم مع حزب النهضة اللين يمارسون أسلوب الإهانة ويمعنون في ذلك ، ومع المتشددين المحسوبين على الإسلام يمارسون أسلوب الإدانة مع الحرص على توجيه هذه الإدانة أيضا إلى حزب النهضة المعروف تاريخيا باعتداله وبنبذه للعنف على غرار حزب الإخوان المسلمين في مصر، و على غرار أحزاب أخرى في بلدان الوطن العربي . وتحمل الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في الوطن العربي مسؤولية ما يقوم به المتشددون المحسوبون على الإسلام مع براءتها مما يفعل هؤلاء وشجبها له . ويقع الخلط بين مقاتلة العدو الصهيوني المعتدي والغلظة عليه ، وبين ممارسة القتال والغلظة خارج هذا السياق حيث تعتبر مقاتلة العدو الصهيوني المعتدي والغلظة عليه عملا إرهابيا ومتشددا ، علما بأن الإرهاب عبارة عن عدوان لا مبرر له سوى الحقد والكراهية . ومقابل تقديم دول غربية الدعم الكبير للكيان الصهيوني ليتمادى في عدوانه ترفض هذه الدول أن يستهدفها من يرد على العدوان الصهيوني ، وهكذا يقع الخلط بين الإرهاب الذي لا مبرر له وبين الرد على العدوان. وخصوم الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية وبدوافع حزبية وسياسوية يسايرون الكيان الصهيوني والغرب الداعم له في توجيه تهمة الإرهاب لمن يقاوم عدوانه ويرد عليه بالمثل ، ولا يستثني هؤلاء الخصوم من ذلك شيئا حتى صار التعامل مع حركة المقاومة الفلسطينية حماس ذات المرجعية الإسلامية عبارة عن تهمة تخابر ألصقها الانقلابيون بالرئيس المصري الشرعي والمنتخب مع أنه بتقاربه مع حركة حماس أو تعامله معها قد قام بواجب ديني وواجب قومي ووطني لا يمكن الطعن فيه على غرار طعن الكيان الصهيوني ومن يواليه من الدول الغربية فيه . ومع لين حركة حماس مع الانقلابيين في مصر ازدادت إهانة هؤلاء لها ، بل يحاول الانقلابيون أن يضيفوا إلى أسلوب إهانتها أسلوب إدانتها أيضا وقد فعلوا بالفعل مجاراة للعدو الصهيوني . وعندنا في المغرب لا يدخر خصوم حزب العدالة والتنمية جهدا من أجل التمادي في إهانته من خلال اعتباره غير ذي كفاءة وخبرة ،علما بأن أصحاب هذا الرأي سبق لهم أن كانوا في سدة الحكم ، وكانوا السبب المباشر في وصول المغرب إلى نفق مسدود وفساد غير مسبوق ، وهو ما يحاول حزب العدالة والتنمية معالجته بثمن باهظ على حساب سمعته حيث يعبث خصومه بعقول البسطاء من المواطنين من خلال تحميل حزب العدالة والتنمية مسؤولية تردي الأوضاع اقتصاديا واجتماعيا في البلاد وكأن الأمور كانت بخير قبل أن يتولى هذا الحزب زمام الأمور في البلاد . ومع علم خصوم حزب العدالة والتنمية بالوضع المتردي الذي تسلم فيه هذا الحزب مسؤولية الحكم ،فإنهم إمعانا في إهانته يحملونه مسؤولية هذا الوضع ويتملصون منها مع العلم أنهم هم من صنع هذا الوضع الكارثي . ويعرف خصوم حزب العدالة والتنمية من هم تماسيح وعفاريت المغرب ومن هؤلاء الخصوم تماسيح وعفاريت أيضا ، ولكنهم يطالبون حزب العدالة والتنمية بالكشف عنهم مع أن هؤلاء التماسيح والعفاريت كانوا في زمن توالى فيه حكم البلاد مختلف الأحزاب سواء المحسوبة على اليسار أوعلى اليمين أوعلى المخزن أوعلى المعارضة ، ولكن لا أحد تحدث عنهم أو كشف النقاب عنهم من قبل . وكان ذنب زعيم حزب العدالة والتنمية هو الحديث عنهم . ونتحدى هؤلاء الخصوم أن يكشفوا عن تمساح واحد أو عفريت واحد كما يطالبون زعيم حزب العدالة والتنمية بذلك من أجل الإمعان في إهانته والتفرج عليه وهو بين فكي تمساح من التماسيح أو بين يدي مارد من مردة العفاريت الذين لا يستطع أحد أن يذكرهم مجرد الذكرعلى لسانه بله القبض عليهم ومحاكمتهم . وخلاصة القول أن قدر المسلمين المحتوم في هذا الزمن ، وهو زمن الربيع العربي أحد أمرين ، وكلاهما مر إما الصبر على الإهانة أو مواجهة الإدانة.

المسلمون في زمن الربيع العربي إذا لانوا أهينوا وإذا تشددوا أدينوا
المسلمون في زمن الربيع العربي إذا لانوا أهينوا وإذا تشددوا أدينوا

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz