المسؤول الذي يجعل الإعلام صيدا يتصيده الإعلام

16534 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 27 شتنبر 2012، 

إن من البيان لسحرا ، ومن سحره قول الشاعر الحكيم :

ومن يجعل الضرغام للصيد بازه        تصيده الضرغام فيما تصيدا

هذه الحكمة يعقلها العقلاء الأكياس ، و لا يفهم مغزاها الأخفاء الذين خفت عقولهم ، وقد تخف العقول بزهو السلطة والمنصب في لحظة ربما جلبت ندما كبيرا ولات حين مندم . والإعلام سلاح فتاك ربما فاقت درجة فتكه أسلحة الدمار الشامل في عصرنا ما دامت نتيجة السلاحين واحدة . ولقد كان الإعلام منذ وجد سلاحا فتاكا وقد لعب دورا رئيسا  في أيام العرب وحروبهم في جاهليتهم . ولخطورته أقره النبي صلى الله عليه وسلم  سلاحا  وأمر شعراءه  باستخدامه واعتبره بمنزلة سلاح الرمي وهو أخطر سلاح  كما أثبت ذلك عصر التكنولوجيا ، وهو أمر تنبأت به نبوة نبي الإسلام عليه السلام حين أوصى بسلاح الرمي  وتلقينه للنشء  ومن سلاح الرمي الشعر والإعلام عموما . والدليل على فتك الإعلام  مثال  موت الشاعر الحكيم الذي جرب هذا السلاح في قوله وهو تحت نشوة الزهو بشاعريته :

الليل والخيل والبيداء تعرفني ////     والسيف والرمح والقطاس والقلم

 وقد جر هذا القول الإعلامي أو الإشهاري على صاحبه الويل والثبور وعواقب الأمور، حيث  واجه القتل بسببه ، ولما حدثته نفسه بالفرارمنه ، فقال له المتربص بقتله : أولست القائل كذا وكذا مرددا إشهاره الشعري ، فقال الشاعر وقد أدرك خطأ إشهاره الشعري :” قتلتني قاتلك الله ” ولقي مصيره مقبلا حتى لا يموت مدبرا فيحوز  لعنة الدارين .

كثير من المسؤولين المنبهرين بالمناصب  أو الخائفين من زوالها ، ودأب المناصب الزوال، وهي التي لم تدم لأحد لأنها من متاع الدنيا الزائل ، يستهويهم سحر الإعلام  فيخطبون وده  ، ويتوددون إليه من أجل أن يؤكدوا استحقاقهم للمناصب التي  آلت إليهم  بحق  أو بباطل . وطبيعة الباطل أن غرورـ بفتح الغين ـ  يغرر بالمسؤولين خصوصا عندما  يتسلل إلى هذا الإعلام المتطفلون عليه من المتملقين الذين  يتاجرون ويرتزقون به  مع المسؤولين الذين يسيل لعابهم من أجل ركوب شهرة الإعلام. وقد لا يخطر ببال المتطفلين على الإعلام و المرتزقين به أو بالطامعين في شهرته من المسؤولين أنه سلاح فتاك  يفتك بالمرتزق والطامع على حد سواء . وكم من مسؤول أخرق  ظن أن  تقريب  مرتزقة الإعلام منه  يمكنه من رقبة الإعلام،  فجعلهم بطانة له  ، وأغدق عليهم بالمناصب والمهام الرشى أيضا ، وهو  على علم بجشعهم وطمعهم فلم يغنوا عنه شيئا ، ولم يفده إعلامهم الإشهاري شيئا بل انقلب سحر الإعلام على سحرته وعلى الطامعين في خدمته . ولا تفوت المسؤولين بما فيهم الكبار الذين يرأسون الحكومات والوزارات  والولايات وما شكلها إلى أدنى مسؤولية  في كل القطاعات فرصة دون مغازلة الإعلام الذي يرفع أقواما ويضع آخرين . وقد يلجأ المسؤولون إلى الإعلام فيستغيثون به في الأزمات واللحظات الحرجة من أجل  تلميع ما شاه من صورهم لدى الرأي العام . وقد لا تدعو الحاجة إلى هذا الإعلام ، ومع ذلك يتهافت عليه المسؤولون  لحاجة في نفوسهم  ، وقد يكون ذلك استباقا لأمر مدبر يراد له أن يصادف مناسبة أو ظرفا ما يكون محط أنظار أو انتظار. ومعظم المسؤولين  يفتقرون إلى مصداقية الإعلام، ولا يمكنهم الزهد فيها لأنها إما أن تكون مزكية لمصداقية شغلهم مناصب المسؤولية  أو تكون مكملة لها في حال نقصها أو تكون  مموهة ومضللة في حال غيابها. والمسؤولون يكونون بخير أو في راحة بال ما لم  يغيرهم  بريق المجد الإعلامي ، فإن فعلوا وقعوا في الشراك كما   تقع الطرائد في المصائد . وإقبال المسؤولين على المنابر الإعلامية محفوف بالمخاطر والمهالك  ، والتعامل معها كالسير على حد السيف ، أو كالسير في الحقول الملغمة إذ لا يكاد الواحد منهم يفوه بالكلمة لا يلقي لها بالا حتى تهوي به سبعين خريفا في جهنم . ويبدو الإعلاميون وهم يستضيفون  المسؤولين الذين  يغيرهم  سراب الإعلام  كالشياطين يستدرجونهم نحو المهالك من خلال زلات الألسنة عن طريق الأسئلة الشراك أو الألغام . وقد يخيل  إلى بعض المسؤولين أنهم فرسان لا تهزم لهم خيل أمام  شيطنة الإعلام فإذا هم صيد سهل  بين يديه يعبث بهم كما يعبث الصغار بلعبهم ودماهم . ومن المسؤولين من  يصاب بالإدمان على الإعلام  فلا  يخطو خطوة دون طلب الإعلام بالباب  لينفخ في ما قام به نفخا  من القليل  والتافه و يزيده الإعلام انتفاخا. ومن المسؤولين من يظن بنفسه الدهاء والشطارة والذكاء فيتظاهر بالزهد في الإعلام ،وهو يتحرق في أعماقه رغبة في خدمته ولكنه يموه على هذه الرغبة الجامحة تمويها لا يخفى على شطار الإعلام ، فيتظاهرون بدورهم  أمامه بأنهم طالبون راغبون في خطبة وده ، فيزيده ذلك تمنعا كما تفعل الغادة المدللة حتى إذا تمكن منه الإعلام فض بكارة أنفته ،ومرغ تمنعه في الوحل ، وصار بعد ذلك يلهث وراء سراب الإعلام حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه . وحيلة الإعلام التي يتصيد بها  المسؤولين  هي  استدراجهم  نحو الكذب والتزيد في القول حيث يقولون ما لا يفعلون ، ويصفون بألسنتهم الكذب حتى إذا أفرغوا جعبهم من  زخرف القول  أحال الإعلام الرأي العام على واقع حالهم ، وأوصل الكذبة إلى الباب كما يقول المثل العامي ،  ونزع عنهم لباسهم ليريهم سوءاتهم ،دون أن يجدوا سبيلا إلى الكلمات التي تلقاها آدم عليه السلام من ربه فتاب عليه ،  فيموتون ولا توبة لهم  وقد حملوا يوم القيامة ظلما وساء لهم حملا .

هذا  هوالجانب النظري من اغترار المسؤولين بخطر الإعلام، أما الجانب العملي الإجرائي  فمثاله على سبيل التمثيل  لا الحصر  رئيس حكومتنا  الذي استدرجه شيطان قناة الجزيرة  أحمد منصور  ، فانتصر عليه بعدما استدرجه للحديث عن شياطين وعفاريت الفساد ، وهو الذي كان يظن بنفسه الشطارة والمهارة للانتصار على شيطان الإعلام  الغرور،  فوجد نفسه في مأزق  يتحدث عن  واقع فاسد ولا يجد بين يديه حجة  عليه من واقع  ، ويقول في نهاية النزال الإعلامي  من رأى منكم  فسادا فليخبرني به ، وأنا أواجهه بعدما كانت دعايته الانتخابية تقول أنا آتيكم به قبل أن تقوموا من مقامكم أو قبل أن يرتد إليكم طرفكم وإني عليه لقوي أمين . ولكم وددت لو لم  يجب رئيس الحكومة دعوة شيطان الإعلام ، وظل صامتا لا يعرف الناس ما يخفي  من تدبير لمحاربة الفساد  ، ولكنه عندما نطق تبين الرأي العام أنه لا قبل له بهذه الحرب حين لوح لسانه براية الاستسلام البيضاء أمام طغيان الفساد في كمين إعلامي . والمثال الآخر وهو أيضا مجرد تمثيل لا يراد به الحصر هو مثال وزير التربية الوطنية الذي يبدو مراهقا أمام  شيطان الإعلام الذي يتصيده بسهولة ويسر ويعبث به عبث الصبية بالدمى  واللعب . ووزير التربية  من السهولة بمكان أن يستل لسانه من فيه الواسع ليفوه  دون أن يميز خبيثا من طيب . وقد  يسأل عن كلمة فيجيب  بمقال طويل عريض.  وقد  يتعلق بالكلمة وهو تحت نشوة  ولذة الإعلام  ويستأثر بها وينزعها من أفواه شياطين الإعلام كما يستأثر الرضيع بثدي أمه وهو ينافس شقيقه التوأم عليه . وكم كان منظره مثيرا للسخرية والضحك ومذيع الأخبار الذي استضافه لوقت معلوم ولغرض محدود ينبهه  إلى أنه قد أستهلك حصته من الوقت وأذهب حسناته في الهذر واللغو  وهو يتشبث  بالكلام  وقد غاب عنه أنه قد استضيف في نشرة أخبار مقننة التوقيت  ووقتها ملك عمومي لا يجوز أن يستباح. ومن مراهقة الوزير الإعلامية أنه يلقي الكلام على عواهنه  ولا يبالي بمقاماته ، ولا يعرف قاعدة لكل مقام مقال  ، بل لا يبالي  إلا  بمقامه كمرسل للكلام  متجاهلا مقام المتلقين ، وكأنه يوحي وحيا لا يأتيه باطل من بين يديه  ولا من خلفه ،ولا يفوه بكلام بشر يؤخذ منه ويرد ، وكثيره  هذر وعثر . ومداخل غرور هذا الوزير   بطانة المتملقين الذي يحيطون به  ، ويشجعونه على الزلل وسقط الكلام ، ويرغون منه كما يروغ الثعلبان ، فيصفقون له حيث يجب الاستنكار والاحتجاج ، فيزيده تملقهم  رغبة في ركوب غروره والتمادي فيه حتى  بلغ به غروره  منكرا من القول وزورا كقوله : ” المدير وصاحبته ” وهو لا يقصد دلالة الصاحبة في الفصيح التي تعني الزوجة، بل يقصد دلالة الصاحبة  في العامي التي تعني الخدن ،وفي ذلك قذف يوجب التعزير بالجلد في شريعة الإسلام أو يوجب العزل كما فعل بالوالي الذي  جرح مسؤولا  . وبلغ به الغرور السخرية من زعماء كبار في حجم الرئيس الأمريكي فزعم  وهو في غير وعيه على ما أظن أنه  يملك ما لا  يحلم به أب الرئيس الأمريكي أو”  بباه ”  وهو تعبير عامي  يستعمل للتعريض وما أظن أحدا يستطيع أن يترجم دلالته للرئيس الأمريكي بالإنجليزية إلا أن يكون من شطار الترجمة. وبلغ الغرور بوزير التربية الوطنية أن  سخر من أمصار كبلجيكا والهند ومسها كلامه في فخرها ،وكان كلامه بمثابة دوس على  بيارقها التي هي رمز كرامتها وهو لا يدري أنه   يستعدي على وطنه  الأوطان ذات البأس الشديد  والتي لا قبل له بها . ومن غروره  خيل إليه أن الوزارة التي  آلت إليه بسبب توافق حزبي  ليس غير ، ولم  يحز مسؤوليتها لكفاءة أو خبرة  عبارة عن  ضيعته الخاصة وأن من فيها  أقنان يمكنه تسريحهم السراح القبيح متى شاء وأنى شاء . ومن غفلته  أنه  يفخر بالتصريح بالتهديدات أمام الإعلام  ولا يبالي بالعواقب والتبعات . وها قد  شاهت سمعته فوق منابر الإعلام ، و جنى على حكومته جناية براقش على قومها . وليس  وزير التعليم أول مسؤول غره الإعلام كما غر أول سار القمر . فهل سيتعظ المسؤولون  كبارهم وصغارهم من غدر الإعلام بالمغرورين منهم ؟ آمل أن تكون مصائب بعضهم فوائد البعض الآخر .

المسؤول الذي يجعل الإعلام صيدا يتصيده الإعلام
المسؤول الذي يجعل الإعلام صيدا يتصيده الإعلام

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz