المرحوم قاسم جداين الإذاعي الذي غاب صوته عن الميكروفون : واكب إذاعة وجدة الجهوية التي أقلعت من لاشيء بداية الستينيات

39532 مشاهدة

المرحوم قاسم جداين الإذاعي الذي غاب صوته عن الميكروفون :  واكب إذاعة وجدة الجهوية التي أقلعت من لاشيء بداية الستينيات .

● أغلب فترات الإرسال كانت تشوبها الأعطاب .‼ 

انجز الملف: محمد بلبشير – وجدة البوابة: وجدة 18 يناير 2012، 

في غمرة التحولات التي يعرفها المشهد الإعلامي السمعي البصري ، حيث لم تعد الإذاعة الوسيلة الوحيدة للتواصل و لم تعد التلفزة الوطنية كذلك ، أصبح من الصعب على الجمهور اليوم التعرف على أصوات إذاعية و وجوه تلفزيونية أسست للإعلام الوطني و رسمت معالمه و مساره ..هذه الأصوات يتذكرها من عاشوا مع المذياع خلال سنوات الستينيات و السبعينيات حين كان الراديو الوسيلة الوحيدة تقريبا للفرجة ، و حيث كان قد عرف في تلك السنوات ثورة كبيرة مثل التي يعرفها الهاتف المحمول اليوم ..كان “الترانزيستور” قد دخل الكثير و أصبح الصغير منه في جيوب كل الشباب و رفيقهم في الحل و الترحال..

في تلك الفترة أيام عنفوان و قدرة الملاكم “كاسيس كلاس” (محمد علي) و تألق نجم “بولي” و التسابق نحو الفضاء و النزول على سطح القمر ..و تنقلات المغفور له الحسن الثاني في أرجاء الوطن و تدشين السدود و أغاني عبد الوهاب الدكالي و الشيخ حمادة و بوشعيب البيضاوي و قشبال و زروال …كل هذه الأحداث سمعناها من تلك الأصوات الإذاعية التي مازال صوتها يرن في الأذان جهورا بليغا لا..كان من بين هؤلاء الإذاعيين المرموقين  محمد بن ددوش و نور الدين كديرة و و عبد اللطيف الشرايبي و يحي الكوراري و قاسم جداين الذي وافته المنية بداية السنة الحالية 2012 ..

قاسم جداين من مواليد 1939 بمدينة وجدة ، كان متزوجا و ترك 6 أبناء ، تلقى دراسته الابتدائية و الثانوية بالمدارس الحرة و حصل على مستوى الباكالوريا ، ثم التحق بجامعة القرويين بفاس بعد أن أغلق الاستعمار الفرنسي أبواب المدارس الحرة بوجدة و هو مقاومي وجدة، حيث اعتقل و قضى شهرا بسجن وجدة. انخرط في حفل الإعلام السمعي سنة 1966 بإذاعة وجدة الجهوية التي تأسست سنة 1961..

و كانت “وجدة البوابة” “المنارة الاخبارية”  قد أجرت مع المرحوم قاسم جداين عدة لقاءات خصتها للحديث عن تاريخ دار الإذاعة و خفاياها ..حيث نعيد نشر بعضا منها:

● س- كيف انخرطت في ميدان الإعلام؟ و كيف كانت ظروف العمل بالإذاعة آنذاك.. ؟

ج- لما افتتح الأستاذ محمد الماجدولي إذاعة وجدة، تم اختياري للعمل بها آنذاك، كانت الإذاعة بوجدة تتوفر على تقني واحد في استوديو لم يكن يتوفر على تجهيزات تقنية و لا على إمكانيات باستثناء آلة واحدة فقط للبث و التسجيلات” آلة الناكري ” الاستديو حينها كان عبارة عن بيت كبير ، و قمطر فني و مكتبين صغيرين جدا، و مع توالي الأيام تدربت على العمل حيث كنت أعمل نهارا في التسجيلات الخارجية، و نفس آلة التسجيل تستعمل للبث مساء.. 

س: و كيف كانت طريقة العمل و الحالة هذه ؟

ج- طريقة العمل كانت جد صعبة داخل الأستوديو، من حيث التسجيلات أو البث المباشر خاصة ” المونطاج ” و الاستجوابات مع عدد من الشرائح الاجتماعية و استقبالهم و درج الإذاعة ” و يسمع طرق الباب في جهاز الراديو عند مجيء أي أحد، لأن المخرج الوحيد للأستوديو، خلالها أضطر لإرسال فاصل موسيقي حتى أتمكن من فتح باب الأستوديو كثيرة هي الأعطاب التقنية المتواصلة و التقطعات و الاعتذار للمستمعين نتيجة توفرنا على ” مسجلة واحدة ” أو الأعطاب الحاصلة من جهاز الإرسال.

● س- ماذا عن الوسائل التقنية المستعملة آنذاك؟

ج- الوسائل التقنية كانت منعدمة كليا، حتى أننا كنا نحار في إصلاح الأعطاب التي كانت تحصل مرارا، كما أن انقطاع التيار الكهربائي كان يلعب دوره داخل الأستوديو أو الجهاز الدافع، و نضطر خلالها للتوقف لمدة أطول عن البث، و أحيانا كثيرة ينتهي الوقت المخصص لإذاعتنا، و بدون عودة للإرسال، لأن العطب كان أطول . و نظرا لهذا الهزل اضطر مدير الإذاعة المحلية لتوقيفها و إغلاقها حتى يتم تجهيزها و إصلاحها مما جعل مسئولي الإذاعة المركزية بالرباط يلحقوني بالإذاعة الأم..

● س- لابد أنه كانت تعترضكم مشاكل بعملكم؟

ج- أما ذلك فحدث ولا حرج، لم نكن نتوفر على وسيلة نقل قارة و على سيارة للمصلحة، بل كانت لدينا سيارة وحيدة ذات مقعدين فقط و قديمة جدا، كما كنا نشغل آلة التسجيل ( بالبطارية)، و كنا نتعرض للاهانات بل طردنا غير ما مرة بصفة غير مباشرة من طرف السلطة و مسئولين..

فبالنسبة لي كنت أشتغل بالعمل بالأستوديو، و تنشيط الاجتماعات و التغطيات فضلا عن قيامي كواصف رياضي و مقدم للسهرات و المهرجانات.

س- و ماذا عن طرائفك؟

ج- أتذكر ونحن اليوم نفتقد الفنانة المغربية الشهيرة رجاء بلمليح، التي كانت تقوم بجولة فنية إلى شاطئ السعيدية، فأدرت استجوابها ” إلا أنها كانت تبدو محتشمة وخجولة جدا، و لم تستطع مواجهة الجمهور بهذا الاستجواب ! نظرا لكونها كانت في بداية مشوارها الفني… أتذكر كذلك أنه لأول مرة أتيحت لي فرصة ركوب طائرة صغيرة مع أحد أعضاء حكومة سابقة انطلاقا من وجدة و الناظور و الحسيمة و طنجة و فاس. فكان الخوف و الارتعاش يمتلكاني، فخاطبني المسئول الحكومي قائلا : «مالك خايف ! الناس امشوا للغابون، و أنت غير فالمغرب وراعب !»

● س- و أنت متقاعد اليوم كيف ترى مهنة الإعلام؟

ج- رحلة للمتاعب و المعاناة برجال الصحافة في مشوارهم الصحافي، و أنا في عملي الطويل الذي قضيت فيه أزيد من 35 سنة بالإذاعة الجهوية و المركزية، اكتشفت رغم ضآلة الوسائل ورداءة التقنيات آنذاك، كونه عمل ثقافي تكويني واسع و يتيح نسج علاقات وطيدة وواسعة في مجتمعنا و مغربنا، وشتان بيننا و بين إذاعة جهوية تفتقر إلى كل المقاييس و المعايير خلال الستينات و السبعينات.

مع حداثة الإذاعة الجهوية بوجدة التي أقلعت من لا شيء باستثناء توفرها على آلة واحدة فقط التي لم تكن ترقى إلى العمل المطلوب منا، يقول قاسم، من تسجيل برامج متنوعة، أو تغطية خارجية أو إدراج أشرطة أو الأسطوانات التقليدية بواسطة آلة الحاكي التي كنا ندرج بها أغاني أم كلثوم و الموسيقار  محمد عبد الوهاب و غيرهم، المسجلة في الأسطوانات المستعملة و القديمة جدا و التي زودتنا بها الإذاعة المركزية، كانت كلها شقوق و كسر و كانت محفزة حتى استغنينا عليها كليا ..

مازال قاسم أجداين يتذكر صعاب العمل، فيحكي بمرارة قائلا، أن ذلك كان يتطلب استئناف العمل، فنضطر بعدما يفاجئنا التقني بعطب لإيقاف الإرسال، فكنت أنا و التقني في حيرة، كيف نتدارك الأمر؟ حتى لا يظهر عيبنا الإعلامي، خلالها توجهت إليه داخل القمطر الفني، و أمرته بأن يطلع بفاصل موسيقي حتى أحضر مقالا من جريدة ما .. و أتذكر أنني عثرت في الجريدة على موضوع كان يعالج مخاطر التدخين.. و مقال آخر ” اعرف بلادك أيها المغربي ” كانا مقالان طويلين.. فجلست من جديد أمام الميكروفون، و أشرت للتقني أن يفتح لي الخط من جديد.. و قرأت المقالين المطولين  مباشرة مع المستمعين في انتظار إصلاح الآلة و تركيب الشريط السجل عليه برنامج أدبي للأستاذ المرحوم عبد الله مدير ثانوية الوحدة آنذاك..

كانت الفكرة صائبة و هائلة بإنقاذ و تدراك الموقف التقني، إلى أن أصلح العطب من طرف التقني ميموني عبد الحميد الذي كان مخلصا في عمله، حتى كنت أطلق عليه اسم ” فكاك لوحايل ” نظرا لحنكته التقنية ..

كان أغلب المتعاونين معنا من خارج الإذاعة، كانوا من رجال التعليم، و غيرهم طبعا.. أتذكر يوما كنت قد استضفت أحد أعمدة الثقافة بوجدة، و في استجواب و قبل  الشروع في التسجيل الذي كانت تتخلله فواصل موسيقية، أوضحت له طريقة البرامج ” المسجل ” و كلما أنهينا سؤالا و جوابه، كان يواصل سرده في الأوراق المكتوبة دون مراعاة الفواصل الموسيقية، حتى كنا نعاود السؤال و الجواب لعدة مرات، لقد استغرقنا في تسجيل البرنامج مدة 45 دقيقة ،  في حين تم بث البرنامج في ظرف 20 دقيقة.

و حدث مرة أخرى تسجيل برنامج من طرف أحد المنتجين، الذي لم يراجع النص و لم يتمكن منه، و مع بداية التسجيل كان يخطئ كثيرا و يتلعثم و يتوقف.. فاضطررت لإيقاف التسجيل طالبا منه الانصراف، حيث انصرف غاضبا دون أن يعلم بجدية العمل الإذاعي و تتبع المستمعين له ..

تلك كانت لحظات من تاريخ الإذاعة المغربية الجهوية و الإذاعي الذي كان يلتقي بالمستمعين عبر الأثير لنقل ما كان يجد من أخبار و ما كان يدور بالملاعب الرياضية من منافسات ، و غيرها ، فرحم الله الفقيد قاسم جداين و الفقيد يحي الكوراري الصوتين اللذين كانا يرنان في أذان كل مستمعي الإذاعة الجهوية لوجدة ..

المرحوم قاسم جداين الإذاعي الذي غاب صوته عن الميكروفون : واكب إذاعة وجدة الجهوية التي أقلعت من لاشيء بداية الستينيات
المرحوم قاسم جداين الإذاعي الذي غاب صوته عن الميكروفون : واكب إذاعة وجدة الجهوية التي أقلعت من لاشيء بداية الستينيات

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz