الله عز وجل كما وعد بإشهار الإخلاص توعد بالتشهير بالرياء

13504 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة : وجدة 22 نونبر 2011،

من المعلوم أن الله عز وجل أمر عباده بالعمل  الصالح ، ووعدهم برؤيته، هو ورسوله ،والمؤمنون في قوله عز من قائل : (( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )) ، ولا شك أن هذه الرؤية تشمل رؤية الدارين ،العاجلة ،والآجلة . وهذه الرؤية هي ذلك الإشهار الإلهي الذي يتولاه الله عز وجل ، فيكشف للخلق عمل الذين يحسنون ، لعلمه سبحانه وتعالى بحسن عملهم ، وإخلاص نيتهم . ومقابل هذا الإشهار الإلهي ، وهو من المؤشرات الدالة على القبول  في العاجل ، يوجد التشهير الإلهي ، وهو تلك الفضيحة التي تلحق  الذين يسيئون العمل ، وبنوايا مبيتة وخبيثة عندما يقدمونها على أنها حسنة لخداع الناس  . وعلى غرار جزاء الآخرة ، تكون في الدنيا إما البشارة ، وإما الوعيد . ومعلوم أيضا أن الذين يسيئون العمل في الغالب يتسترون عن خبيث نواياهم ، ويحرصون على إظهار عكس ما يبطنون بدافع الرياء والسمعة الباطلة . وعن هؤلاء يقول الله عز وجل : (( لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ))، فالفرح إنما هو الكبرياء الذي يشعر به أصحاب الأعمال السيئة . ومما يترتب عن هذه الكبرياء حب  سماع الحمد المكذوب غير المستحق . والله تعالى توعد هؤلاء بالعذاب المسبب للألم في عاجلهم ، وفي عاجلهم . أما ألم عذاب العاجل ،فهو ألم الفضيحة والتشهير ، وأما ألم عذاب الآجل ،فدائم لا يبارح صاحبه . ومعلوم أن الكياسة قليلة في الناس ، وقليل من يحتقر عمله مهما كان ، ويدين نفسه ، ولا يترك لها فرصة لتبجح إليه . والأكياس العقلاء يتهمون أعمالهم ، وينسبون لها التقصير مهما اجتهدوا . وأما العجز فهو إكبار النفس عن باطل ، وتعظيم عملها ، وإن قل أو ذل مع العيش على الخيال الغرور، أو الأماني  الكاذبة التي لا تستقيم في واقع الحال . ولهذا جاء في الأثر : “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ” . ومعلوم أيضا أن النفس البشرية متضخمة الأنا بالضرورة ، لهذا فهي تنفخ في أعمالها مهما كانت لتعطيها أكثر من قيمتها ، وتجعل منها إنجازات ، وما هي إلا أوهام  يخيل لأصحابها أنهم قد أحسنوا الصنع ، وهم في الحقيقة  ضحايا الإساءة . والخاسر حقيقة  في ميزان الله عز وجل ،هو الذي يظن في عمله ما ليس فيه ، لهذا يقول جل من قائل : (( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا )) ،وما أكبر خسارة من ساء صنيعه ، وهو يعيش وهم ، وخيال حسن الصنيع . ومعلوم أيضا أن لله عز وجل لم يمنع ،ولم يحرم الحديث بنعمه  لقوله جل من قائل : (( وأما بنعمة ربك فحدث )). وقد يكون من نعمه توفيقه لبعض العباد إلى الأعمال الصالحة . فإن حدث أصحاب الأعمال الصالحة بها ،ووراء ذلك نية خالصة لله تعالى ، كان حديثهم محمودا . وأما إن حدثوا بذلك ،ووراء حديثهم نية بالرياء ، فإن ذلك يحبط عملهم عند الله عز وجل ، فيفضحهم ويخزيهم بين عباده . أما إذا كانت الأعمال سيئة أصلا ، وأصحابها يعرفون ذلك ، ويتعمدون تقديمها  للناس على أنها حسنة ، فإنهم يجمعون بين  الرياء  ـ وهو كذب في حد ذاته أي كذب النية والقصد  في حال صالح العمل ـ والكذب المتعلق بالعمل السيء  . يكذبون حين يقدمون العمل السيء صالحا ، ويراءون حين  ينشدون مدح الخلق ، وينسون رقابة الخالق سبحانه .  وما أكثر هذا الصنف  من الناس عندنا ،حيث لا يعنيهم سوى إشهار المديح  الكاذب غير المستحق . ويمقت هذا الصنف كل من يريد  أن يقدم لهم عيوبهم كهدايا لإصلاح أحوالهم . ويتعشقون الكذب والتملق  من غيرهم ، وحتى من أنفسهم ، ويطربون له كأشد ما يكون الطرب ، وهم واثقون في قرارة أنفسهم أنه  محض تملق كاذب . ويعانون بسبب ذلك مرارة الشعور بالإحباط الناتج عن المدائح الكاذبة، التي  يحبون أن يحمدوا بها  ،مقابل أعمال سيئة هم واثقون من سوئها . ويتعقب الله عز وجل هؤلاء الراغبين في المدائح الكاذبة ، فيكشف أسرارهم للناس ، فتنقلب مدائحهم الكاذبة إلى  مثالب تعرضهم للسخرية  ، وتكسبهم الغم والألم  في حياتهم. وما أظرف المغاربة في نكتهم حين يصورون  الرياء ، ويتعلق الأمر بأحد المرائين وهو يفخر على رفيق له في سفر بأكل  أفراخ الحمام ،حتى  إذا أصابه دوارالسفر تقيأ ،فإذا بأفراخ الحمام تصير حبات عدس متطايرة  ، فيدعوها الرفيق ساخرا إلى الطيران ،سخرية، واستهزاء بفخر صاحبه الكاذب ، أو ” الفاشر ” على حد التعبير العامي  الذي يقلب الرافش إلى ” فاشر” علما بأن الرفش هو التمتع في الأكل والشرب ، والعامة تقول ” الفشر والخبث يشرشر” لمن يدعي ما ليس فيه ويكذبه الواقع . ولن يؤثر العجز على الكياسة إلا بليد  ، أو سفيه ، وصدق من قال : مهما تكن عند امرىء من خليقة // فإن خالها تخفى على الناس تعلم .

 ورب الناس سبحانه  العليم بخائنة الأعين، وما تخفي الصدور، هو الذي يكشفها للناس  ، فإن كانت سجية حمدت ، وإن كانت منقصة ذمت ، وذلك جزاء الأعمال في الدنيا قبل جزاء الآخرة ، وهوالجزاء الأوفى . وعلى الراغبين في إشهار الله عز وجل  لأعمالهم أن يسلكوا إلى ذلك مسالكه ، وإلا فتشهيره وراء كل سعي كاذب ، ووراء كل نية مبيتة ، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله .

الله عز وجل كما وعد بإشهار الإخلاص توعد بالتشهير بالرياء
الله عز وجل كما وعد بإشهار الإخلاص توعد بالتشهير بالرياء
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.