اللهم فاشهد

335849 مشاهدة

هل التعليم صارَ عِبْئاً على الدولة؟ في هذا السؤال ما يُخْفِي الجواب. فهو ليس سؤالاً إنكارياً، مُتَضَمِّناً للجواب، بل إنَّه تعبير عن مرارة السَّائِل، وما يجري في نفسه من ألمٍ، جرَّاء ما وصل إليه وضع التعليم في المغرب، من سَخَفٍ وزَلَلٍ وإرْهاقٍ: أموالٌ طائلة صُرِفَتْ في أكثر من مشروع لـ «الإصلاح». لاشيء كان. لا إصلاحَ، ولا تَرْميمَ. نفسُ الشُّروخ والتَّصَدُّعات والأعطاب، بل إنَّ

العَطَب اسْتَفْحَل وصارَ وباءً. ونفس من اعْتَرفُوا بِمَوْتِ المريض، هُم من مازالُوا يُشْرِفُون على غيبوبته. أو هُم، بالأحرى، حريصون على تلقينه الشَّهادة، قبل دفْنِه. معلمون وأساتذة فَرُّوا من المدرسةِ، في عملية هُروب كبيرة تشبه فرار السُجناء في فلمالألكاتراز، بعد أنْ أعلنتْ حكومة بنكيران قَهْرَ المُوظَّفِين، بوضعهم في قَفَص الوظيفة، لأكثر من العُمُر الذي عَوَّلُوا عليه، وبأقَلّ كُلْفَةٍ وأقل أجْر، بل إنهُم هم من سيُؤَدُّون ثمن القَرْصَنَة الكبيرة لأموالهم. المَسْرُوق يُؤدِّي عن السَّارق، أو هُو يُسْرق مَرَّتَيْن. مُعادَلَة لا يقبلُها العقل، ولا شيء فيها يدُلُّ على المُروءة، وعِفَّة الرُّوح، ونظافة الذِّمَّة والسَّريرة، لكنها حدثت في عهد حكومة ادَّعَتْ أنَّها ستُحارب الفساد، وستنتصر للفُقَراء والمُعْوِزِين. آخرون، من معلمين وأساتذة وإداريين، اسْتنْفَذُوا سنوات القَهْر، وخَرَجُوا حامِلِين في نفوسهم مراراتِ سنواتٍ من الشَّقاء والكَدِّ، بأجْسامٍ مُتْعَبَةٍ كلِيلَةٍ، دون نتائج ولا فائدَة تُذْكَر. اكْتَظَتْالأقْسام بالتلاميذ. أصبحت قاعاتُ الدرس صناديق مُغْلَقَةً، لا يدخلها ضوء ولا هواء. فَوْضَى وتَشَوُّش. المُعلِّم الواحِد يقومبوظيفة مُعلِّمَيْن، أو أكثر. الباقُون في الأقْفاص، سيقومون بأعْمال الهارِبِين من زُملائِهِم. أقسامٌ تُشْبِه قطارات أيام الأعياد والعُطَل.ووزير التعليم، المسؤول عن القِطاع، يعترف بفشل الوزارة وعجزها عن فِعْل شيء. أمَّا السيد رئيس الوزراء، فهو يُرْغِي ويُزْبِد، لا لأنَّ التعليم يغرق، أو لأنَّه يُفكِّر في حلِّ هذه المُعْضِلَة، والنَّجاة بالقارِب من التَّلاشي في الماء، بل لأن السلطة لَحَسَتْ عقْلَه، وعقول من مَعَه، وصارا لا يَرْغَبُ في الخُروج من مكتبه، ومن الغنائم التي فاءتْ عليه بها رئاستُه للحكومة خلال السنوات الخمسالماضية. ولعلَّ في الدُّموع التي باتَ يَذْرِفُها في مهرجاناته الخطابية، ما يكشف عن سكيزوفرينته، وعن رغبته في اسْتِذْرار عَطْف الناَّخِبين، ليس ببرنامج الحزب، ولا بما أنْجزَه خلال سنوات تولِّيه مسؤولية التَّسْيير والتدبير، التي كانت هزيلةً بكُل المقاييس، وكانت كارثِيَةً، إلى الحد الذي جعل بُسطاء الناس يَصْرُخُون في وَجْهِه، ويُطالِبُون برحيله. فهذا النوع من الهُروب إلى الأمام،و«البُكاء بَيْن يَدَيْ زرْقاء اليمامَة»، بتعبير الشاعر المصري الراحل أمل دُنْقُل، ليس سوى سَخَفِ السِّياسة، وسخَف من تَوَلَّوْها بعد أن خَلَت لهُم الأرضُ. فالسِّياسة، هي شجاعَة ومُروءة والتزام، قبل كُل شيء، وليست نَحِيباً، وبُكاءً على الأطلال،وهي أيضاً مُحاسَبَة. يَكْفِي أن ننظر إلى هذا الوضع الكارِثِيّ الذي وصلت إليه المدرسة، وهذا الفَشَل الذَّريع الذي باءتْ به كُل الإصلاحات، وسُوء تدبير البرامج والمُقرَّرات، وغياب التكوين المُسْتَمِر لنساء ورجال التعليم، والمُراهَنة على الكَمّ، فيالتدريس، لا على القيمة، وعدم وجُود مناهج ناجعة في التدريس، وخَنْق رُوح المُبادرة عند المُدَرِّسين، في تكييف ما يُدرِّسُونَه، مع ما يقتضيه السِّياق الذي يكونون فيه.. كل هذا وغيره، كافٍ ليجعلنا، كآباء، وأمهات، وأساتذة، ومواطنين، نصرخ في وجه هؤلاءالذي لم يَصُونوا الأمانَة، وأفْسَدُوها، وبدل أن يكونوا الحَلَّ، صاروا المشكلةَ. فهل يستحق أبناؤنا، من الأجيال القادمة، كل هذا الجُحُود الذي سنُقابِلِهُم به، في مستقبلهم؟ وهذاالهَباء الذي وضَعْناهُم فيه؟ تركْناهُم عُراة في مواجهة العواصف والرِّياح، وادَّعيْنا أنَّنا فعلنا ما كان ينبغي فعله، وأنَّ الأمور تسير على أحسن ما يُرام! هذا نفاق، وكذب، وتدليس. فمن ينظر في برامج الأحزاب، سيُصْدَم بغياب ما يُؤشِّر إلى الرغبة في النهوضبالمدرسة، وإصلاح أعطابها. وكأنَّ الكلام في هذا الموضوع، صار ممنوعاً، وحراماً، وهو ليس من اخْتِصاص من سيتولَّوْن شأن البلاد لخمس سنواتٍ أخرى قادمة. إشارات خجولة، كُتِبَتْ على مَضَض، هنا وهُناك، والباقًي هَذْرٌ، وكلام لا يُسْمِن ولا يُغْنِي من جُوع. إنَّنا نَسِير نحو الأفُول، بتعبير الصديق نيتشه. وليس في وُسْعِنا، إلا أن نَقول ما كان جاء في حجَّة الوداع، اللَّهُمّ فاشْهَدْ.صلاح بوسريف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.