اللجان الفضولية التي تحشر أنوفها في تدبير شؤون المساجد غالبا ما تتسبب في تعطيل دورها

18142 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 28 أبريل 2013، “اللجان الفضولية التي تحشر أنوفها في تدبير شؤون المساجد غالبا ما تتسبب في تعطيل دورها”

من المعلوم أن المساجد تضطلع بأهم دور تربوي في المجتمعات الإسلامية على اعتبار أن التربية هي نمو الشخصية على عدة مستويات . ووجود هذه المساجد باعتبارها مؤسسات تربوية بامتياز يقدم دعما كبيرا لباقي المؤسسات التي تهتم بالتربية في المجتمع . ويعرف بشكل جيد دور المساجد في خدمة التربية في المجتمعات المفتقرة إلى هذه المؤسسات . ووعيا من الأمة الإسلامية بدور المساجد التربوي تحرص على بنائها والعناية بها . ولقد أصبح التفكير في هذه المؤسسات يسبق التخطيط لبناء الأحياء السكنية . وفي الغالب أصبحت المساجد إلى جانب بعض المرافق كالمؤسسات التربوية على رأس الإغراءات التي تغري الناس باقتناء المنازل والشقق في الأحياء المتوفرة عليها . وإذا انطلقنا من مدينة زيري بن عطية وجدة ، مدينة الألفية كنموذج نجد الظاهرة المهيمنة فيها هي الاهتمام الكبير ببناء المساجد التي يقارب عددها حاليا أربعمائة مسجد . وبلغ الاهتمام بالمساجد في هذه المدينة درجة التنافس بين سكان الأحياء المختلفة في بنائها وتزيينها بأشكال غير مسبوقة . ولا يمكن فصل ظاهرة انتشار وكثرة المساجد في هذه المدينة عن الوعي بدورها التربوي بحيث لا يمكن أن يفكر سكان أحياء هذه المدينة في بناء المساجد دون خلفية تربوية ، لأن وجود هذه المؤسسات الدينية يعني وجود العناية بتربية الإنسان على أخلاق وقيم الإسلام ، ومن ثم وجود مخاوف من الانحراف عن هذه القيم والأخلاق . ومعلوم أن المساجد وبفضل إقامة الصلوات فيها يوميا إلى جانب خطب الجمع أسبوعيا ، ودروس الوعظ والإرشاد دوريا أو في مناسبات تحدث تأثيرات في نفوس الساكنة المجاورة لها مع اختلاف نسب ودرجات هذه التأثيرات . ولا شك أن غياب المساجد في بعض الأحياء في كثير من المدن المغربية يؤثر في نفسيات ساكنتها و في سلوكها بحيث يحول هذا الغياب دون الاحتكاك اليومي بهذه المؤسسات التربوية ، ومن ثم تفتر العلاقة بين القيم والأخلاق الإسلامية ، وبين الساكنة المحرومة من المساجد . ومعلوم أن التفكير في بناء المساجد ، وفي توفيرها بالنسبة لكل الأحياء كان بدافع تمكين سكان هذه الأحياء من حظهم من التربية على قيم وأخلاق الإسلام . ويمكن عن طريق دراسات ميدانية الوقوف على دور المساجد في تربية الناس على قيم وأخلاق الإسلام خصوصا إذا ما قورنت الأحياء المتوفرة على المساجد بتلك المحرومة منها . وإذا ما كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فإن وجود المساجد التي تقام فيها هذه الصلاة يعني ضمنيا محاربة الفحشاء والمنكر حيث توجد ، ذلك أنه يندر أن يقع التفكير في الفحشاء والمنكر مع ارتياد المساجد خمس مرات في اليوم ، ومع الاستماع لخطب الجمع أسبوعيا وللوعظ والإرشاد بشكل دوري أو حتى بشكل مناسباتي . والفحشاء والمنكر لا تقتصر على فعل مشين بعينه كما هو متعارف عند عامة الناس، بل هو كل معاملة تزيد عن الحد المطلوب شرعا . والذين يرتادون المساجد يوميا يفترض فيهم أن يخضعوا للضوابط الشرعية في كل معاملاتهم وإلا وجدوا أنفسهم أمام تناقض بحيث ينهلون من قيم وأخلاق الإسلام في المساجد ، ويتصرفون خارج هذه القيم والأخلاق في حياتهم اليومية . ومعلوم أن المساجد إنما تقوم بدورها على الوجه الأكمل عندما تكون تحت إشراف من يحرص على أداء دورها بشكل طبيعي، وعلى رأس هؤلاء خطيب الجمعة و الأمام الراتب والمؤذن ، ثم اللجان الساهرة على العناية بها . فإذا كان هؤلاء في مستوى تدبير شؤون بيوت الله عز وجل أدت هذه البيوت الدور التربوي المنوط بها ، أما إذا كانت دون المستوى ، فإن هذه البيوت ستتحول إلى مجرد بنايات لا طائل من ورائها . وإذا كانت بعض المساجد قد قيض لها الله عز وجل من يساهم في أداء دورها بشكل طبيعي من لجان وخطباء جمعة وأئمة ووعاظ ، فإن البعض الآخر قد ابتلي بأنماط من اللجان والخطباء والأئمة والوعاظ الذين يساهمون في تعطيل أدوار المساجد التربوية . وقد تنطلق ما يسمى لجان المساجد ،وهي مجموعات من السكان بدافع العاطفة الدينية لبناء المساجد ، فتبذل كل الجهود من أجل ذلك ، ولكنها مع مرور الأيام تنتقل من لجان تطوعية إلى لجان مستبدة بتسيير شؤون هذه المساجد تفرض وصايتها عليها ، وتتخطى أدوارها كلجان ، وتنصب نفسها مكان الجهات الرسمية الوصية عن الشأن الديني ، فتتدخل في انتقاء الخطباء والأئمة ، وتقنن للخطباء أوقات الخطب وحتى مواضيعها أحيانا ، وتنشب بينها وبين الخطباء والأئمة صراعات تنعكس على رواد المساجد سلبا . وقد تعمد هذه اللجان إلى خلق أحلاف وتكثلات داخل المساجد ، ويكون ذلك أحيانا بدافع العصبيات القبلية والمصلحية . وقد تنشب بين بعض أعضاء هذه اللجان الفضولية التي تحشر أنوفها في تدبير شؤون المساجد خلافات شخصية حادة ، فتستغل المساجد لذلك وتعمم هذه الصراعات ، وينقسم رواد المساجد بناء على ذلك إلى فئات وطوائف متناحرة ، وتندلع الخلافات بينهم ، وتضيع مهام المساجد التربوية بسبب ذلك . ولقد دأبت بعض هذه اللجان الفضولية على طرق أبواب المسؤولين عن الشأن الديني من أجل رفع شكاوى ضد الخطباء والأئمة ، والتي قد تكون في الغالب بسبب خلافات شخصية أساسها الأهواء ، ولكن هذه اللجان تحاول أن تقدم نفسها للمسؤولين كناطقة رسمية ووصية على رواد المساجد ، وقد تهدد وتتوعد بخلق المشاكل إذا لم تلب رغباتها بطرد أو توقيف من لا ترغب فيهم من خطباء وأئمة . وقد يساير المسؤولون أحيانا أهواء هذه اللجان الفضولية لمجرد أنها كانت وراء بناء المساجد أو لأنها تدفع أجر الأئمة والخطباء نيابة عن الوزارة الوصية . وقد يكون بعض المتسللين إلى هذه اللجان الفضولية من الذين أفنوا زهرة شبابهم في الانحراف الخلقي حتى إذا ما فاتهم قطار الشباب ودبت إليهم الشيخوخة وأنهكهم العجز، وفقدوا القدرة على العربدة والانحراف ، وجدوا في اللجان الفضولية المكلفة بالمساجد ملجأ لتمرير بقية خبثهم ومكرهم ، وهؤلاء أخطر العناصر على بيوت الله عز وجل حيث يحاولون شرعنة تكاسلهم في الدين وتعميمه في المساجد ، فلا يجوز أن يقرأ الإمام القرآن في الصلوات الخمس، ولا أن يخطب الخطيب خطب الجمعة ، ولا أن يعظ الواعظ إلا وفق ما يناسب كسل هؤلاء ، وهم أصلا أصحاب رقة في الدين ، لهذا يقيمون الدنيا ولا يقعدونها عندما يخالف الأئمة والخطباء والوعاظ أهواءهم في التكاسل . وعوض أن تقبل هذه العناصر على الاجتهاد في الدين كما كانت تجتهد في المعاصي ، فإنها تدخل في أشنع وأبشع المعاصي ، وهي محاربة المساجد من خلال اختلاق المشاكل مع الأئمة والخطباء والوعاظ لأسباب تافهة في الغالب تنحصر في الخلاف حول زمن الصلوات أو زمن الخطب والمواعظ. فعناصر اللجان الفضولية قد تجلس الساعات الطوال في المقاهي أو أمام شاشات التلفزيون أو في المنتزهات أو حتى على قارعة الطريق دون أن تشعر بالملل ، فإذا ما حانت أوقات الصلوات أو أوقات الخطب والمواعظ نجدها تعد الثواني والدقائق لأنها أصلا متبرمة من ارتياد المساجد بسبب ماضيها في الانحراف . ومما يزيد هذه العناصر حنقا على الخطباء والوعاظ أن هؤلاء يتناولون بين الحين والآخر هذه الانحرافات في خطبهم ومواعظهم ، ويذكرون بعواقبها الوخيمة في العاجل والآجل ،فيثير ذلك عليهم حنق المنحرفين الذين عافهم الانحراف ، ولم يتوبوا منه توبة نصوحا بل اضطروا لتركه بسبب تأخر أعمارهم مع بقاء أهواءهم معه ، ولهذا يجدون ذريعة في اتهام الخطباء والوعاظ بالتطويل في خطبهم ومواعظهم تمويها على كراهية سماعهم ما يكرهون من حديث يذكرهم بما كانوا عليه من سوء أعمال ، وما زالوا عليه من سوء نوايا. ولهذا تطالب عناصر اللجان الفضولية دائما بالتيسير والترغيب وتعارض الترهيب ، وتستعجل أوقات الصلوات والخطب والمواعظ لأنها لحظات شقاء وعذاب بالنسبة إليها لا يتحملها كسلها وتراخيها في الواجبات الدينية. ومن ذرائع هذه العناصر المتكاسلة والفضولية إبداء التخوف من نفور الناس من المساجد قياسا على كسلها ، وهي تريد في الحقيقة ظاهرة الغثائية في المساجد من خلال كثرة كاثرة لا فائدة ولا طائلة من ورائها ،لأن همها هو التنافس مع غيرها من اللجان في التباهي بالأشكال الهندسية للمساجد ، وبكثرة الرواد لا بحجم التربية والالتزام بأخلاق وقيم الإسلام . وهذه اللجان الفضولية المتسلطة على المساجد بلوى خطيرة ابتليت بها هذه المساجد خصوصا في مدينة الألفية ، وهو أمر يقتضي تدخل الجهات المسؤولة عن الشأن الديني لمنع ارتزاق هذه اللجان الفضولية بالمساجد من خلال استغلالها لتكريس الممارسة المنحرفة للتدين المغشوش ، الشيء الذي يفرغ الدين من دلالته ، فتصير كثرة المساجد عبارة عن غثائية على غرار غثائية رواد لا يستفيدون شيئا منها . فما معنى اعتبار نصف ساعة ـ وهو زمن حصة دراسية للأطفال في التعليم الأولي والابتدائي ـ من الوعظ يوم الجمعة تطويلا ؟ وما هي الجهة التي من صلاحيتها ومن سلطتها الاعتبارية البث في زمن خطب الجمعة والمواعظ ؟ أفلا يعتبر التشويش على خطب الجمع والمواعظ ،وعلى الصلوات الخمس بذريعة التطويل من طرف اللجان الفضولية المتكاسلة في الدين فعلا مقصودا بدوافع خبيثة ومبيتة من أجل تعطيل الدور التربوي للمساجد ؟ هذه أسئلة تطرح على أهل الشأن الديني ، وتقتضي لقاءات بين المسؤولين والأئمة والخطباء للفصل في قضايا زمن الصلوات وزمن الخطب والمواعظ وتقنينها على ضوء الشرع من أجل قطع الطريق على التقنينات الفضولية التي تستند إلى الأهواء . ونأمل أن تلتفت الجهات الوصية عن الشأن الديني إلى آفة تسلط اللجان الفضولية على المساجد والتي تسعى في خرابها

اللجان الفضولية التي تحشر أنوفها في تدبير شؤون المساجد غالبا ما تتسبب في تعطيل دورها
اللجان الفضولية التي تحشر أنوفها في تدبير شؤون المساجد غالبا ما تتسبب في تعطيل دورها

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz