الكل يتباكى على المغرب مع أن الجميع يساهم بقسطه في استفحال أزمته

46490 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 7 يونيو 2013، “الكل  يتباكى على المغرب مع أن الجميع يساهم بقسطه في استفحال أزمته”

من سحر البيان قول الشاعر :

إذا اختلطت دموع في جفون ///// تبين من بكى ممن تباكى

كثر البكاء في الآونة الأخيرة على المغرب ، ولا شك أن هذا البكاء يخالطه الكثير من التباكي . وما أكثر المتباكين مقارنة مع الباكين . وسبب البكاء والتباكي على حد سواء هو الأزمة التي يمر بها المغرب ، وهي أزمة متعددة الجوانب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية …. إلى غير ذلك من النعوت والصفات الممكنة في هذا البلد . والحقيقة أن المغرب لم تغادره أزماته المتتالية والمتعاقبة ، فمن أزمة فترة الاستعمار والاحتلال إلى أزمات فترة ما بعد الاستقلال حتى صار التأزم هو الميزة التي تميز هذا البلد . ولو أخضعت أزمة المغرب الحالية للتحليل الدقيق والعلمي والموضوعي لكشف النقاب عن طبيعتها المتمثلة في كونها بوتقة صهرت كل الأزمات السابقة من عهد الحماية الفرنسية إلى عهد الدستور الجديد . ومعلوم أن الأزمات لا تولد بشكل فجائي ، وليست لها طبيعة الطفرة بل تتوالد وتتناسل مع تراخي الزمن ، ولا تطفو على السطح إلا بعد استكمال عنفوانها . ولنأخذ الأزمة في بعدها السياسي كمثال لا نروم من ورائه الحصر لنسأل هل هذه الأزمة هي وليدة اليوم أو الساعة أم أنها عبارة عن إرث تاريخي ؟ إن الذين يحاولون اختزال الأزمة السياسية الحالية في تصدع الحكومة الحالية من خلال انسحاب طيف سياسي منها يبسطون الأزمة بشكل مثير للسخرية ، ذلك أن الأزمة السياسية في المغرب أعمق من توصيفها الحالي . فالمحتل الفرنسي رحل عسكريا عن المغرب ، ولكنه لم يرحل على عدة مستويات بحيث خلف وراءه من بني جلدتنا من يحمل فكره السياسي الاستعماري الذي لا زال موجودا لحد الساعة من خلال تجليات لا مجال لإنكارها . والأزمة السياسة عقب الاستقلال مباشرة كانت حادة حيث نشب صراع بين حملة الفكر الاستعماري من بين جلدتنا ، وبين المحتكرين للمقاومة والمستغلين لها من الذين رأوا أنهم أصحاب الأمر والحل والعقد باعتبار تبنيهم لفكر المقاومة التي أضفيت عليها صفة القداسة عوض صفة الواجب والفرض . ولقد سجل التاريخ ما كان من محاولات المنتسبين للمقاومة بعيد الاستقلال مباشرة من أجل الهيمنة على الحكم في المغرب ، وما كان من ردود فعل على تلك المحاولات ، والتي خلقت وضعا سياسيا يتسم بالتدافع السياسي والحزبي، بل والصراع أيضا من أجل الانفراد بالسلطة أو حتى اغتصابها . ومقابل الأحزاب المحتكرة للمقاومة والنضال تم صنع أحزاب محسوبة على النظام لتلعب دورا مركزيا في إحداث التوازن بين ما اعتبره كل طرف شرعية ، وهي شرعية إما مقتبسة من احتكار المقاومة ، أو مقتبسة من احتكار السلطة والحكم أو النظام . واستمر الصراع بين هاتين الشرعيتين طيلة فترة ما بعد الاستقلال ولا زال قائما وسيبقى كذلك رغبة في الأخذ بزمام الحكم. ولا يمكن أن يحيد هذا المعطى أو يغيب من الأزمة السياسية الحالية ، ولا يمكن أن يستثنى كعنصر يقدح جذوة الصراع السياسي الحالي. وبسبب الصراع بين الشرعيتين التقليديتين في نظر أصحابهما نشأت تيارات سياسية جديدة متنكرة لهاتين الشرعيتين معا ومقدمة نفسها كبديل. ومع تراخي الزمن أصبحت بعض هذه التيارات قوة سياسية منافسة تتوجس منها الشرعيتان . وأضفت هذه القوة السياسية صبغة جديدة على الصراع السياسي في المغرب حيث اقتضت مصالح الشرعيتين نوعا من زواج المصلحة بينهما من أجل التصدي للتيارات الجديدة التي تصدر عن خلفيات أخطرها في نظر أدعياء إرث المقاومة أو أدعياء النظام الخلفية الدينية التي باتت تمثل حبل النجاة بالنسبة لشعب تناوب على حكمه أحزاب النظام والأحزاب المنافسة لها على حد سواء ولم يخرج تناوبهما على حكمه هذا الوطن من أزماته المتناسلة حتى أدركه الربيع العربي الذي هد صروح حكم الأنظمة المستبدة وهي أنظمة جاءت بعد حكم أنظمة ارتزقت بإرث مقاومة المحتل الغربي وتم تجاوزها عن طريق انقلابات عسكرية جاءت بأعتى الأنظمة السياسية التي انتهى بعضها بحلول هذا الربيع العربي . والأزمة السياسية اليوم في المغرب هي خليط من صراع الأحزاب المستفيدة من ريع المقاومة أو الوطنية ، مع الأحزاب المستفيدة من ريع الولاء والإخلاص للنظام أو الوطنية أيضا . ولما دخل على الخط الحزب المستفيد من ريع الدين كما يعتقد خصومه اشتدت الأزمة السياسية في البلاد . ولقد فرضت صناديق الاقتراع على الأحزاب السياسية سواء أحزاب إرث المقاومة والنضال أو أحزاب الولاء للنظام نوعا من التكثلات من أجل مواجهة الحزب الحاصل على الأغلبية والمحسوب على الريع الديني. وهكذا تشكلت حكومة موزاييك ومعارضة موزاييك أيضا جمعت المتناقضات فاختلط ريع المقاومة والنضال بريع الولاء للنظام بالريع الديني وكانت النتيجة هي السير نحو المزيد من تأزيم الوضع السياسي في المغرب . وبسبب فوز الحزب المحسوب على الإسلام ظهرت تحالفات تخفي تحت جلبابها الصراعات والخلافات التقليدية ريثما يتم التخلص من المنافس الجديد الذي صار الحكم إليه ، وهو حلم كل الأطراف المتصارعة من أجله . ولهذا لا نستغرب انضمام أحزاب النظام إلى أحزاب النضال من أجل معارضة الحزب الديني ، ولا نستغرب أن تمارس أحزاب النضال المنخرطة في حكومة الحزب الديني نوعا جديدا وغريبا من المعارضة من أجل دعم معارضة أحزاب النظام وأحزاب النضال التي رفضت المشاركة في الحكومة . وبسبب هذه المعارضة الجديدة والغريبة التي تمارس من داخل الحكومة لا من خارجها انتهى الأمر إلى خروج الحزب المعلوم من الحكومة لأن ممارسته للمعارضة داخل الحكومة كان عبارة عن وضعية غير سليمة ولا منطقية . ولا يمكن اعتبار خروج هذا الحزب هو أصل أزمة سياسية حالية كانت أصلا قائمة منذ فترة الاستقلال بين أطراف ظلت تتنافس من أجل الحكم ، وقد انصهرت في ائتلافات مضطرة ومرغمة بسبب نتائج صناديق الاقتراع من أجل تحقيق حلمها . ومن نتائج التوجس من الحزب الديني حدوث تغييرات في قيادات بعض الأحزاب ، ثم بدأ التفكير في صهر أحزاب برمتها في شكل أقطاب من أجل بلوغ النصاب الذي يمكنها من مواجهة ما أصبح يسمى تنامي الأصولية على إثر نتائج الحزب ذي الأغلبية الانتخابية بسبب ظروف الربيع المغربي الذي هو جزء من الربيع العربي بلبوسه الخاص أو بنكهته الخاصة . ولم تقبل الأحزاب التي كانت في الحكم سابقا استمرار تجربة الحزب الديني بذريعة الخوف على مصير الوطن مع أن هذا المنطق لم تواجه به حين كانت تحكم هذا الوطن ، وكانت صانعة أزماته المختلفة . وهكذا يبدو منطق المتباكين على هذا الوطن ، و الذين يدعون الخوف على مصيره متهافتا ومكشوفا بسبب خلفياتهم الحزبية ، ورغبتهم في الحكم ليس غير . والمواطن المغربي العادي يقف محتارا من الخطاب الحزبي الحالي ، وهو خطاب الخوف على مصير الوطن والتخويف منه والتباكي عليه. وكان من المفروض أن تمهل الحكومة الحالية مهلتها القانونية كما أمهل من كان قبلها من أحزاب في الحكم دون خوف على الوطن أو تخويف ثم العودة إلى مربع اللعبة الانتخابية من جديد كما هو الشأن في الدول المخترعة لهذه اللعبة ، والتي تحترم قواعدها خلاف ما نحن عليه من عدم احترام هذه القواعد بالرغم من أننا نقيم الدنيا ولا نقعدها نظريا عندما نتحدث عن هذه اللعبة التي صارت مجرد حلم صبياني عندنا أو لعبة صغار أما لعبة الكبار الحقيقية . ولن نخرج أبدا من الأزمة السياسة التي تؤطر باقي الأزمات إلا باللعب على طريقة الكبار الذين اخترعوا اللعبة وأتقنوا قواعدها . ولا يمكن أن تكون التجمعات الحزبية من أجل خلق أقطاب على غرار الأمم ذات التجارب الديمقراطية العريقة كما يقال ذات جدوى إذا كان الهدف من هذه الأقطاب هو مجرد استئصال شريك من الشركاء أفرزه الربيع الذي هو إرادة الشعب .

الكل  يتباكى على المغرب مع أن الجميع يساهم بقسطه في استفحال أزمته
الكل يتباكى على المغرب مع أن الجميع يساهم بقسطه في استفحال أزمته

اترك تعليق

1 تعليق على "الكل يتباكى على المغرب مع أن الجميع يساهم بقسطه في استفحال أزمته"

نبّهني عن
avatar
مصطفى
ضيف

شركي يستعمل كلمة الجميع بمعنى هو اولهم

‫wpDiscuz