القروض السريعة، أو الموت البطيء ؟!./الرباط: فاطمة بوبكري

78646 مشاهدة
الرباط /فاطمة بوبكري: أي موت هذا الذي صار يتهدد سكينة واستقرارا لمواطنين! ، ويرهن مصيرهم المادي والاجتماعي في قبضته الحديدية مستغلا أزماتهم المادية، وارتفاع الأسعار ونهم متطلبات الحياة اليومية، التي أصبح كل شيء فيها ضروريا ولا غنى عنه؟!حتى تلك التي صنفت إلى عهد قريب في خانة الكماليات صارت اليوم بديهية الحضور والاستعمال!، والحالة هته يعجزا لمواطنون على تلبية جميع متطلبات أسرهم مهما كان حجم الأجر الشهري الذي يتقاضونه، فما بالنا والضعفاء الأجراء وذوو الدخل المحدود؟!إنه شبح القروض الذي طوقنا وأحكم قبضته علينا وجعلنا بين النارين والحلين الذين أحلاهما مر؟، فبزمن ليس بالبعيد ظلت القروض عموما حلا لابد يل عنه يلجأ إليه الفرد إما للخروج من ضائقة مالية أولاقتناء أشياء بعينها كالسيارة أو قطعة أرضية أو منزل للعيش والاستقرار،وأحيانا أخرى لغرض التطبيب بإجراء عمليات دقيقة ومكلفة تستدعي الهرولة نحو الشركات والأبناك لإنقاذ الأمر …، أما وفي وقتنا الحالي فالأمور تغيرت وصارت السلفة أو “لكريدي” بابا لابذيل عن طرقه وإن بدا الأمر في أوله حلوا فإن آخره حنظل!، فترى مغريات القروض البنكية تلاحقنا أينما حللنا وارتحلنا، في الأزقة والشوارع ،على شاشات التلفاز، ومحطات الإذاعة،بل داخل بيوتنا ومقرات عملنا!؟ فكدنا لانملك قدرة المقاومة،بعدما تزايدت متطلباتنا وكثرت مصاريفنا واحتياجاتنا، قد يكابر البعض منا في الاستغناء عنه، والاكتفاء ببعض الاجتهادات والعادات التي ينهجها مجموعة من الموظفين والأجراء فيما يسمى عندنا ب”دارت” ، حيث يجتمع عدد من الأشخاص بدعوة من الشخص الأكثر احتياجا للمال، فيتفقون على مبلغ معين خلال مدة معينة وعلى رأس كل شهر يأخذ القسط المادي المجموع أحد أعضاء الجمعية وغالبا مايكون ترتيب الشخص الذي دعا لها في المقدمة.
ورغم أن أسلوب ” دارت” حل أمثل لأنه بلا فوائد، فإن حجم انتشاره قياسا بالقروض لايزال ضئيلا بالمجتمع المغربي الذي يعتمد بشكل كبير على القروض ليس فقط لتوفير أضحية العيد،إنما كافة الاحتياجات.فبتوالي المناسبات والأعياد الدينية، الدخول المدرسي وما أدراك والدخول المدرسي وما يقتضيه من لوازم وتوابع ، ألبسة جديدة أدوات مدرسية، بلوائحها الطويلة والممتدة تربك الحسابات وتحير الآباء تضع الموظف مضطرا إلى القروض ، بعدما التفت يمنة ويسرة صوب كل معارفه وخلانه عله يجد من يقدم له الحل الفرج أ ويدينه بعض المال ، لكن فاقد الشيء لايعطيه، والحال نفسها يتجرع من مرارتها الجميع ولعل عيونهم وتقاسيم وجوههم أبلغ أنباء من الصحف، ،وما يكاد يستفيق الآباء من هته المصاريف حتى يداهم الشهرالفضيل الأجواء، وبما أن ثقافة الاستهلاك هي الطاغية في مجتمعنا، فإن وتيرة المصاريف تزداد اشتعالا، لتتوالى المناسبات والأعياد وتعاد الأسطوانة نفسها…وفي خضم هذا الجو المشحون بفتنة الأسعار ولهيبها ، تلعب القروض دور الضفادع التي تصطاد في المياه العكرة، حيث تغزو اللوحات الاشهارية المشجعة على الاقتراض جل شوارع المدن المغربية، خاصة المدن الكبرى كونها تغص بأعداد كبيرة من الموظفين والمستخدمين، تلك اللوحات التي لم تقتصر فقط على اقتناء السيارات، ومحفظة الدراسة، وتكاليف الاصطياف والاستجمام بل لتشمل أيضا خروف العيد وشقة الزوجية.مظاهر الجشع وغموض العقود البنكية.من المؤسف جدا أن موضوع هته الإشهارات يبقى غير موضوعي، وينطوي على الكثير من المعطيات الكاذبة في ظل غياب قانون لحماية المستهلك يقي هذا الأخير من جشع هذه المؤسسات التي يبقى همها الوحيد هو تحقيق الربح بغض النظر عن الأساليب المتبعة في ذلك،وقد اعتبر الأستاذ محمد بنقدور رئيس جمعية حماية المستهلك أن القروض تبقى ضرورة بالنسبة للناس الذين لهم ظروف خاصة كالمرض أو الحاجة الماسة لأمر ما وتبقى تلك القروض حلا مرحليا للمشكل يجعل المواطن متبوعا بهذه القروض لمدة سنوات،كون هته الأخيرة تتسم بنسبة فائدة جد مرتفعة تتراوح ما بين 16 إلى 20 بالمائة، لتصل درجة التراكم والزائد الذي يسجل على الدائنين مستقبلا وهذا مايؤكد ما يسمى ب”الاستدانة المفرطة”وهذه ظاهرة مرت منها الدول الأوربية التي قطعت مراحل متقدمة في هذا المجال ، والمغرب الآن سائر في هذا الاتجاه،الشيء الذي ينتج عنه انعكاسات في المستقبل، فبالنسبة للعقد الذي بموجبه يحصل المواطن على القرض مع الأسف الشديد، القانون الذي يضبط العلاقة بين المنتج والمستهلك فيها هو قانون “العقود والالتزامات”، فبمجرد الإمضاء على هذا العقد فهذا يعني الموافقة على جميع البنود الموجودة فيه رغم كونها تعسفية وفي غير صالح المستهلك،إلا أن غياب قانون المستهلك سمح بهذه الفوضى وتلك البنود التعسفية، وجعل المحاكم تحكم لصالح الشركات والأبناك لأن لها خبراؤها ومختصوها وسيحاولون جهدهم الإبقاء على مصالحها، وبالتالي يشكلون الطرف القوي في تلك العقدة أما المستهلك فيمثل الجانب الضعيف، ومن هنا تجب ضرورة الإسراع بإصدار قانون المستهلك.هذا، ويعتبر مجال القروض بالمغرب من المجالات الضعيفة التقنين باستثناء بعض الدوريات والقرارات، التي تصب كلها في تعيين الحد الأقصى للفوائد التعاقدية لمؤسسات الائتمان، ـ أ ي شركات القرض والبنوك ـوظهير العقود والالتزامات ـ الفصول من 870 إلى 878 منه ـ الذي يعتبر المرجع الأساسي في هذا المجال ويشترط الفصل 871 من هذا الظهير، أن يتم القرض بفائدة عبر عقد مكتوب ، ولذلك فإن السند الرئيسي للقرض هو ذلك العقد الموقع بين المؤسسة المقرضة والمقترض، وهو مصاغ بتعابير احترافية من طرف المؤسسات المانحة للقرض التي تحرص من خلاله على ضمان كل حقوقها وتضمينه العديد من البنود المجحفة والتعسفية التي تجعل المستهلك تحت رحمتها وتصرفها ، ذلك أن معظم المؤسسات القارضة لاتسلم نسخا من هذه العقود للمقترضين وفي أحسن الأحوال ، لاتمكن المقترض إلا من ملخصات لهذه العقود، تحت يافطة الشروط العامة للقرض الشخصي ، فيما أغلب المقترضين لايطالبون بنسخ من هذه العقود، أو حتى مجرد الاطلاع عليها قبل توقيعها.ومن جملة الأمثلة للشروط التعسفية التي تتضمنها العقود، هناك شرط تحديد محكمة مختصة من طرف شركة التمويل، بعيدة عن محل إقامة المقترض في حالة نشوب خلاف حول تنفيذ العقد، كما تشترط الجهة المقرضة توقيع المستهلك على إعلان علمه بشروط العقد بالرغم من عدم تمكينه من الاطلاع عليها، هذا مع وجوب التقدم بطلب كتابي إلى الجهة المقرضة، إذا مارغب المقترض في الأداء المسبق للدين، وطلب قرض آخر إذا ما رغب المقترض في تجميع قروضه أو إعادة جدولتها!.فيما تتجدد كلفة القرض بصفة أساسية من خلال معدل الفائدة والفترة الزمنية لتسديد القرض، فكلما ارتفع معدل الفائدة وطالت مدة تسديد القرض كلما ارتفعت كلفة القرض، زيادة على ذلك هناك مصاريف تخصم مباشرة من المبلغ المقترض ومنها مصاريف الملف ومصاريف التأمين عن الوفاة والعجز وحقوق التنبر، وكل هذه العناصر يجب أخذها بعين الاعتبار لتحديد الكلفة الحقيقية للقرض، كما تسمح للراغب في الاقتراض بالقيام بمقارنة فيما بين القروض المقدمة من طرف مختلف المؤسسات المقرضة ويوصي بالقيام بهذه العملية قبل الإقدام على الاقتراض.تحذيرات المحللين الاقتصاديين.من جهتها لم تبرح تحذيرات كثيرة أطلقها عدد من المحللين من عواقب زيادة القروض المقدمة من البنوك وشركات التمويل للفئات المتوسطة ومحدودة الدخل في المغرب، خلال الأعوام الأخيرة تخوفا من عدم القدرة على السداد، خاصة في ظل شبح التضخم الذي بدأ يخيم على المغرب واضطرار البنك المركزي إلى رفع الفائدة.وفي ظل غياب العدد الكافي لجمعيات حماية المستهلك، انتقد المحللون باستمرار تشجيع البنوك لعملائها على الاقتراض دون توعيتهم بالمخاطر والعواقب،ففي أحيان كثيرة يفاجئ عدد كبير من الموظفين باقتطاعات من رواتبهم لصالح شركات القروض، وحينما يستفسرون عن الأمر يجدوا أن ثمة أوراقا قامت على أساسها جهة العمل باقتطاعات الرواتب، وعندما يقوم الموظفون بالتشكيك في صحة هذه الأوراق تطلب منهم جهة عملهم اللجوء إلى القضاء واستصدار حكم للبراءة من هذا القرض الذي سيظل يدفعون أقساطه من رواتبهم لحين استصدار قرار من المحكمة لصالحهم.إن شركات القروض لم تكن لتجد مجالا خصبا للانتشار،لولا المناخ العام المشحون بالمتطلبات، والعادات المغربية التي وصلت درجة التباهي والزهو، وفي ظل انعدام القانون الخاص بحماية المستهلك، يبقى المواطن يتجرع مرارة وتبعات القروض التي قد توصله إلى ما لا يحمد عقباه،إنه بالفعل الموت البطيء للقروض اللعينة.
القروض السريعة، أو الموت البطيء
القروض السريعة، أو الموت البطيء

عقوبة عدم تسديد القرض في المغرب, عقوبة عدم تسديد القرض في المغرب 2016

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz