الفَسْبَكة السياسية وحرب المعلومات

9982 مشاهدة

هشام فهمي / وجدة البوابة : وجدة 24 نونبر 2011،

كلما فتحنا نافذة على الإنترنت نحسّ بأننا لصوص صغار يتربّصون خلف العالم. نرقب عبر هذا الثقب، الذي يتوسّع يوما بعد يوم، ما يفعله أصدقاؤنا وجيراننا في القارات المجاورة. لم نكن لنتصوّر أن رسائلنا، التي كان يحملها ساعي البريد في حقيبته المثقلة، وتنتظر أياما كي تصل، وتحتاج إلى طوابع وأختام إدارية، يمكن اليوم أن تتكفّل بها رقنة خفيفة واحدة، وانتهى الأمر.

علاقتنا بالزمن تبدّلت، فالمستقبل الذي يحلم به روائيو الخيال العلمي، أصبحنا نعيشه لحظة قراءة هذه السطور. نحن شبكة مخبّلة من الكابلات، كسرت كل الحدود الترابية، التي نشحذ الهمم للذود عنها، ونخوّن كل من يشكّك في خرائطها الرسمية. هل بهذا المعنى، انتهى المفهوم الكلاسيكي “للوطن”، وأصبح أضيق من خيالنا الواسع؟ كنا إلى وقت قريب نصدّر الطماطم والفوسفاط والبرتقال، أما اليوم فأفكارنا تجد لها أسواقا مفتوحة بكل اللغات على منصات الإنترنت. ثمة من يُصدّر تعاساته إلى أصدقائه الافتراضيين، أو يتشارك معهم انشغالاته اليومية التي قد لا تعني أحدا، فأنت عندما تفتح موقعا فكأنما تُنشئ شركة لاستيراد وتصدير الأفكار السوداء والأحاسيس. ماذا يجمعنا مع كل المرتبطين على الخطّ في الهند والسند؟ الهموم البشرية والوجودية واحدة، وهذا ما نكتشفه ونحن نُعمّق تشبُّكنا الافتراضي واللانهائي بالآخرين. إنك تشبه تماما هولنديا يفتح حسابا على الفايسبوك ليرمي شباكه لاصطياد الأرواح الناعمة والفاتنة، لذلك فهو شبكة صيد رقمي تعوّض الصيد في أعالي البحار. أعتقد أنه لا علاقة لعولمة الاقتصاد بعولمة المشاعر. فمشاعرنا مُعولمة منذ أحسّ الإنسان بأنه كائن كوني يخاطب البشرية عبر التعاليم الإلهية وكتب الأدب. لكننا بكل تأكيد، سنواجه نوعا من توحيد المعايير يرتبط بثقافة الاستهلاك الرأسمالية، حينما يصبح الجوع رديفا لالتهام “بيغ ماك” ضخم بثلاث طبقات، فتحسّ بعد ساعة بأن معدتك تثرثر بلغة غامضة وتطلب المزيد.

أصبحنا مدمنين على الاشتباك بالشبكة. يوميا نفتح صفحة الفايسبوك لنطلّ على جديد الأقرباء والأصدقاء. إنه نوع من التطفّل الجماعي كرّسته طبيعة الشبكات الاجتماعية التي همّها الوحيد أن نلتقي جميعا في أغورا مترامية الأطراف. كل ألوان الطيف من البشر تجدهم محتشدين خلف الشاشات.

كنت من المتتبعين عن كثب لحركة الفسْبَكة بالمغرب والعالم العربي منذ بداياتها، بأنواعها السياسية والثقافية والاجتماعية وحتى الترفيهية، حيث بدأت تتشكّل نخبة الالكترونية جديدة من الشباب أسست لثقافة جماهيرية تتركز على قوة الشبكات في الانتشار. في البداية لا أحد كان يفهم ما سيؤول إليه انخراط الأفراد في مجموعات، فأي شخص يفتح صفحة جديدة يبحث عن أصدقاء من محيطه، بعدها يكتشف أصدقاء الآخرين، فينتبه أن صديق صديقه مرح ويعرض صورا حميمية مثيرة أو أن تعليقاته فيها الكثير من الموهبة فيطلب صداقته لتتوسّع رقعة الصداقة الافتراضية، وتتحوّل إلى بحث عن الأشباه الذين نتقاسم معهم نفس والأفكار، وأحيانا نرتبط بالمخالفين لأفكارنا ومعتقداتنا بدافع الفضول. ثمة مجموعات تتأسس على الفايسبوك تشبه غيتوهات فكرية تتأسس على فكر الثقافة المضادة، هذا ما جعل الكثيرين من الشباب يقتنعون بأفكارها الثورية وينزلون من منصات الشبكات الاجتماعية إلى ميادين التحرير الواقعية. لقد أصبحت الشابكة مثار قلق للسلطات، فقد كتبت جريدة الغارديان أن أمريكا بدأت حربها ضد الشبكات، وهو ما تسمّيه بحرب المعلومات Infowar، وأعلن الجيش الأمريكي عن مناقصة للحصول على برنامج يشنّ حربا على مستعملي الشبكات. البرنامج المفتوح يسمح لموظف واحد بالتحكم في العشرات من حسابات المنخرطين على الفايسبوك وتويتر وماي سبيس وبمختلف اللغات، ثمة مركز سري يضم مراقبين يسمونهم ” أمناء مكتبة النينجا”، ويُستكمل عملهم في مكاتب السفارات الأمريكية التي تقوم بتحليل المعطيات وترسلها إلى فريق خاص بمكتب الرئيس الأمريكي،الذي اعتمد طبعا هذه التكنولوجيا الجديدة في حملته الانتخابية. رغم أن هذا قد يصيبنا ببارانويا تجاه الأنترنت، لكن الحرب المضادة مفتوحة نرى تجلياتها مع ويكيليكس والثوار الأنينوموس، أما أنا فسأكتفي بالتفرّج على حرب المستقبل عبر شاشة 17 بوصة.

الفَسْبَكة السياسية وحرب المعلومات
الفَسْبَكة السياسية وحرب المعلومات

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz