الفرق بين الرياضيات الكلاسيكية والرياضيات الحديثة ( ابتداء من منتصف القرن 19 )/ وجدة: أحمد أولاليت

160656 مشاهدة

وجدة: أحمد أولاليت/ وجدة البوابة: وجدة في 09 يونيو 2014، الفرق بين الرياضيات الكلاسيكية و الرياضيات الحديثة ( ابتداء من منتصف القرن 19 )

يقول الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه (تطور الفكر الرياضي و العقلانية المعاصرة ) : يقال عادة : يتميز علم ما من العلوم ,عن بقية العلوم , بموضوعه و منهاجه , وأن طبيعة الموضوع تحدد طبيعة المنهاج ,وهذا صحيح بكيفية عامة ,و لكنه غير صحيح صحة مطلقة . و اذا شئنا النظر إلى تطور الرياضيات من هذه الزاوية أمكننا القول : كانت الرياضيات الكلاسيكية تتميز ب (( التميز)) بين الموضوع و المنهاج , و إن الرياضيات الحديثة تتميز , عن الرياضيات الكلاسيكية , و عن بقية العلوم بدمج الموضوع في المنهاج , و المنهاج في الموضوع .

موضوع الرياضيات في الفكر الرياضي الكلاسيكي هو : ((المقادير القابلة للقياس )) , أي المقادير الكمية التي تصنف صنفين : كم منفصل (الحساب ) و كم متصل ( الهندسة ). و كلاهما – في التصور الفلسفي الكلاسيكي – يرجع إلى معطيات أولية ,أي إلى أفكار فطرية تشكل (( المحتوى )) الخاص بالعقل .

و المنهاج الرياضي – في الفكر الرياضي الكلاسيكي دوما – كان يقوم ,( نظرا لطبيعة الموضوع ) على الحدس و الاستنتاج: حدس ((الحقائق البديعة )) و ((الافكار الفطرية )) و استنتاج حقائق جديدة من تلك .الحدس يمد الرياضيات بعنصر الخصوبة , و الاستنتاج يمنحها التماسك المنطقي .

ظلت الرياضبات على هذا الشكل – و معها التفكير الفلسفي العقلاني كله – إلى أن أدى نموها الداخلي إلى قيام (( أزمة الأسس )) , و هي في الحقيقة و الواقع أزمة نمو ,أزمة تحقيق الوحدة العضوية للرياضيات : وحدة الموضوع , و وحدة المنهاج : رد الكم المتصل إلى الكم المنفصل , و الإستغناء بالإستنتاج عن الحدس .

لكن هذا النزوع نحو الوحدة سرعان ما اصطدم بعقبات خطيرة :– فمن جهة أدى التطور بالرياضيات إلى تجاوز ما يقبل القياس إلى ما لا يقبله و أصبحت تدرس الكم و الكيف معا , فتعددت بذلك فروع الرياضيات , و أصبح التعدد بهذه الوحدة , و الإنفكاك يطغى على التماسك .فتعددت أنواع (( الكائنات )) الرياضية , منها ما يمكن أن يوجد له مقابل في الواقع ,ومنها ما هو نسج الخيال المحض .

– و من جهة أخرى ساد الجبر على الهندسة و طغى المنطق على الجبر و أصبحت الرياضيات مهددة بالعقم . إن المنطق ,( كما يشيده أرسطو ) يقوم على القياس . و القياس الأرسطي , كما لاحظ الفلاسفة مند قرون , قياس أو استدلال غير منتج لأن النتيجة متضمنة في المقدمات . فهل ستقبل الرياضيات التي امتازت دوما بالخصوبة , بهذا المصير الذي يجعل منها مجرد عبارات تكرارية أو (( تحصيل حاصل )) ؟

*****************كانت (( أزمة النمو )) في بدايتها , مع بداية هذا القرن ( 19 ) . و تلك ( في الحقيقة ) البداية المكتملة للرياضيات الحديثة التي بلغت الآن مرحلة النضج …مرحلة تحققت فيها الوحدة العضوية بين الموضوع و المنهاج ,بين الأصول و الفروع …و مع قيام الرياضيات الحديثة بدأت إرهاصات لعقلانية جديدة تختلف عن العقلانية الكلاسيكية اختلاف الرياضيات المعاصرة عن الرياضيات القديمة .لم تعد الرياضيات تدرس ما يسمى ب (( الكائنات )) الرياضية . لقد اتضح الآن للرياضيين أن (( الكائن )) الرياضي (( شيء )) لا وجود له . و بالتالي أصبح الحديث عن (( أزمة الأسس )) نوعا من اللغو …لقد تبين أن مشكلة الأسس مشكلة زائفة لأن البحث عن الأسس بالمعنى التقليدي للكلمة معناه البحث عن (( محتوى )) عقلي ثابت!لم يعد موضوع الرياضيات هو تلك (( الحقائق البديهية )) التي جعلت منها العقلانية الكلاسيكية مرتكزا , و ((عملتها الصعبة )) , أن موضوع الرياضيات هو العلاقات , و بكلمة أدق ( البنيات ) … و بالتحول من (( الكائنات )) إلى البنيات صار واضحا أن فروع الرياضيات ليست فروعا مستقلة , و إنما هي أشكال من البنيات تجمعها خصائص جوهرية مشتركة .-و لم يعد المنهاج الرياضي منهاجا حدسيا أو استنتاجيا بالمعنى القديم لكلمة ( استنتاج ) بل أصبح عبارة عن جملة من الإجراءات و التحويلات تجري على تلك البنيات …لم يعد الإستنتاج عبارة عن الكشف عما هو متضمن في المقدمات . بل هو جملة إجراءات تجري على معطى ما لإستخلاص الجديد منه . فليست المسألة مسألة تحصيل حاصل … أو مجرد تكرار …بل هي ( تحصيل حاصل جديد ) من ( حاصل قديم ) إذا صح التعبير .نعم بقيت العلاقة بين المنطق و الرياضيات وطيدة جدا …و لكن لا بالمعنى الذي فهمت به هذه العلاقة في أوائل هذا القرن ( القرن 19 ) لم تعد الرياضيات ترتد إلى المنطق , و إنما ( أصبح المنطق مجرد لغة يستعملها الرياضيون , تماما مثلما يستعمل الناس لغة من اللغات قبل أن تصاغ قواعدها النحوية ) و بذلك حلت مشكلة الصراع بين المنطق و الرياضيات . لقد امتصت الرياضيات المنطق؛ منطق الفلاسفة , و أصبح المنطق – إن لم يكن كله فجله – ( نظرية في البنيات المنطقية ) أي نظرية في بعض البنيات الجبرية .و هكذا , فبواسطة البنيات الأولية حققت الرياضيات وحدتها : وحدة الموضوع و وحدة المنهاج و وحدة الموضوع و المنهاج معا , لقد تمكنت أخيرا من تحقيق وحدة الفكر و صياغة لغة مشتركة لمختلف البنيات : إنه مظهر من مظاهر التقدم الرائع الذي حققه الفكر البشري في هذا القرن .و مع التحول من ( الكائنات ) إلى البنيات, و بامتصاص الرياضيات للمنطق , أصبحت الفلسفة الرياضية من اختصاص الرياضيين أنفسهم . إنه تحول سد النوافذ في وجه الفيلسوف . و أصبح صعبا عليه الإطلالة على ما يجري في المحراب الرياضي إلا إذا دخل البيوت من أبوابها ؛ إلا إذا تحول هو نفسه إلى عالم رياضي .ومع ذلك بل بسبب من ذلك , أخذ الفكر الفلسفي يلتمس الحل لكثير من مشاكله القديمة بفضل منجزات الفكر العلمي … ..و أصبح أمام نظرية في المعرفة جديدة و علمية تحققت فيها – أو تكاد – وحدة الرؤية .فالتقت نتائج التقدم الرياضي مع نتائج التقدم في ميادين أخرى , كالفيزياء و علم النفس و علم الإجتماع ….و أصبح التأويل الذي يعطيه الرياضي لمشكل المعرفة قريبا جدا من ذلك الذي يقدمه العالم الفيزيائي , و العالم السيكولوجي …و بذلك أخذت تتحقق , بشكل أعمق و أشمل وحدة الفكر البشري المبدع الخلاق .ملاحظةوإذا كنا اليوم نكتب الرياضيات بلغة الرموز ..فإن ذلك مر بمراحل كثيرة حتى استقرت هذه اللغة على ما نراه و نعرفه اليوم بدءا بالأرقام السومرية و الفرعونية و اليونانية و الرومانية .. ..فكانت الطفرة الثانية مع العلماء العرب المسلمين ؛حيث قسمت الرياضيات ؛إلى جبر و هندسة …و ظهرت أرقام جديدة في بغداد و مدن الشرق تسمى اليوم بالأرقام الهندية ( لو رجعنا الى الأرقام الهندية القديمة وقارناها بما يعرف اليوم بالأرقام الهندية لوجدنا فرقا كبيرا جدا .. وهذا ليس موضوعنا اليوم ) كما ظهرت بقرطبة و إشبيلية و فاس و مراكش …الأعداد المنبنية على عدد الزوايا و هي المعروفة اليوم بالأعداد العربية … و وضع الصفر .و لما جاء عصر النهضة الأوروبية بدأ تجميع العلوم و ترجمتها الى اللاتينية و اللهجات الأوروبية المحلية و بدأت لغة الرموز المختصرة تدخل العلوم ( على رأسها الرياضيات ) فنرى عالم الرياضيات جون ويدمان يستعمل إشارتي زائد (+) و ناقص ( – ) سنة 1489 بدلا من كتابتها بالحروف كما جرت العادة من قبل .ثم أدخل العالم روبرت ركورد إشارة ( = ) في الرياضيات سنة 1557 معتقدا أنه لا يوجد شيء يمكن أن يكون أكثر مساواة من زوج من الخطوط المتوازية . و يدخل طوماس هاريوت ( 1560 – 1621 ) علامة أكبر من (< ) و علامة أصغر من (>) ………حتى صارت الرياضيات هي لغة الرموز بامتياز .

وجدة:  أولاليت أحمدوجدة في 9 يونيو حزيران 2014

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz