الــــدرس اللـــغـــوي فــــي مــنــهـــاج اللـــغـــة الــعــربــيـــة بـالتـعـليـم الـثـانـوي الإعـــدادي والـتــأهـــيـــلـــي/ وجدة: محمد شركي‎

437311 مشاهدة

الــــدرس اللـــغـــوي البوابة: الدرس اللغوي في منهاج اللغة العربية بالتعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي

إعــــداد : محمد شركي مفتش اللغة العربية بالتعليم الثانوي نيابة جرادة أكاديمية الجهة الشرقية

تـمـهـيـــد : من المعلوم أن تعليم وتعلم اللغات يقوم على أساس ضبط قواعدها والتمكن منها ، وكل مناهج اللغات في كل المنظومات التربوية  تتضمن برامج ومقررات لدروس اللغة الصريحة والضمنية ،أما الدروس اللغوية الصريحة فهي تلك المعلن عنها حسب أسلاك ومستويات التعليم ، وخلاف ذلك الدروس اللغوية الضمنية التي لا يصرح بها في البرامج والمقررات بالرغم من استضمار النصوص المختلفة لها ، وهي دروس ضمنية يمارسها المتعلمون دون وعي بها أو لنقل دون استحضار ضوابطها كما هو الشأن في دروس اللغة الصريحة .

وتتنوع برامج ومقررات دروس اللغة العربية في المنهاج المعتمد في بلادنا، فهي دروس في المورفولوجيا والتركيب والأساليب والبلاغة والإيقاع ، ويطبع هذه البرامج والمقررات التدرج  والتكرار من مستوى إلى  آخر عبر أسلاك التعليم.

ولقد تم إعداد هذه البرامج والمقررات على أساس تعليمي تقليدي حيث تعتمد القواعد اللغوية المورفوتركيبية المنظومة في ألفية ابن مالك . وقد تتعاقب المباحث اللغوية في البرامج والمقررات الدراسية على غرار تعاقبها في متن الألفية التي هي المرجع والمصدر الأساس .

وبالرجوع إلى هذه البرامج والمقررات من أول سنة في السلك الابتدائي إلى آخر سنة في السلك الثانوي التأهيلي نستطيع أن نقيس مدى تمكن المتعلم المغربي من لغته الأم باعتبار ما يحصله  من زاد لغوي في الدرس اللغوي الصريح ،علما بأن هذا الأخير ليس الدرس الوحيد الذي يستفيد منه ، بل يوازيه درس لغوي ضمني له أثره البالغ في تعلم اللغة العربية .

1) الدرس اللغوي الصريح في السلك الابتدائي .

عند تصفح برامج ومقررات الدرس اللغوي الصريح في منهاج اللغة العربية بالسلك الابتدائي نلاحظ التركيز على المباحث اللغوية المورفوتركيبية والأسلوبية  والطباعية ، ذلك أنه ابتداء من السنة الأولى من هذا السلك يتعرف المتعلم على الحروف ، و الجمل الفعلية والاسمية ، وعلى تصريف الأفعال ، والإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث في الأسماء ، ويعرف ثلاثة أفعال ناسخة والنعت والعطف وأسلوب الاستفهام . ومع توالي مستويات هذا السلك يزداد اطلاع المتعلم على المزيد من المباحث اللغوية صرفا ونحوا وأسلوبا وإملاءا . وكلما انتقل الى مستوى أعلى ازداد تعمقا فيها .ويتواصل تعامله مع الجمل الفعلية  والاسمية ، ومع لزوم وتعدي الأفعال ، و النواسخ الفعلية والحرفية ، ومع التجريد والزيادة في الأفعال ،ومع الإفراد والتثنية والجمع في الأسماء ، ومع الضمائر المنفصلة والمتصلة ، ومع المصادر الثلاثية وغير الثلاثية، ومع بعض أنواع المفاعيل المطلق منها ولأجله ، ومع البناء والإعراب في الأسماء والأفعال وبناء هذه الأخيرة للمعلوم والمجهول ،ومع جوازمها ونواصبها ، ومع أسماء الفاعل والمفعول وأسماء الصلة والإشارة والنعوت والأحوال والإضافة ، ومع رسم التاء المبسوطة والمقبوضة ،والهمزة المتوسطة والمتطرفة، والألف اللينة في الأفعال والأسماء والحروف . وفي نهاية السنة السادسة والأخيرة من هذا السلك ، وهي سنة الانتقال الى السلك الثانوي الاعدادي يتضمن مقررها وبرنامجها في الدرس اللغوي الصريح معظم المباحث اللغوية في السنوات السابقة مع زيادة طفيفة حيث يظل المتعلم مع ظاهرة اللزوم والتعدي والصحة والعلة والتجريد  والزيادة والبناء للمعلوم والمجهول في الأفعال ، ومع بعض المفاعيل المطلق منها ولأجله ،ومع الأحوال البدل والتوكيد والتمييز والاستثناء والتفضيل والنداء .

وحين نعرض ما  يتلقاه المتعلم في هذا السلك من دروس لغوية صريحة على المرجع أو المصدر المعتمد وهو القواعد المنظومة في ألفية ابن مالك نجدها تغطي ما يقارب نسبة 25٪ من مباحث المنظومة أي ما يقارب ثلثها ،وهو رصيد لا يستهان به إذا ما صحت طرق ومقاربات تقديمه للمتعلمين في هذا السلك .

وفي المقابل لا نستطيع تحديد نسبة الدروس اللغوية الضمنية التي تحفل بها النصوص المتنوعة النثرية والشعرية التي يحتك بها المتعلمون في هذا السلك ،وهي دروس تتداخل مع الدروس الصريحة وتتقاطع معها ، وكثيرا ما تتكرر عبارة مشهورة على ألسنة المدرسين  وهي : ” هذه ظاهرة لغوية ستعرفونها فيما بعد ” ،وهو ما يمكن أن نسميه الدرس اللغوي الموعود الذي قد يتحقق وقد لا يتحقق .

والغالب على مباحث الدرس اللغوي الصريح في منهاج اللغة العربية بالسلك الابتدائي أن قواعدها الضابطة لا تتعدى التعريفات والحدود والأنواع والأقسام دون التعرض للوظائف إلا في حالات نادرة نظرا لمستوى المتعلمين في هذا السلك التعليمي ، ذلك أن الوظائف تربط بين ما هو لغوي وما هو دلالي ، ومهارة استرجاع واستظهار الضوابط لا تعني بالضرورة مهارة  توظيفها ، وهذا مكمن الداء في تدني مستوى ممارسة اللغة العربية في هذا السلك، وشتان بين من يملك الشيء ،ومن يوظفه ، و يحسن التصرف فيه .

2)الدرس اللغوي الصريح في السلك الثانوي الإعدادي :

يواصل المتعلم الوافد من السلك الابتدائي الاحتكاك بمباحث الدرس اللغوي الصريح وبنفس الوتيرة التي كان عليها ، فيعيد تكرار ما سبق الاطلاع عليه من تجريد وزيادة وصحة وعلة ولزوم وتعد وبناء للمعلوم أو المجهول وتصريف وبناء وإعراب في الأفعال ، ومن تنكير وتعريف وبناء وإعراب في الاسماء،  ومن اتصال وانفصال وبروز واستتار في الضمائر ، ومن أسماء موصولة وأخرى للإشارة، و من ابتداء وإخبار، وصيغ للتثنية والجموع ، وأنواع من المفاعيل بها وفيها ومعها ولأجلها والمطلق منها ، ومن حال ونعت وتوكيد وعطف وبدل واستثناء وتمييز، وأسماء فاعل ومفعول ،وأسماء زمان ومكان وآلة ،وتفضيل، ونسبة،وتعجب، ومدح وذم، وإضافة، واختصاص ،واستفهام، وصرف ومنع من الصرف ،ومعجم .

وعندما نقارن بين برامج ومقررات الدرس اللغوي الصريح في هذا السلك ، وفي السلك السابق عليه نلاحظ تكرار معظم المباحث اللغوية مع فروق طفيفة ، كما نلاحظ أن هذه البرامج والمقررات تغطي ما نسبته 28٪إلى 30٪ من محتويات منظومة ابن مالك ، وهي نسبة لا يستهان بها لو صحت طرق التدريس والمقاربات ، وتجاوز المتعلمون مهارة استرجاع واستظهار القواعد الضابطة للظواهر اللغوية المستهدفة إلى مهارة توظيفها للتعبير الشفهي والكتابي .

ولا يمكننا أيضا تحديد النسبة المئوية لمباحث الدرس اللغوي الضمني التي تزخر بها النصوص التي يحتك بها المتعلمون في هذا السلك ، وهي متنوعة شعرا ونثرا ،وهي غنية الدلالة ، وتستوجب أشكالا لغوية متنوعة تدخل كلها ضمن الدرس اللغوي الضمني الموازي للدرس اللغوي الصريح والمتقاطع معه في هذه النصوص .

والملاحظ أن المتعلم الذي يلج السلك الثانوي الإعدادي من السلك الابتدائي له حالتان : إما القطيعة التامة مع مباحث الدرس اللغوي الصريح التي تلاقها أو الاعتماد عليها كل الاعتماد في السلك الثانوي الاعدادي لا يزيد عنها إلا النزر القليل ، وقد تصاحب الحمولة اللغوية التي يتلقاها المتعلم في السلك الابتدائي هذا المتعلم في باقي أسلاك التعليم لأنه يحتك بها في سن التلقي الجيد والذاكرة اللاقطة ، وهوما تعكسه العبارة المأثورة (تعلم في الصغر كالنقش على حجر) .

 والملاحظ أيضا أن ظاهرة نسيان المباحث اللغوية المدروسة لا تكون فقط بين سلك وآخر بل تكون أيضا بين سنوات السلك الواحد ، وهي ما يشبه في ثقافتنا الشعبية بحرث الجمل ، وسبب هذا النسيان أو التناسي هو غياب البعد الوظيفي لمباحث الدرس اللغوي الصريح ، إلى جانب طرق التقويم التي تقتصر على قياس مهارة استرجاع هذه المباحث ، ومهارة التعرف عليها في الغالب عن طريق الاستخراج والكشف ، وقلما يقاس توظيف هذه المباحث فيما يعبر عنه المتعلمون كتابة ومشافهة لأن طرق تقويم التعبير تركز على مهارات  إنشائية وتغفل عن تقويم توظيف المباحث اللغوية .ويعتقد المتعلمون في هذا السلك وما قبله أن المباحث اللغوية هي للاستهلاك الآني عل غرار الأشياء التي تستهلك مرة واحدة، وتلتقي بعد ذلك أو تطرح جانبا ، وهو ما يمكن أن نسميه قواعد اللغة المحدودة الاستعمال ، أوالمطروحة بعد الاستعمال .

3) الدرس اللغوي الصريح في منهاج اللغة العربية بالتعليم الثانوي التأهيلي :

يغادر المتعلم السلك الاعدادي من التعليم الثانوي الى السلك التأهيلي الذي يؤهله  في النهاية إلى سلك التعليم العالي، وبحكم تسمية السلك الاعدادي  فهو يعد المتعلم لمرحلة تؤهله لمرحلة لاحقة .وفي السلك التأهيلي من التعليم الثانوي تتعدد المسالك وتتنوع بفعل توجيه المتعلمين ، وهو توجيه يؤثر في منهاج اللغة العربية وبرامجه ومقرراتها باعتبار هذه المسالك .

وعندما يلج المتعلمون الجذوع المشتركة في السلك التأهيلي تكون حصيلتهم اللغوية الصريحة ما أشرنا إليه سابقا، وهي حصيلة تركز على قضايا مورفوتركيبية   تبدأ في السلك الابتدائي وتستمر وتكرر في السلك الاعدادي بالتعليم الثانوي ، وهي حصيلة واحدة بالنسبة لجميع المتعلمين لا تفاوت بينهم إلا بقدر ما تحتفظ به ذاكراتهم من ضوابط الدرس اللغوي الصريح .ومباشرة في السنة الأولى من السلك التأهيلي بالتعليم الثانوي تتفرق دروس اللغة الصريحة كتفرق المتعلمين إلى مسالك حيث تصير هذه الدروس في الجذوع العلمية عبارة عن دروس في الإملاء المتعلق بكتابة الهمزة وكتابة التاء، والتدرب على علامات الترقيم ، وهي دروس سبق للمتعلمين  تلقيها في التعليم الابتدائي .وتستمر بعض المباحث اللغوية القليلة جدا كالأسماء الموصولة وأسماء الاشارة وأسماء الآلة والزمان والمكان والجموع ، وتظهر لأول مرة دروس لغوية في مباحث بلاغية من قبيل الخبر والإنشاء ،وخروج الخبر عن مقتضى الظاهر ،والتشبيه والمجاز، كما تظهر لأول مرة دروس لغوية  في مباحث الايقاع والعروض حيث يباشر المتعلم الكتابة العروضية ، ويتدرب على بحر عروضي  واحد يتيم هو بحر المتقارب. ومع انفصال المسالك مرة أخرى بعد مسالك الجذوع المشتركة العلمية يعود المتعلمون في السنة الأولى التأهيلية إلى بعض دروس اللغة الصريحة التي سبق لهم معاشرتها في الطورين الابتدائي والإعدادي كالحال والتمييز والعدد والممنوع من الصرف والمصادر والنسبة إلى جانب بعض الأساليب كالاستفهام والأمر والنهي والتمني والنداء ، فضلا عن الاستعارة وبعض المحسنات البديعية كالطباق والمقابلة والإيجار والإطناب .ومع انتقال المتعلمين إلى السنة الثانية التأهيلية في الشعب العلمية والتقنية تأخذ دروس اللغة الصريحة منحى آخر بعدما كانت في السنة الأولى مجرد اجترار لمقررات وبرامج السلكين الابتدائي والإعدادي فيتعاملون مع الاشتقاق والترادف والاقتراض والنحت والتضاد والتعريف والاتساق الى جانب التعامل مع الجمل التفسيرية والاعتراضية، والنموذج العاملي، وتعود دروس الايقاع الشعري من جديد بعد غيابها خلال السنة الأولى ويدخل لأول مرة مفهوم بلاغي حديث هو الانزياح .والملاحظ في مقررات وبرامج الدرس اللغوي الصريح في المسالك العلمية والتقنية أنها لا تتجاوز عشرة دروس أو اثني عشرة درسا بعضها مورفوتركيبي، والبعض الآخر أسلوبي وجمالي  أو ايقاعي لأن مناهج اللغة العربية بالنسبة لهذه المسالك العلمية والتقنية يهدف إلى نقل المتعلمين من طور القواعد المعيارية إلى طور توظيف مباحث لغوية لتنمية وتطوير أذواقهم أثناء معاشرة النصوص الابداعية على وجه التحديد .وتبقى نسبة الدروس اللغوية الصريحة في هذه المسالك جد متواضعة ، وهي دروس غير متناغمة بين مستويات هذه المسالك .وربما اعتقد واضعو البرامج والمقررات أن هذه المباحث اللغوية تناسب النصوص الابداعية المقترحة علما بأن الدروس اللغوية الضمنية لا يمكن تقدير نسبتها أيضا ،ولا تقدير الآثار المترتبة عنها في التدرب على استعمال اللغة العربية .

أما بالنسبة للشعب الأدبية  في الجذوع المشتركة من السلك الثانوي التأهيلي فنجد لدروس اللغة الصريحة شأنا مختلفا عنه في الجذوع المشتركة العلمية والتقنية، ذلك أن الجذع المشترك الأصيل له نصيب الأسد من دروس اللغة الصريحة ،وهي متنوعة ما بين مورفوتركيبية وأسلوبية وبلاغية جمالية وإيقاعية حيث يتعامل المتعلمون في هذا المسلك مع الميزان الصرفي، وتصريف الأفعال ، ومع الأفعال الناسخة ، ومع الابتداء والخبر، وهي دروس سابقة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية .وتهيمن دروس البلاغة على برنامج ومقرر هذا المسلك حيث يتعرف المتعلمون على الفصاحة والبلاغة إمتاعا وإقناعا وعلى الأساليب خبرا وإنشاءا  مع التعرض لأغراضها، وخروجها عن مقتضى الظاهر، وعلى التصوير تشبيها ومجازا واستعارة ، وعلى المحسنات البديعية جناسا وسجعا واقتباسا وطباقا ومقابلة ،فضلا عن دروس الايقاع والعروض بدءا بالكتابة العروضية ،ومرورا بأقسام البيت الشعري وتفعيلاته ، وزحافاته وعلله، وانتهاء بالقافية مع التطبيقات على البحور طويلا ومديدا وبسيطا. ويبدو هذا البرنامج أو هذا المقرر غنيا إذا ما قورن ببرامج ومقررات مسالك أخرى  ،وذلك بسبب طبيعة هذا المسلك الأصيل الذي يتفرع عنه مسلك خاص باللغة العربية وآخر شرعي .ويبدو أن الذي اقترح هذا البرنامج ربما وضع في حسابه حاجة المتعلمين إلى هذه المباحث اللغوية في المواد الاسلامية خصوصا التفسير والحديث .أما الجذع المشترك المحسوب على الآداب والعلوم الانسانية فيخلو برنامجه من المباحث المورفوتركيبية ،ويقتصر على المباحث البلاغية من قبيل بلاغة الامتاع والإقناع، وأساليب الخبر والإنشاء وخروجها عن مقتضى الظاهر إلى جانب التصوير تشبيها ومجازا واستعارة، فضلا عن المحسنات البديعية جناسا وسجعا واقتباسا وطباقا ومقابلة ، ولا يخلو هذا البرنامج من عروض وإيقاع ،ويتلق الأمر بالكتابة العروضية والتعرف على الزحافات والعلل، مع التدرب على وزن بحري الطويل والبسيط .

وإذا ما قارننا برنامج الجذع المشترك الأصيل مع برنامج الجذع المشترك الأدبي والإنساني نجد أن عدد دروس اللغة الصريحة في الأول هو ضعف عدد دروس الثاني، 32 درسا في الأصيل و 17 درسا في الاداب والعلوم الإنسانية .

وأما السنة الأولى في مسلك الآداب والعلوم الانسانية فيركز مقررها على دروس اللغة المتعلقة بالعروض والإيقاع من خلال دراسة الوافر من البحور الشعرية والكامل والمتقارب والخفيف والرمل والرجز إلى جانب التصوير تشبيها واستعارة بأنواعها ومجازا عقليا ومرسلا . وتستمر القطيعة مع المباحث المورفوتركيبية في هذا البرنامج بهذا المسلك .وعلى غرار ما حدث في برنامج السنة الثانية في المسلك العلمي والتقني تجد برنامج السنة الثانية في المسلك الآداب والعلوم الانسانية ينحو منحى مختلفا عن برنامج الجذع المشترك وبرنامج السنة الأولى حيث يتبنى بعض المباحث اللسانية والإيقاعية الحديثة من قبيل الصور الشعرية والرمز والأسطورة والسطر الشعري والمقطع الشعري والوقفة العروضية والدلالية وشعرية اللغة، فضلا عن قضايا لسانية متعلقة بالسرد كالخطاطة السردية والنموذج العاملي وأفعال الكلام والاتساق والانسجام وأساليب الحجاج .

ومعلوم أن منهاج اللغة العربية في هذا المستوى وطبيعة النصوص الحديثة أو الحداثية هي التي فرضت هذا البرنامج من الدرس اللغوي الصريح المساير لها ،ولا يمكن ضبط الدروس اللغوية الضمنية في هذا البرنامج بهذا المستوى ، وهو ما يمكن معاينته أثناء الممارسة الصفية فقط إذ تقتضي معاشرة نصوص هذا المستوى التشفع  بهذه الدروس اللغوية الضمنية التي يعتبرها المدرسون  أحيانا عبارة عن استطرادات خارج المقررات أو خارج المطلوب منهم مع أن هذه الدروس مما تقتضيه طبيعة تحليل النصوص .

والملاحظ أن برامج ومقررات مسالك الآداب والعلوم الانسانية تخلو من المباحث المورفوتركيبية ،الشيء الذي يجعل آخر عهد المتعلمين في السلك التأهيلي بهذه المباحث هو دروس السلك الاعدادي مع العلم أن التعامل مع النصوص، وفهمها يتوقف  دائماعلى هذه المباحث، وهو ما يؤثر على مستوى ممارسة هؤلاء المتعلمين للغة العربية في غياب القواعد المورفوتركيبية الضابطة .

 أما برنامج السنة الأولى مسلك اللغة العربية في الشعبة الأصيلة فتتنوع دروسه اللغوية الصريحة حيث يطلع المتعلمون على قضايا مورفوتركيبة منها  الفاعل  ونائبه والمفاعيل بها  ومعها  وفيها  ولأجلها  والمطلق منها ، وأسماء الفاعل  والمفعول  ، والصفة  المشبهة باسم الفاعل ، وأسماء الزمان والمكان والآلة ، وأسماء التفضيل  ، والمصادر  من الثلاثي وغير الثلاثي  ،  إلى  جانب قضايا  بلاغية متعلقة  بالتصوير  تشبيها  واستعارة  ، فضلا عن  أساليب  إنشائية  وخبرية تتقارض  ، والاستفهام ، والأمر  والنهي ،والتمني ، والنداء  ، والقصر  ، والفصل والوصل ، والإيجاز  والإطناب والمساواة ، والالتفات  ، وأسلوب  الحكيم  إلى  جانب قضايا  عروضية وإيقاعية  تتعلق  بأوزان  الوافر  والكامل  والرجز والهزج والخفيف  والرمل  والمنسرح  والمضارع  والمقتضب  والمجتث  والمتقارب والمتدارك والسريع إلى جانب أوزان الموشح .

أما برنامج السنة الأولى  مسلك العلوم الشرعية  ، فيشترك  مع  برنامج السنة  الأولى مسلك اللغة  العربية  في مباحث  البلاغة  ، وتقل  مباحثه  المورفوتركيبية  ، وتقتصر على الفاعل  ونائبه ، والمفعول  به   والمفعول  المطلق ، ومصادر الثلاثي  وغير الثلاثي  ، وأسماء الفاعل والمفعول  والصفة  المشبهة و أما مباحثه العروضية  الإيقاعية ، فتقتصر  على أوزان الوافر والكامل والرجز والهزج  والخفيف  والرمل والسريع وأوزان  الموشح .

وأما برنامج السنة الثانية مسلك اللغة  العربية  فتتوزع  دروسه اللغوية الصريحة مباحث مورفوتركيبة  تتعلق  بالحال  والنداء  والاستثناء  والتعجب  والقسم  والجموع ، والإبدال والإعلال ، ومباحث بلاغية ولسانية تتعلق   بالاستعارة  والكناية  والصور الشعرية  ، والرمز ، والانزياح  والتناص  ، والتورية  والتجريد ، والمبالغة  ، والمماثلة  ، ومباحث بلاغية  وعروضية  تتعلق  بالبحور الشعرية  المهملة  والمربعات والمخمسات ، والجوازات الشعرية  ، والشعر المرسل  ، وشعر  التفعيلة  والقافية ، وحركاتها وعيوبها .

وأما برنامج السنة  الثانية مسلك العلوم الشرعية  فيلتقي مع برنامج  مسلك اللغة  في المباحث المورفولوجية، بينما  يقتصر  في المباحث العروضية  على الشعر  المرسل  وشعر التفعيلة ، والقافية  وحروفها  وحركاتها  ، كما  يقتصر  في المباحث  البلاغية  واللسانية  على الاستعارة  والكناية  والصور  الشعرية  والرمز والمماثلة .

والملاحظ  أن برنامج  مسلك  العلوم  الشرعية  في السنة  الثانية  مختزل  بالمقارنة  مع  برنامج  مسلك اللغة  شأنه  شأن  برنامج السنة الأولى  . وخلاصة  القول  أن برامج  ومقررات  الشعبة  الأصيلة  بمسلكيها : مسلك  اللغة  ومسلك  العلوم  الشرعية  في  دروس اللغة  الصريحة  أغنى  من برنامج ومقررات شعبة  الآداب  والعلوم الإنسانية . ومن  المفارقات أن  تكون  نتائج  المتعلمين في الشعبة الأصيلة في مادة اللغة العربية  أقل   من نتائج  زملائهم  في شعبة الآداب  والعلوم الإنسانية  ، ويعزى ذلك  إلى أخطاء في التوجيه  إذ  توجه  إلى  الشعبة الأصيلة  فئات  المتعلمين المتعثرين  في  شعبة الآداب والعلوم الإنسانية ، الشيء  الذي  ينعكس  سلبا  على  مردوديتهم   بالرغم  من غنى  برامج ومقررات  الدروس اللغوية  الصريحة  والضمنية .

4)اسـتـنـتـاجــات عـــامــــة

الإشكال المطروح بالنسبة للدروس اللغوية الصريحة في مختلف الأسلاك التعليمية والمسالك والمستويات أن واضعي البرامج والمقررات ينطلقون من فرضية حاجة المتعلمين إلى هذه الدروس كموارد تساهم في تطوير لغتهم العربية دون التأكد من  هذه الفرضية  ، ودون  الالتفات  إلى  قضية دمج هذه الموارد أثناء الاحتكاك بالنصوص المقررة وهي  نصوص تستضمر دروسا لغوية ضمنية أيضا ، و تكون الأجدى والأنفع لمعالجتها  هو التعامل  معها عوض  التعامل مع دروس لغوية صريحة  افتراضية قد لا يتوقف عليها الأمر أثناء معالجة هذه  النصوص. ومن هنا تتأكد فكرة ونجاعة ما يسمى بيداغوجيا الادماج التي كانت رهانا تم التخلي عنه مع الأسف بسبب تكاليفه ليس غير .ولو خضعت النصوص المختلفة شعرا ونثرا للدراسة الدقيق ليتم استخراج ما يصاحبها ويناسبها من دروس لغوية ضمنية لسد مسد الدروس اللغوية الصريحة الحالية التي يمكن أن تكون نافلة يحسن السكوت عليها مع العلم أن هذه النصوص تتكرر فيها باستمرار قضايا مورفوتركيبية مما تعلمه المتعلمون في السلك الابتدائي والإعدادي.

والإشكال الثاني هو أن التمكن من القواعد الضابطة للدروس اللغوية الصريحة استرجاعا واستظهارا لا يمكن أن يطور لغة المتعلمين التي لا تتطور إلا بالممارسة كتابة ومشافهة وبعد ذلك يمكن للقواعد الضابطة أن تساهم في تطوير هذه الممارسة ولكنها لا تكسبها  . ومعلوم أن المتعلمين عندنا لا يستحمون فيما يسمى حمامات اللغة العربية الفصيحة بل حماماتهم تكون في العامية التي تطبع ملكتهم اللغوية وتجعلهم يستثقلون  قواعد اللغة العربية الفصيحة  ، ويرونها مجرد وزر يثقل كواهلهم ولا يساعدهم على التمكن من ناصيتها  في غياب الاستحمام الحقيقي في حماماتها  عن طريق مراس التعبير الشفهي  والكتابي.

وتعاني مسالك الآداب والعلوم الانسانية والمسالك الأصيلة من غياب بعض المحفزات من قبيل الأقسام التحضيرية كما هو الشأن في المسالك العلمية والتقنية التي تعد العناصر المتميزة وتؤهلها لولوج المعاهد العليا المتخصصة في اللغة العربية ، وهي معاهد منعدمة بالقياس الى المدارس والمعاهد العليا التي تستقبل المتعلمين من الاقسام التحضيرية للمسالك العلمية والتقنية .

وبقي  أن  نسجل بأن تميز نتائج مستوى  التمكن من قواعد اللغة العربية لدى المتعلمين في التعليم العتيق إلا  أننا  لا ندري مدى  مساهمة  هذا التمكن  من التأثير  في  ملكات  التعبير  الشفوية  والكتابية لديهم. 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz