الغاية الدنيئة تبرر الوسيلة

27372 مشاهدة

   محمد مكتوب – وجدة البوابة : لم يكن يعتقد الكثيرون  أن الحكام العرب الذين أثقلوا كاهلنا وصموا آذاننا بشعارات التحرر والثورة والتقدمية، هم من سيبخسون حقوق شعوبهم ، ويطأون كرامتهم ويخنقون انسانيتهم،

     فلا القذافي ولا بشار الأسد وأمثالهما كنا نعتقد أن بنادقهم ستنتصب فوهاتها نحو صدور الشعب، و تصطف أرجل جنودهم فوق جثث وأجسام المواطنين الأحياء منهم والأموات، ولا المصفحات والدبابات تجوب الشوارع لتزمجر فوق الصدور العارية للشعب الأعزل.

    علمونا تقديس المبادئ والشعارات ووضع القضية العربية والفلسطينية فوق كل اعتبار، ضحينا بحقوقنا وحريتنا عقودا ،  وصمتنا من أجل هذه المبادئ ،أو خوفا من أن ننعت بالرجعية والخيانة، ولكن هل هؤلا ء الحكام كانوا صادقين وأوفياء فعلا، تسري في عروقهم تلك المبادئ وذلك الحماس؟؟؟، وهل كل ثوري عربي مدان،  يخفي خلف الشعرات الرنانة براثين  وأنيابا تقطر دما، تتهيأ للفتك بأي معارضة أو احتجاج في عرس الربيع العربي .

    شهدنا  اثنين وأربعين  سنة من حكم القذافي اتسم بالاغتيالات والقمع وبالعمليات الإرهابية، والتدخل في شؤون الدول المجاورة و الإقليمية والقارية، مول جماعات متطرفة وأحزابا هنا وهناك وغلب  فصيلا فلسطينيا على حساب آخر بالمال والسلاح، وبدد أموال الشعب والثروات البترولية الضخمة في سبيل نزواته، وشراء الذمم، شحذ الدول الإفريقية حوله ولا سيما بعد فشل مشروع الوحدة العربية، قد كان  يبدو من أشد الأعداء لأمريكا وإسرائيل، ومن أقوى المناضلين ضد الصهيونية  والامبريالية، وتعامل في الخفاء مع المخابرات الأمريكية والفرنسية والانجليزية، وتباهى بصورته التي تجمعها بكونديلا رايس،

    وتدخل في الشؤون الفلسطينية واللبنانية والمغربية ،  وتشادية منذ 1975، بل شارك في الحرب التشادية بالجيش والعتاد سنة 1980، وقام بعمليات إرهابية معروفة على رأسها لوكربي ، ومول الحركات الانفصالية، واحتضن الفصائل الفلسطينية واللبنانية  وجندهم لتحقيق أهدافه كحزب الله، والجبهتين الشعبية والديمقراطية …

    وكانت لبشار سنة 2000 فرصة ذهبية في تغيير مجرى حكم أبيه ، بحكم ثقافته وطبيعة تعلمه، وبحكمه ينتمي إلى جيل عايش التيارات السياسية الديمقراطية والإنسانية، بعيدا عن صراع القطبين الذي هد بانهيار جدار برلين ، ولكنه لم يفعل فسار على درب الأولين محاطا بجنرالات وشخصيات نافذة بيدها الحل والعقد، فاستنزف شعار القضية الفلسطينية وعادى أغلب الدول العربية، وتحكم في مصير لبنان واتخذه ورقة ضغط يخرجها كل حين،

        ففي سنة 1982 ارتكب الأب  مجزرة حماة التي ذهب ضحيتها  ما يناهز ثلاثين ألف بريئ  أغلبهم من النساء والأطفال، ومجزرة حي المشارقة، وسوق الأحد في حلب، ومجزرة جسر الشغور، وسرمدا، ودمشق، والرقة وغيرها، والابن يعيد ما أنتجه الأب في الربيع السوري.

   ولم تسلم دولة مجاورة من تدخل النظام السوري على مدى عقود  في شؤونها الداخلية بل في استعمارها والتحكم في رقاب شعوبها كما حدث في لبنان ، ودعمت منظمات مسلحة لتوسيع نفوذها، وتقوية حضورها وتدعيم مفاوضاتها أو لزعزعة اسقرار الدول المجاورة، ولا نبالغ إذا قلنا أن النظام الأقرب إلى هاتين الدولتين هو النظام الجزائري.

  و النظام الجزائري من أقوى الأنظمة الدكتاتورية،لقد استطاع تدجين الشعب بالشعارات والضرب على وتر الثورة الجزائرية، وبفزاعة الإرهاب، وبالاغتيالات والقتل بشتى الطرق ،بأياد خفية أو مقنعة، وبأساليب عفا عنها الدهر بعد أن تلاشت الحرب الباردة وعاثت فيها مجموعة من الجنرالات فسادا وبطشا.

    افرغ النظام الجزائري السياسة من محتواها فصارت رديفا للخداع ونصب المكائد ، وصار الرئيس وأعضاء الحكومة كراكيز بين أصابع الجيش، وصار البرلمان(مجلس الشعب) ميدانا لمباركة ما يقرره أصحاب القرار ، وهيمنت عليه مقاربة الزعامة وهدم الآخر، ومما يطبعه غياب الانسجام والمنطق في المواقف والسلوك، يدعي تقرير المصير واقترح فيما سبق  تقسيم الصحراء، يدعي التحرير و تصفية الاستعمار ووقف إلى جانب المستعمر الاسباني في قضية جزيرة ليلى ضد المغرب، ويدعي عدم التدخل في شؤون الدول وتدخل عسكريا في الصحراء، ومد القذافي بالسلاح والمرتزقة واللوجيستيك، واستيقظت فيه الإنسانية فآوى أهل القذافي ، ولم تستيقظ فيه عندما كان القذافي يحرق الليبيبن بالصواريخ والقنابل.

     والنظام الجزائري لم ينأ عن سابقيه في التدخل في شؤون الدول المجاورة والقارية،  فقد تدخل في شؤون موريتانيا وبعض الدول الإفريقية، و شجع الحركات الانفصالية، ومول المنظمات المتطرفة في لبنان، وغيرها.

   ومن شعاراتها “خير الدفاع الهجوم” فأمام  تفشي ظاهرة الفساد والقتل وانعدام الديمقراطية وغياب حقوق الإنسان  سخر المال لشراء الدول والمنظمات   وبعض الصحف الأجنبية ولا سيما الاسبانية للهجوم على دول الجوار وإخفاء عورتها.

   و الحكومة الجزائرية تبدو من أشد الأعداء لأمريكا وإسرائيل، وهي أيضا كانت من دول الصمود والتصدي ومن دو ل الممانعة، لكن في الحقيقة تربطها بأمريكا علاقات طيبة وقوية ، وكشفت وثائق ويكيليكس عن علاقات تعاون بين النظام الجزائري وإسرائيل، ليضمن استقراره، فقد يبيع نفسه للشيطان من أجل إضعاف دول الجوار،

   ومعروف عن الجيش الجزائري تورطه في جرائم ومجازر عدة بشهادة رجال من المخابرات الجزائرية وبشهادة ضباط سابقين منشقين،

   ولذلك أمكن القول أن النظام الجزائري ابتداء من انتخابات  1990  احترف  الذبح والتنكيل بالمواطنين ولا سيما الفقراء في ضواحي العاصمة والبليدة والمدية،فقد ذبحت قرى وتجمعات سكنية بأكملها ،بل اغتال حتى المقربين منه، ممن كان يرى أنهم يشكلون خطرا ما لاطلاعهم على أسرار الجيش وذوي القرار، كما اغتال ، عددا كبيرا من السياسيين والفنانين،

   فلما هب نسيم الربيع العربي وأحس النظام بنوع من التململ الشعبي الخجول بادر إلى فتح خزائنه وجاد على الشعب ببعض الفتات، بالزيادة في الأجور وبتخصيص تعويض شهري عن الشغل قدره 4000 دينار أي ما يناهز 40 دولار لكل شاب بلغ 18 سنة.

   التزم الصمت تجاه الثورتين التونسية والمصرية خوفا من العدوى، ووقف إلى جانب القذافي بقوة، وآوى عالته متفننا في إيجاد التبريرات اللازمة،  وتضامن مع بشار الأسد، وهو الآن يترقب مآله متمنيا خروجه من محنته سالما.

    وفي الأخير نخلص إلى أن هذه  الأنظمة البطلة تؤمن بمبدأ “الغاية الدنيئة تبرر الوسيلة”، و تمتاز عن غيرها بالدكتاتورية، والحكم المتفرد المطلق، وبالشعرات البراقة القومية والثورية، والتصفيات الجسدية، والسجون والمعتقلات، والتدخل في الشؤون الخارجية بالجيش والعتاد، وتخلق فصائل وتنظيمات انفصالية، وتشتري  الذمم، وتمول الإرهاب، وتتبني الثورات الشعبية الصورية، وتخاف من الثورات الحقيقية.

     تخلق وضعيات تأزم داخلية لتبرير تصرفاتها وسلوكاتها المعادية للشعب، وتنصب المكائد خارج البلاد لاكتساب قوة الضغط، وللحد من تقدم الآخر، بدل أن تكرس جهدها وطاقاتها المادية البشرية في حل وضعياتها الاجتماعية والاقتصادية،فهي تضحي بتقدمها من أجل إفشال الدول المنافسة والمجاورة، وهو الأمر الذي لن يتحقق لها حسب التجارب، فمن يسير يلحق بركب التقدم والتطور، ومن ينبح أو يضع الأعمدة في الطريق لن  يبرح مكانه.

   فهل ستعمل الدول الديكتاتورية  الثورية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية  أمثال الجزائر وفينيزويلا وإيران …   على تغيير استراتيجياتها القائمة على  القمع واستغفال الشعوب ، من أجل  ديمقراطية حقيقية وانفتاح مثمر، أم أن شعوبهم هي التي ستغير استراتيجيتها؟.

محمد مكتوب – Mohamed Maktoub

الغاية الدنيئة تبرر الوسيلة
الغاية الدنيئة تبرر الوسيلة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz